الثلاثاء، 2 أبريل 2013

قصة وآية في اسميْ عمرو خالد ومحمد هداية


بسم الله الرحمَن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين, وتابعيهم بإحسان ٍ إلى يوم الدين.

أما بعد؛ إن لكل مُسمى من اسمه نصيب, وقد يكون هذا النصيب مُباشراً ظاهراً على شخص المُسمى, كأن يكون رجلٌ اسمهُ (جميل) وهو كذلك جميل الوجه والمنظر, وقد يكون نصيب الشخص من اسمه متوارياً باطناً, كأن تكون امرأةً اسمها (حسناء) وهي ليست بذات حُسن ٍ وجمال في خَلقِها, فأين حسناء من الحُسن؟! نقول: إن الحُسن قرينة الخَلق ِ والخُلق في آنٍ معاً, وهو في الأخلاق أولى وأجدى منهُ في الخِلْقة, فإذا كانت (حسناء) حَسنة الأخلاق فهي (حسناءُ) حقاً حتى وإن لم يكن الحُسن بادي على مُحياها, لذلك نجد أن النبي (عليه الصلاة والسلام) قد فَضلَ المرأة ذات الدين وقدمها على النساء ذوات المال والجمال والحسب والنسب, كما جاء في الحديث الشريف: {تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك} رواه البخاري.
وكذلك فإن درجة تجلي الاسم على شخص صاحبه تتفاوت من إنسان ٍ لآخر, ففي بعض الحالات فإن الاسم ينطبق تماماً على المُسمى ويتجلى عليه بصورةٍ شبه كُلية, ولنا في اسم نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الكثير الخصال الحميدة, والمحمود عند أهل السماء وأهل الأرض أسوةٌ حسنة في ذلك.
وفي حالاتٍ أُخرى فإن الاسم يُجافي صاحبه فلا يكون حظهُ منهُ سوى القشور دون اللب والجوهر.
وفي هذا المقال سوف أتعرض إلى تحليل أسماء بعض أهل العلم والدعوة المشهورين, لنتعرف على أسرار هذه الأسماء ظاهرها وباطنها مُفردها وجُملتها, بنفس الطريقة والأسلوب غير المُعتاد الذي اعتمدتهُ في تحليل الأسماء في المقالات السابقة, ولنستخلص من خلال هذا التحليل عِبر ودروس وخفايا كامنة في هذه الأسماء وشخوص أصحابها كذلك.

قال تعالى : {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعلُ فيها من يفسدُ فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونُقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون 30 وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ 31 قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ 32 قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بأسمائهم فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بأسمائهم قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ 33} سورة البقرة .

عمرو خالد .. (أبا علي)  
داعية الشباب وصاحب الأسلوب الجذاب, من الدُعاة الرائدين في الجمع بين مُتغيرات الدنيا وثوابت الدين, وقد كان لظهور حلقات دروسه على رأس القرن الواحد والعشرين أثرٌ عظيم في ترغيب أبناء المسلمين بنعمة الإيمان والدين, وكذلك في تمهيد الطريق أمام الدُعاة وأهل العلم الآخرين ليحذو حذوهُ في التواصل ونشر علومهم ونقل خبراتهم عبر الشاشات الفضائية والمواقع الإلكترونية, وقد وقف الداعية عمرو خالد مع إخوانه من العُلماء والدعاة وقفةً قوية في وجه الهجمات الشيطانية التي استهدفت ما تبقى من ثقافتنا وحضارتنا العربية والإسلامية, فجازهم الله عنا خير جزاء, وجازَ الله (أبا) سَمِي أمير المؤمنين (علي), الذي أخُرج أبنائه من ديارهم مُكرهين سنُة جدهم النبي (عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين), عنا جزيل الأجر والثواب.
[مُتشكرين على اللي فات واللي راح.. مُتشكرين على الأسى والجِراح].
عن عبد الله بن مسعود. قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إلينا مستبشراً، يعرف السرور في وجهه، فما سألناه عن شيء إلا أخبرنا به، ولا سكتنا إلا ابتدأنا، حتى مرت فئة من بني هاشم، فيهم الحسن والحسين، فلما رآهم خَبَر بممرهم –اعترضهم-، وانهملت عيناه، فقلنا: يا رسول الله، ما نزال نرى في وجهك شيئاً تكرهه.
فقال: {إنا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً وتشريداً في البلاد، حتى ترفع رايات سود من المشرق، فيسألون الحق فلا يعطونه، ثم يسألونه فلا يعطونه، فيقاتلون فيُنصرون، فمن أدركه منكم ومن أعقابكم فليأت إمام أهل بيتي، ولو حبوا على الثلج، فإنها رايات هدى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، فيملك الأرض فيملأها قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً} (1).

طلوع البدر على أهل مصر
كانت مِصر تُعاني من هيمنة وسطوة الرومان الذين يعيثون فيها فساداً, وبقيت على هذه الحالة فترةً من الزمان حتى خرجت إليها طلائع جنود الإسلام, فاستنقذوها من أيدي الطُغاة العابثين, وفتحوا أمام أهلها بوابة الأمان والإيمان والدين, وكان على رأس جيش الإسلام القائد الفذ الهُمام (عمرو بن العاص) رضي الله عنه, والذي يدينُ لهُ أهل مصر بأنهُ أول من ساق عدالة وشرائع الإسلام إلى ربوع بلادهم لتحل مكان ظُلم الرومان وأهواء الشيطان.
ويتطابقُ اِسمُ أول أميراً من المسلمين على مصر مع الاسم الأول للداعية المصري (عمرو خالد).

الصديقان
وإذا جمعنا بين الاسمين الأول والثاني (عمرو + خالد), فإننا نجمع بين صديقين حميمين كانا في الجاهلية والإسلام, وهُما الداهية (عمرو بن العاص) والسيف طارد الوسواس (خالد بن الوليد), وقد شاءت الحكمة الإلهية أن تتنَزلَ الهِداية على هاذين الصديقين في نفس الوقت والزمان, فبينما ركِب عمرو بن العاص سفينتهُ عائداً من الحبشة ليُسلم بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم), لقي في طريقه إلى المدينة المنورة صاحبه خالد بن الوليد خارجاً من مكة ليُشهر إسلامهُ هو أيضاً, وهكذا شاءت الأقدار أن يجتمع صديقا الجاهلية على إتباع رسول الله كما اجتمعا على عداوته.

فتح بيت المقدس  
عند قيامنا بفصل حرف الواو (و) عن اسم (عمرو) فإن اسم الداعية (عمرو خالد) يصبح (عمر و خالد), فأما (عمر) بضم العين وفتح الميم فهو اسم أمير المؤمنين وفاروق المسلمين (عُمَر بن الخطاب), وأما (خالد) فهو اسم قائد جيوش الإيمان وسيف الله والإسلام (خالد بن الوليد), وعند ذكر هاذين الصحابيين العظيمين فإننا نستحضر مناسبةً عزيزة على قلوب المسلمين وهي فتح أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين (المسجد الأقصى المُبارك), والذي تم في عهد إمارة (عمر بن الخطاب) المُبشر بالزيارة, وبقيادة السيف الذي سَلهُ الله على أعدائهِ (خالد بن الوليد) ذو البأس الشديد, قال تعالى في سورة الحديد:{لقد أرسلنا رُسُلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيهِ بأسٌ شديد ومنافعُ للناس وليعلم الله من ينصُرهُ ورسلهُ بالغيب. إنَ اللهَ قويٌ عزيز 25}.
وعسى أن يتجدد العهد بإمارة ولي الله المهدي (أبا عبد الله), ونزول نبي الله المسيح عيسى ابن مريم (عليهم صلوات الله وسلامه), وعسى أن يكون للداعية عمرو خالد حظاً في إدراك هذا الزمان, وأن يكون من الأنصار والأعوان لإمام الإسلام المهدي عليه السلام.

الأُخُوة
إن أول حرفين من اِسم (عمرو) يشكلان كلمة (عم) وهو أخو الأب, وإن أول ثلاثة أحرف من اسم (خالد) يشكلان كلمة (خال) وهو أخو الأم, وبالتالي فإن اسم الداعية (عمرو خالد) قد انطوت فيه معاني ودلالات (الأخوة).
ولو تأملنا جيداً في حروف اسم الداعية فصيح اللسان (عمرو خالد) فإننا سوف نستخرجُ منها سراً ومعادلة ً لأخوة عظيمة وخالدة في تاريخ أمتنا الإسلامية, وينطوي لُغز هذه الأخوة الخالدة في الحياتين الأولى والآخرة في أول وآخر حرفين من الاسم الثنائي عمرو خالد (عم, لد), وعلى النحو التالي:
- إن أول حرف من اسم (عمرو) وهو العين (ع) مع الحرف قبل الأخير من اسم (خالد) وهو اللام (ل) يُمثلون الحرفين الأول وقبل الأخير من اسم (علي), وهو اسم فتى الإسلام (علي بن أبي طالب) كرم الله وجهه.
- إن الحرف الثاني بعد العين من اسم (عمرو) وهو الميم (م) مع الحرف الأخير من اسم (خالد) وهو الدال (د) يمثلون الحرفين الأول والأخير من اسم (محمد), وهو اسم نبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
وقد ورد في روايات السيرة النبوية الشريفة, أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عَمدَ بعد هجرته وأصحابه من مكة إلى المُوآخاة بين المهاجرين والأنصار, ليكون بعضهم لبعض عوناً في أمور الدين والدنيا, فيُعلم المهاجرين السابقين إلى الإسلام أخوانهم الأنصار ما تعلموه من الدين والقرآن, بينما يقوم الأنصار بمعاونة أخوانهم من المهاجرين في أمورهم الدنيوية من سكن ٍ ومعاش ٍ ونحوه.
وبينما كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يؤاخي بين أصحابه من المهاجرين والأنصار, دخل علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه- فقال : يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ ِ بيني وبين أحد ؟ فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده، وقال له : { أنت أخي في الدنيا والآخرة} (2).
قال تعالى: {واجعل لي وزيراً من أهلي 29 هارون أخي 30 اشدد به أزري 31 وأُشركهُ في أمري 32} سورة طه.
وقد شبه النبي أخوته لعلي بأخوة شريكا الرسالة والنبوة (موسى وهارون) صلى الله عليهم وآلهم وسلم, وذلك لما رواه سعد بن أبي وقاص: أنهُ لما خرج رسول الله  إلى تبوك واستخلف علي على المدينة، قال له: يا رسول الله أتخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال: {ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي } صحيح البخاري.
قال تعالى: {وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا بيوتكم قِبلة وأقيموا الصلاة. وبشر المؤمنين 87} سورة يونس.

لطيفة: العم والخال
إذا كان اسم (عمرو خالد) يتضمن كما ذكرنا كلمتي (عم وخال), فهل من الممكن أن يكون الرجل عماً وخالاً في آن ٍ معاً ؟!
الجواب هو: نعم, وإن والدي أحمد (ابن مريم ومحمد) هو من الأمثلة الحية على هذه الإمكانية, حيثُ أنهُ عم وخال أبناء أخيه لأبيه (سليمان ابن محمد) رحمهما الله, والذي هو زوج أختهِ – أخت أبي- لأمه (حسناء ابنة مريم).
وبجملةٍ أخرى فإن: سليمان أخا أبي من أبيه, هو زوج (حسناء) أخت أبي من أمه.

محمد هداية
الداعية والمُفكر الإسلامي الدكتور (محمد هداية) هو الضيف الثاني في فقرات هذا المقال, وذلك من خلال مجموعة منوعة من اللطائف والأسرار, وسوف تكون فقرة البداية لكشف ألغاز اسم (محمد هداية), مع الصحابي الذي بدء الخلافة الإسلامية على الأراضي المصرية وهو (عمرو بن العاص) رضي الله عنه.

داهية العرب   
إذا كان اسم الداعية (عمرو خالد) الأول – عمرو- يتطابق مع الاسم الأول للأمير الأول من المسلمين على بلاد المصريين الصحابي (عمرو بن العاص), فإن في اسم الداعية (محمد هداية) الثاني – هداية- ينطوي لقب وصفة هذا الصحابي الأمير, والذي كان مشهورٌ بحدة ذكاءه ودهائه وسرعة بديهته, حتى لقبهُ الناس ڊ ِ (داهية العرب).
وكل ما نحتاج فعلهُ لاستخراج كلمة (داهية) من اسم (هداية) هو نقل الحرفين الأوسطين (دا) من وسط اسم (هداية) إلى أوله فيصير (داهية).
وإن في تطابق حروف اسم (هِداية) مع كلمة (داهية) دلالةً على أن قمة (الدهاء) هو في (الاهتداء) إلى معرفة الله (الهادي) سبحانه, وإتباع النور الذي أنزلهُ على أنبيائه وأئمة الهُدى من أولياءه, وأن أدهى الناس هو (المهدي) الذي يهديه الله لكشف كل سرٍ مخفي.
وإن (الداهية) أيضاً كلمة تستخدم للتعبير عن المهالك والمخاطر, وباللهجة العامية المصرية, فإن الشخص الذي يُرجى هلاكه يُقال لهُ: (غُور بستين داهية).
وإن من أسباب تلقيب الصحابي عمرو بن العاص ڊ (الداهية), هو أنهُ كان يَعرف كيف يُسَخر دهاءه في الخروج من المآزق والأزمات المُهلكات, والذي يتغلب على الدواهي المُهلكة يكون هو الداهية نفسه.

دواهي الدهر (طوفان).. مدد
وفي نطاق حديثنا عن الدواهي والمهالك, فإننا نستطيعُ أن نستخلص من اسم الداعية (محمد هداية) دلالة واحدة من أعظم الكوارث الطبيعية التي ضربت أبناء البشرية في مطلع القرن الحالي, وهي السيل العَرِم المشهور بأمواج (تسونامي), وذلك على النحو التالي:
محمد هداية = تسونامي المُهلك

- (م)حم(د): إن أول وآخر حرف على أطراف اسم (محمد) يشكلان كلمة (مد), وهو اسم ظاهرة الارتفاع الوقتي التدرجي في منسوب مياه سطح المحيط أو البحر, وتحدث هذه الظاهرة على شكل أمواج تختلف بمدى درجة نشاطها وقوتها وارتفاعها بحسب قوة الطرد المركزية للأرض, ويُشار أحياناً إلى ظاهرة تسونامي ڊ (موجات المد), و اشتق هذا المصطلح من مظهر التسونامي حيث يظهر كموجة مد عالية, ويتشابه التسونامي وموجات المد في أنهما عبارة عن تحركات مائية نحو اليابسة على شكل فيضان, ولكن في حالة التسونامي تكون هذه الفيضانات أعلى وتستمر لوقت أطول، مما يوحي بدرجة عالية من المد والجزر.
- م(حم)د: إن الحرفين الأوسطين في باطن اسم (محمد) يشكلان كلمة (حم), وحمُ الماء سَخَنهُ, وحمَ الماء بنسفهِ صار حاراً, ولو استبدلنا حرف الميم (م) في كلمة (حم) بلفظهِ (ميم) فإنها تصيرُ (حميم), وهو الماءُ الحارُ ومنهُ كلمة استحم, و (الحُمَمُ) الرماد والفحم وكل ما احترق من النار.
وكما هو ثابت علمياً فإن درجات الحرارة في أعماق البحار والمحيطات قد ترتفع عشرات أضعاف الحرارة على سطحها, حيثُ تُشكل القشرة الأرضية في تلك المناطق غشاءً ساتراً لينابيع النيران المُلتهبة والبراكين التي تنفجر مُحدثة شروخ كبيرة فيها, وإن لهذه الحمم الكامنة في أعماق المُسطحات المائية علاقةٌ مباشرة مع نشوء ظاهرة (تسونامي), إذ أنه بحسب العلماء والمختصين في تحليل أسباب هذه الظاهرة, فإن أمواج التسونامي العاتية قد تنشأ بسبب التحركات العظيمة سواء على سطح المياه أو تحتها، وبعض الانفجارات البركانية والانفجارات تحت سطح الماء، والانهيارات الأرضية والزلازل المائية.
هداية: كما ذكرت فإن هذا الاسم هو بنقل الحرفين الأوسطين فيه (دا) إلى أوله فإنه يصير (داهية), وهي القارعة والكارثة والمصيبة العظيمة.
وهكذا نكون قد حصلنا من التحليل الحرفي لاسم (محمد هداية) على التحليل العلمي لكارثة وطوفان (تسونامي)

إن انطواء دلالات وصفة ظاهرة الطوفان الأعظم (تسونامي) في اسم النبي الأعظم (محمد) –عليه الصلاة والسلامِ- يُعبر عن حقيقة لا يُنكرها قاصي ولا داني, وذلك أن دعوة النبي –عليه الصلاة والسلام- كانت أشبه بالطوفان الذي شق طريقه بكل عنفوان جارفاً معه كل مظاهر الظلم والجهل والأوثان. قال تعالى: {فأرسلنا عليهم سيل العرم} [سبأ].

محمد المهدي
إذا كان اسم الداعية (محمد هداية) قد تشابهت حروف اسمه الثاني (هداية) مع كلمة (داهية), والتي هي لقب أول أميرٍ مسلم على أرض مصر, فإن في معنى اسم (هداية) أيضاً ينطوي لقب آخر أميرٍ لأمة الإسلام وهو الإمام (المهدي) عليه السلام.
وعسى أن يكون الداعية (محمد هداية) من نُجباء مصر الكِرام الذين يبايعون الإمام المهدي عليه السلام بين زمزم والمقام. عن حذيفة، رضي الله عنه، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، في قصة المهدي عليه السلام، وظهور أمره، قال: {فتخرج الأبدال من الشام وأشباههم، ويخرج إليه النجباء من مصر، وعصائب أهل الشرق وأشباههم، حتى يأتوا مكة، فيبايع له بين زمزم والمقام، ثم يخرج متوجهاً إلى الشام، وجبريل على مقدمته، وميكائيل عل ساقته، يفرح به أهل الأرض، والطير، والوحوش، والحيتان في البحر، وتزيد المياه في دولته، وتمد الأنهار، وتُضعِف الأرض أُكُلها وتُسْتخرج الكنوز} (3).

وإن لقبي (داهية) و (مهدي) اللذان اشتققناهما من اسم (هداية) يُمثلان وجهين لعملة واحدة, إذ أنه كما هو ثابت في الأحاديث والروايات التي سردت الأحداث والعلامات الدالة على ولاية الإمام المهدي, وهي كثيرة, فإن دواهي وحوادث أليمة وفتنٌ عظيمة وخسائر جسيمة تقع بالبلاد وتصيب العباد, ومن خلال قراءتنا لواقع الحال وما تجيء به الأخبار, فإننا نتيقن بالفعل أن ما جاءت به هذه الأحاديث والأقوال قد تحقق و وقع بلا شكٍ أو جدال.
عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام, قال:{لا يظهر المهدي إلا على خوف شديد من الناس, وزلزال *, وفتنة, وبلاء يُصيب الناس, وطاعون قبل ذلك - الأمراض المستعصية بشكل عام-, وسيف قاطع بين العرب - الخلاف والقطيعة والاقتتال-, واختلاف شديد في الناس - بأس وابتلاء-, وتشتت في دينهم, وتغير في حالهم, حتى يتمنى المتمني الموت صباحاً مساءًا, من عظم ما يرى من كَلَب الناس, وأكل بعضهم بعضاً, فخروجه عليه السلام إذا خرج يكون عند اليأس والقنوط من أن نرى فرجاً, فيا طوبى لمن أدركه, وكان من أنصاره, والويل كل الويل لمن خالفه, وخالف أمره} (4). زلزال: في لفظٍ آخر (وزلازل).

الهُدهُد .. مهندس الهِداية   
قال تعالى: {وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين20 لأعذبنهُ عذاباً شديداً أو لأذبحنهُ أو ليأتيني بسلطانٍ مُبين 21} سورة النمل.
لقد حظي طير (الهُدهد) بشرف الذكر في القرآن الكريم, وتحديداً في قصة نبي الله سليمان الحكيم مع بلقيس ملكة سبأ, وقد ذُكر (الهدهد) باِسمهِ مرةٍ واحدة في الآية رقم (20) من سورة النمل.
وإذا تأملنا في الاسم الثاني للداعية (محمد هداية) فإننا نجدُ فيه سر ذكر اسم الهدهد في آية, حيثُ أن أول حرفين من اسم (هداية) وهما (هد) يمثلان أول وآخر حرفين من اسم (هدهد), وأما آخر ثلاثة حروف من اسم (هداية) على الترتيب فإنهم يشكلون كلمة (آية).

وقد جعل الله هذا الطير سبباً في هِداية ملكة سبأ وقومها إلى عبادة الله الحق والإسلام مع سليمان عليه السلام.
[قال ابن عباس وغيره: كان الهدهد مهندساً يدل سليمان عليه السلام على الماء, إذا كان بأرض فلاة طلبه فنظر لهُ الماء في تخوم الأرض, فإذا دَلهَم عليه, أمر سليمان الجان فحفروا له ذلك المكان, حتى يستنبط الماء من قراره, فنزل سليمان عليه السلام يوماً بفلاة من الأرض فتفقد الطير ليرى الهدهد فلم يره{فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين}] تفسير ابن كثير.
وإنا إذا تأملنا في اسم (الهدهد) وحاله وتفاصيل قصته مع نبي الله سليمان عليه السلام, فإننا نجد ثمة تشابه من عدة وجوه بينه وبين الإمام (المهدي) عليه السلام:

أولاً: التشابه الحرفي واللفظي
 إن اسم (هدهد) يتكون من مقطعين يتشكلان من نفس الحرفين وهما (هد), وإن هاذين الحرفين يتوسطان على الترتيب في اسم مهدي (م(هد)ي).
وإذا جمعنا الحرفين المتبقيين من اسم مهدي وهما (م,ي), فإننا نحصل على كلمة (مَي), بفتح الميم هي كلمة عربية عامية بمعنى (ماء), وكما ذكرت فإن الهدهد لديه قدرة عجيبة في طلب الماء والكشف عن تواجده تحت الأرض.

ثانياً: الغيبة
{فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين}, إن في غياب الهدهد المأثور عن الظهور والمثول في حضرة الملك سليمان تشابه مع الإمام المهدي (عليهما السلام), والذي أُثر عنه أنه يغيب ويختفي عن الأعيان في بعض الأوقات والأحيان, عن أبي جعفر محمد بن علي، عليهما السلام، قال: {يكون لصاحب هذا الأمر يعني المهدي عليه السلام غيبة في بعض هذه الشعاب، وأومأ بيده إلى ناحية ذي طوى *، حتى إذا كان قبل خروجه، انتهى المولى الذي يكون معه حتى يلقى بعض أصحابه، فيقول: كم أنتم هاهنا؟ فيقولون: نحو من أربعين رجلاً فيقول: كيف أنتم لو رأيتم صاحبكم؟ فيقولون: والله لو ناوى الجبال لنناوينها معه. ثم يأتيهم من القابلة، فيقول: استبرئوا من رؤساكم أو خياركم عشرة، فيستبرئون له، فينطلق بهم، حتى يلقوا صاحبهم، ويعدهم الليلة التي تليها} (5).
* ذي طوى: موضع عند مكة, وطوى كذلك هو اسم الوادي المُقدس الذي نودي موسى ابن عمران عليه السلام عنده, قال تعالى: {فلما أتاها نُودي يا موسى 11 إني أنا ربك فاخلع نعليك, إنك بالواد المُقدس طُوى 12 وأنا اخترتُكَ فاستمع لما يُوحى 13} سورة طه.
وعن أبي عبد الله الحسين بن علي، عليهما السلام، أنه قال: {لصاحب هذا الأمر يعني المهدي عليه السلام غيبتان؛ إحداهما تطول حتى يقول بعضهم: مات. وبعضهم: قتل. وبعضهم: ذهب. ولا يطلع على موضعه أحد من ولي ولا غيره، إلا المولى الذي يلي أمره} (5).
وإن غياب الإمام المنتظر عليه السلام منهُ ما هو قبل بعثه ومنه ما قد يكون بعد بعثه, وإن للغياب عدة صور وأشكال, فإذا فارق الرجلُ أهله وترك بيتهُ صار غائباً عنه, وإذا سافر الرجل خارج موطنهُ صار غائباً عنه, وإذا فارق الرجل أصحابهُ وجماعتهُ صار غائباً عنهم.
وإن مثل هذا الغياب عامٌ للناس جميعاً ومن ضمنهم الإمام المهدي , ولكن للإمام المهدي غيبةٌ خاصة قبل بعثهِ هي مثلُ غيبة يوسف ابن يعقوب عليهم السلام, وهي غيبة الحاضر في شخصه الغائب عن الأذهان, وهذه الغيبة هي من أعظم المُصيبة لأن من أسبابها هو الجحود والنُكران, فكيف بنا والمهدي يعيشُ بين ظهرانينا يأكل مما نأكل ويشربُ مما نشرب, وقلوبنا عليها غطاء من ذنوبنا يحجب عنها معرفتهُ ويمنعها عن إنزالهِ منزلته, كما حجبت ذنوب بني إسرائيل قلوبهم عن معرفة أخيهم الكريم يوسف وإنزالهِ منزلتهُ التي أنزلهُ الله إياها, قال تعالى: {وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعَرَفهم وهم لهُ منكرون 58} يوسف. منكرون في قلوبهم أن يكون شخصٌ مثل عزيز مصر التي هي من أعظم ممالك ذلك الزمان هو نفسهُ أخوهم العبد الطريد الشريد يوسف.
ولهذا فإن الإمام المهدي عليه السلام يُسمى ڊ (الإمام الغائب), وكذلك لأن خبره وذكرهُ الذي نقلهُ الأنبياء والصالحين (عليهم السلام) يسبق ظهورهُ وحضوره بمئات السنين والأيام.

ثالثاً: التهديد
يتشابه هدهد سليمان مع الإمام المهدي عليهما السلام في أن كلاهما يواجه موقفاً عصيباً وتتعرض حياته للخطر ويُهدد بالقتل مع وجود شرط واستثناء؟
فأما الهدهد فإن الملك سليمان يُهدده بالقتل والذبح إلا أن يأتي بعذرٍ قوي وحُجةٍ واضحة يُفند فيه أسباب تغيبه, {لأعذبنهُ عذاباً شديداً أو لأذبحنهُ أو ليأتيني بسلطانٍ مُبين 21}.
وأما الإمام المهدي فإنهُ يُهدد بالقتل إلا أن يُبايع على ولاية الأمر, عن شهر بن حوشب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  {سيكون في رمضان صوت، وفي شوال معمعة، وفي ذي القعدة تحارب القبائل، وعلامته ينهب الحاج، وتكون ملحمة بمنى، يكثر فيها القتلى، وتسيل فيها الدماء حتى تسيل دماؤهم على الجمرة، حتى يهرب صاحبهم، فيؤتى بين الركن والمقام، فيبايع وهو كاره، ويقال له: إن أبيت ضربنا عنقك. يرضى به ساكن السماء وساكن الأرض } (6).

وليد و الهدهد
بعد أن ذكرت ثلاثة أوجه للشبه بين الهدهد والمهدي, سأبين في هذه الفقرة ثلاثة أوجهٍ أُخرى للتشابه بيني وبين الهدهد:

أولاً: التشابه في الذكر والتناغم في الحروف والاسم
- ذُكر اسم (وليد) في القرآن الكريم مرةً واحدة في الآية 18 من سورة الشعراء, قال تعالى: {قال ألم نُرَبِك فينا وليداً ولبِثتَ فينا من عُمُرك سنين 18}.
وكذلك فقد ذُكر اسم (الهدهد) في كتاب الله مرةً واحدة في الآية 20 من سورة النمل, وهي السورة التي تلي سورة الشعراء مباشرة بحسب ترتيب سورة القرآن الذي نزل به وحي الرحَمن, قال تعالى:{وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين20}.
- وإذا كانت السورتين اللتان ذُكر فيهما كل من اسميْ (وليد) و (هدهد) متتاليتين بحسب ترتيب سور القرآن, فإن أول حرف من هاذين الاسمين وهما الواو والهاء (و,ھ) متتالين بحسب ترتيب حروف اللغة العربية: {أبجد, هوز,..} أو {أ,ب,ت,....., ھ, و, ي}.
ويشترك اسميْ (وليد) و (هدهد) أيضاً في أن عدد حروفهما هو أربعة (4), وآخر حرف منهما هو حرف الدال (د). 
- وإذا قمنا بجمع الرموز العددية لحرفي (هاء ودال) المشكلان لاسم (هدهد) – بحسب قاعدة حساب الجمل-, فإننا نحصل على الرقم تسعة, [ھ : 5 + د: 4 = 9], وعند جمعنا للرموز العددية لمقطعي حروف اسم (هدهد) فإننا نحصل على الرقم ثمانية عشر (9 + 9 = 18), وإن مجموع رقمي العدد ثمانية عشر يساوي تسعة أيضاً (18 = 8 + 1 = 9), وإن الرقم تسعة (9) يشبه شكل حرف الواو (و), الذي هو أول حرف من اسم (وليد).
وعلى الناحية الأخرى فإن مجموع الرموز العددية لاسم (وليد) يساوي خمسين, [و: 6 + ل: 30 + ي: 10 + د: 4 =50], وإن الرقم الصحيح في العدد خمسين وهو الرقم خمسة (5) يشبه شكل حرف الهاء المنفصلة عند كتابتها في آخر الكلمة, مثل: كُره, بَهَره.
وعند استعمالنا لكلا رقمي العدد خمسين (50), وذلك بغمز الصفر (۰) في وسط دائرة الرقم خمسة (5), فإننا نحصل على شكل حرف الهاء عند كتابته في أول الكلمة (ھ), مثل: هدهد, هِر.
- وعند قيامنا بتعويض مجموع الرمز العددي لمقطعي حروف اسم (هدهد) على حِداً دون جمعهما, فإننا نحصل على العدد تسعة وتسعين (99), وهو عدد أسماء الله الحسنى المشهورين برواية الإمام الترمذي:
(هدهد) = (هد)(هد) = (5 + 4)(5 + 4) = (9)(9) = (99).

ثانياً: التشابه في النهي عن أذيتهِ وقتله
 قال تعالى: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ 22 إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ 23 وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ 24 أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ 25 اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ 26}.
ولَما كان (الهدهد) داعياً إلى الخير وعبادة الله وحده, باذلاً الجهد والعناء في سبيل تبليغ الرسالة, نُهي عن قتله وأذيتهِ, كما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) عن قتل أربع من الدواب: {النملة والنحلة والهدهد والصرد} (7).  
وكذلك لَما كان (الوليد) مخلوقاً ضعيفاً لا طاقة لهُ على حمل السلاح والقتال, نُهي عن قتلهِ وأذيته,  حيثُ أُثر عن النبي الإنسان محمد (عليه وآله الصلاة والسلام) أنهُ كان يعظُ جيشه وجُنده في خُطبه قبل خروجهم لغزو الأعداء, بقوله: {لا تقتلوا وليداً, لا تهدموا بيتاً, لا تقطعوا شجرة, لا تقتلوا شيخاً كبيراً ولا امرأة إلا من يقاتلكم ...}.
قال تعالى: {وقالت امرأتُ فرعون قُرَةُ عين ٍ لي ولك , لا تقتلوهُ عسى أن ينفعنا أو نتخذهُ ولداً وهم لا يشعرون 9} القصص.

ثالثاً: المهندس
 بحسب قول ابن عباس وغيره من المفسرين فإن الهدهد كان مهندساً, وأنا أيضاً (مهندس), إلا أن الفرق بيني وبين الهدهد هو أن هندسة الهدهد هي بالفطرة والتمرس, وأما هندستي أنا فهي بالدراسة والتحصيل العلمي والأكاديمي, وكذلك فإن تخصص الهدهد هو في الهندسة المدنية والطبيعية, وأما اختصاصي أنا فهو في الهندسة الكهربائية والحاسوب.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى الله على خيرة الدُعاة والمُرسلين نبينا محمد, وعلى آله وصحبه وسلم.

نُشر لأول مرة في مدونة ولي الدين والمسبار السحري بتاريخ 27-10-2010
فكرة وإعداد: المهندس وليد القراعين

المراجع:
- موقع ويكيبديا (ظاهرة المد, تسونامي).
- تفسير ابن كثير.
- كتاب عقد الدرر في أخبار المنتظر, للإمام الشافعي المقدسي.
- كتاب رجال حول الرسول, للمؤلف خالد محمد خالد.

الهوامش:
1- أخرجه الإمام الحافظ أبو عبد الله الحاكم، في مستدركه.
2- رواه عبد الله بن عمر, والترمذي في (سننه), وقال حديث حسن غريب.
3- أخرجه الإمام أبو عمرو عثمان بن سعيد المقرئ، في (سننه).  
4- من كتاب عقد الدرر في أخبار المنتظر, باب الفتن الدالة على ولاية المهدي.
5- كتاب عقد الدرر, الباب الخامس, (في أن الله يبعث من يوطئ لهُ قبل إمارته). 
6- أخرجه الإمام أبو عمرو الداني، في (سننه).
7- أخرجهُ أحمد وأبو داود بإسنادٍ صحيح.

يا صاحب الهدف الكبير

بسم الله الرحمَن الرحيم

الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على أكرم المرسلين , سيدنا محمد وآله وأصحابه وأحبابه أجمعين.
 أما بعد ؛ طريقة جديدة في كتاباتي على هذا المدونة انتهجهُا في هذه المشاركة , حيثُ سأكتفي بالتعقيب على فقرات مقالة للشيخ نبيل العوضي بعنوان "صاحب الهدف الكبير" , وقد اخترت لكم هذه المقالة التي وصلتني بواسطة أحد الأصحاب عبر بريدي الالكتروني , لِما لها من قيمة معنوية في تحفِيز الشباب الطَمُوح الحَالم على تحقيق أحلامهم , والمضي قُدُماً في طريقهم نحو المجد متجاوزين لكل محاولات الهدم والتثبيط التي قد تستوقفهم أثناء هذه الرحلة الصعبة.   

صاحب الهدف الكبير
"الشيخ نبيل العوضي"
علمتني الحياة أن من عاش لهدف كبير فإنه يعيش كبيراً ويموت كبيراً ويبقي في ذاكرة الناس كبيراً، ومن عاش بغير هدف أو لهدف حقير فإنه يعيش صغيراً ويموت صغيراً.

* تعقيب: [قُطب الزمان السيد الجليل الشيخ الكبير السيد أحمد بن أبي الحسن الرفاعي الحسيني قدسَ الله سره العزيز , كان من أجل القوم إمكاناً وأتمهم أخلاقاً وإحساناً , لقبهُ الناسُ ﺑ "الكبير", لدراسته ومهارته العلمية. كان يكشف عن الحقائق , ويأتي بالعجائب , ويُظهر الدقائق العلمية بما لا يخطر على بال أحد , فاشتهر بهذا اللقب الشريف , حتى صار جُزءاً من اسمه.
كَرَمهُ الله بما لم يحظى به أحد من الناس من قبله ولا من بعده, وشَرَفهُ بتقبيل يد جده المصطفى –عليه وآله الصلاة والسلام- وتكليمه وأخذ البيعة منه على مرآى ومسمع من الحضور الكرام. وقد وقعت هذه الكرامة الكبيرة للإمام الرفاعي الكبير في حَجِهِ الأول عام (555) هجرية, وكان عمرهُ حينها 43 عام , وأمضى سيد الأولياء أحمد الرفاعي بعد هذه البيعة المباركة (23) عام من عُمرهِ في خدمة العِلْم والدين وأُمة المسلمين حتى توفاهُ الله تعالى.
ولم يكد ينتهي قرنهُ المبارك وعهدهُ الميمون حتى كتب اللهُ للسلطان المُجاهد المُنجد (صلاح الدين الأيوبي) فتح بيت المقدس وتطهيرها من دَنسِ الصليبيين في عام (583) هجرية, أي بعد مرور نحو خمسة (5) أعوام على وفاة الإمام الرفاعي - رحمه الله- التي كانت في عام (578) هجرية في أم عبيدة بواسط العراق, عن عمر يُناهز ستة وستون (66) عام وستة أشهر] (1).

والإنسان في سبيل تحقيق هدفه لا بد أن يضحى ويتعب وينصب، فكلما كان الهدف أكبر كلما كانت التضحيات أكبر، فما قيمة الوقت في سبيل تحقيق الهدف العظيم، وما قيمة المال من أجل الوصول لهذا الهدف، بل إن النفوس لترخص أحياناً من أجل بعض الأهداف، {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} ومن هذا لما طعن (حرام بن ملحان) وسال دمه قال (الله أكبر فزت ورب الكعبة) !!.. كيف يفوز وقد قتل؟! لأنه وصل إلى الهدف الذي من أجله كان يعيش.

* تعقيب: [قال تعالى : { كل نفسٍ ذائقة الموت . وإنما تُوَفون أجوركم يوم القيامة, فمن زُحزِحَ عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز. وما الحياة الدنيا إلا متاع الغُرُور 185} آل عمران.
وقال تعالى: { إنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)} سورة التوبة].

إن الغلام الذي دل الملك على كيفية قتله ، وقتله الملك ، قد حقق هدفه الكبير الذي كان يحلم به ويصبو إليه ، من أجل هذا الهدف الكبير قتل (عمر بن الخطاب) وذبح (عثمان بن عفان) وسالت دماء الإمام (علي بن أبي طالب) ، ومن أجل الهدف الكبير كانت تلك المذبحة العظيمة لسيد شباب أهل الجنة (الحسين بن علي) وآل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .

* تعقيب : [عن ابن عمر رضي الله عنهُ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : {تحفة المؤمن الموت} أخرجهُ الطبراني بسندٍ حسن.
وعن علقمة بن قيس , وعبيدة السلماني , عن عبد الله بن مسعود , قال : أتينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) , فخرج إلينا مستبشراً , يُعرف السرور في وجهه , فما سألناهُ عن شيءٍ إلا أخبرنا به , ولا سكتنا إلا ابتدأنا , حتى مرت فئةٌ من بني هاشم , فيهم الحسن والحسين , فلما رآهم خبَر بمَمَرهم – اعترضهم- , وانهملت عيناهُ , فقلنا : يا رسول الله , ما نزالُ نرى في وجهك شيئاً تكرهُه .

فقال : {إنا أهل البيت اختارَ اللهُ لنا الآخرةَ على الدنيا , وإنهُ سيلقى أهلُ بيتي من بعدي تطريداً وتشريداً في البلاد , حتى تُرفع رايات سُود  من المشرق, فيسألون الحقَ فلا يُعطونهُ , ثم يسألونهُ فلا يُعطونهُ , فيُقاتلون فيُنصرون , فمن أدركهُ منكم ومن أعقابكم فليأتِ إمام أهل بيتي , ولو حبواً على الثلج , فإنها رايات هدىً يدفعونها إلى رجلٍ من أهل بيتي ,..} أخرجهُ الحاكم في مُستدرَكه].

في سبيل تحقيق الهدف الكبير يتربص بك المثبطون المعوقون ، وسيحاول الكثيرون تأخيرك عن الوصول ، ويشغلونك بمعارك جانبية كل هدفهم ألا تصل إلى مرادك ولا تحقق غايتك ، فلا تلتفت إليهم وامض قدماً فالعمر قصير والهدف أكبر من هؤلاء المعوقين .

* تعقيب : [قال تعالى:{قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ۖ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19)}, وقال تعالى: { وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا (48)}, وقال تعالى: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60)} (من سورة الأحزاب)].

وأنت ترقى إلى المجد وتتسلق إلى القمة سيرمونك بما يستطيعون من الحجارة ويقذفونك بأقسى الكلمات ، ويؤلبون ويحشدون عليك ما استطاعوا ، كل هذا حتى لا تصل إلى القمة وتحقق الغاية، وكلما اقترب وصولك إلى الهدف الكبير تزايد المثبطون والمتربصون ، وتكاثر المعوقون ، فان رأيت الخصوم يتزايدون فاعلم أن المجد قريب والهدف قد أزف.

* تعقيب : [ قال تعالى : {لتُبْلَوُنَ في أموالكم وأنفسكم ولتسمَعُنَ من الذين أُتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيراً. وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور 186} آل عمران.
وقال تعالى: {فاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)} الحجر.

عن عبد الله بن عباس, رضي الله عنهما, قال: {يبعثُ اللهُ المهديُ بعد إيَاس . وحتى تقولَ الناسَ: لا مهدي ,..} 2 .
قال تعالى {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ 110} سورة يوسف.
وقال تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57)وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59)} الشعراء].

إن التافهين في هذه الدنيا لا أحد يبالي بهم، غاية مرادهم أن يعيشوا، هدفهم في الحياة أن يأكلوا ويشربوا ويتمتعوا، لا يبالى أحدهم إن عاش ذليلاً أو عزيزاً ، أهم شيء أن يعيش، لا يعترض إن عاش حياة الهوان, ومن يهن يسهل الهوان عليه .. ما لجرح بميت إيلام !! هم في الحياة صفر ولكنه على الشمال،هم رعاع لا تأثير لهم في الحياة وأحياناً يكونون عبئاً عليها.

* تعقيب: [(إنَ التافهين في هذه الدنيا لا أحد يُبالي بهم) , للأسف فإن بعض الجادين وأصحاب الشأن العظيم من المُستخلفين في هذه الدنيا لا أحد يُبالي بهم أيضاَ, لأن الموازين في هذه الفترة من الزمان قد انقلبت, يُكذب الصادق ويُصدق الكاذب, يُأمن الخائن ويُخون الأمين, كما أخبر بذلك سيد المرسلين.
عن عبد الله بن عطاء , قال : قلتُ لأبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام : أخبرني عن القائم (يعني المهدي). قال : {والله ما هو أنا , ولا الذي تمُدُون إليه أعناقكم , ولا يُعْرَف , ولا يُؤبه له. قلت ُ: بما يسير ؟ قال : بما سار به رسول الله صلى الله عليه وسلم} (3) ].

صاحب الهدف الكبير همته عالية ، لا يكل ولا يمل ، إن لم يصل إلى هدفه من طريق سلك طريقاً آخر ، عنده رؤية واضحة ، يقسم الطريق إلى أهداف مرحلية يضع لها الخطط الممكنة ، والوسائل الموصلة ، ويقدر الأوقات اللازمة ، ويبدأ بالتنفيذ مستعيناً بربه متوكلاً عليه .

* تعقيب : [قال تعالى : {وكأين من نبي قاتل معهُ ربيون كثيرٌ فما وهَنوا لما أصابهم في سبيل اللّه وما ضَعُفُوا وما استكانوا. واللهُ يحبُ الصابرين 146} سورة آل عمران, وقال تعالى: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ 43} الزحرف, وقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85)} الكهف.

(وآخر الفتن والعلامات قتل النفس الزَكِية, فعند ذلك يخرج الإمام المهدي ذو السيرة المَرْضِية, فيُشَمر عن ساق جِدِهِ في نُصرة هذه الأُمة, حاسراً عن ساعِد زَندِهِ -ذراعه- لكشفِ هذه الغُمة, مُتحركاً لتسكين ثائرة الفتن عند التهابِها, مُتقربِاً لِتبعِيد دائرة المِحَن بعد اقترابها, صارفاً أعِنَة العناية لتدارُكِ هذا الأمر, مُباشراً بنفسهِ الكريمة إطفاء هذا الجَمْر, مُخلِصاً في تخليص البلاد من أيدي الفَسَقةِ الفَجَرة, كافاً عن صُلَحَاء العِباد أكُفَ المَرَقةِ الكَفرة, وجبريلُ على مُقدمته, وميكائيلُ عل سَاقته, والظَفرُ مقرونٌ ببنوده, والنصرُ معقودٌ بألويته, وقد فرِح أهل السماء والأرض والطير والوحوش بوِلايَته) (4). نفحات نشره: نفحات ذكية رائحتها عطِرة ].

صاحب الهدف الكبير يعلم أن كل عامل يخطئ، وأن أي خطة قابلة للتعديل، ولا عيب في الاعتراف بالخطأ وتقويم الطريق، فهو يستفيد من خصومه ومنتقديه، ويطلب النصح من المخلصين، فأحياناً يسدد الهدف وأحياناً يقارب، ولا يعيبه الخطأ، ولا يثبطه تشمت المتربصين، ولا يضيره تتبعهم لعثراته، فالكل يخطئ ولكن أيهم يفوز بالسباق ويصل للهدف.

* تعقيب :  [قال تعالى: {وظنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ 24 فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ 25 يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ 26} سورة ص.
وقال تعالى : {وذا النون إذ ذهب مُغاضباً فظنَ أن لن نقدرَ عليه فنادى في الظُلمات أن لا إلهَ إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين 87} سورة الأنبياء.
وقال تعالى: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) } الشعراء.

عن رسول الله صلى الله عليه الصلاة والسلام أنهُ قال : ((كل ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون)) رواهُ الترمذي عن أنس.
وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب , رضي اللهُ عنهُ , قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : {المهدي منَا أهل البيت يُصلِحُهُ اللهُ في ليلةٍ واحدة} أخرجهُ الإمام احمد بن حنبل في مُسْنَده] .

صاحب الهدف الكبير لا ينظر إلى رضا الناس، فرضاهم وإن كان مهماً إلا أنه لا قيمة له إذا تعارض رضاهم وتحقق الهدف، ولهذا جاء في الحديث {من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس}. ولأن الهدف كان كبيراً، حقق الله له الغايتين، فإن كنت مقتنعاً بهدفك ، فلا يضيرك سخط الناس، فالأنبياء منهم من قتل ومنهم من كذب، وكلهم عودي.

* تعقيب : [قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)} القلم.
وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىا بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ 112} الأنعام.
وعن معاذ بن جبل , رضي الله عنه , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : {لا تزالُ عِصابة من أُمتي يُقاتِلون على أبواب دمشق وما حولها , وعلى أبواب بيت المقدس وما حولها , لا يضُرُهم خِذْلانُ من خَذَلهم , ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة} أخرجهُ البخاري ومسلم في صحيحيهما ] .

صاحب الهدف الكبير قد يغير مجرى التاريخ وقد يبدل حياة الناس إلى الأصلح والأحسن وقد ينشر في الأرض العدل بعد انتشار الظلم والجور ، ومع هذا فهو واحد بين الجموع ، وهم القلة في العالمين ، وهم الصفوة بين البشر … فهل كنت منهم … صاحب هدف كبير ؟

* تعقيب : [عن علي بن علي الهلالي , عن أبيه , قال : (دخلتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهو في الحالة التي قُبض فيها , فإذا فاطمة عند رأسه , فبكت وارتفع صوتها , فرفع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) طَرفَه إليها , فقال : {حبيبتي فاطمة , ما الذي يُبكيك ؟} قالت : أخشى الضَيْعَة من بعدك.

فقال :{يا حبيبتي , أما علمتِ أن الله اطَلَعَ على أهل الأرض اطِلاعَة , فاختار منها أباكِ, فبعثهُ برسالته, ثُم اطَلَعَ طِلاعَة, فاختار منها بعلَكِ, وأوحى إليَ أن أُنكِحكِ إياه, يا فاطمة, ونحنُ أهلُ بيتٍ قد أعطانا الله عز وجل سبع خصال, لم تُعْطَ أحداً قبلنا ولا تعطى أحداُ بعدنا, أنا خاتم النبيين, وأكرم النبيين على الله عز وجل, وأحب المخلوقين إلى الله عز وجل, وأنا أبوك ووصيي خير الأوصياء وأحبهم إلى الله عز وجل , وهو بعلك, وشهيدنا خير الشهداء, وهو حمزة بن عبد المطلب, عم أبيك, وعم بعلك, ومنا من لهُ جناحان أخضران, يطير بهما في الجنة مع الملائكة حيث شاء, وهو ابن عم أبيك, وأخو بعلك, ومنا سبطا هذه الأمة, وهما ابناك الحسن والحسين, وهما سيدا شباب أهل الجنة, وأبوهما – والذي بعثني بالحق – خيرٌ منهما.

يا فاطمة, والذي بعثني بالحق, إن منهما مهديَ هذه الأمة, إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً, وتظاهرت الفتن, وتقطَعَت السُبل, وأغار بعضهم على بعض, فلا كبير يرحم صغيراً, ولا صغير يُوقر كبيراً, فيبعثُ الله عز وجل عند ذلك منهما من يفتح حُصون الضلالة, وقلوباً غُلْفاً, يقومُ بالدين في آخر الزمان, كما قُمتُ به في أول الزمان, ويملاُ الدنيا عدلاً, كما مُلِئت جوراً.

يا فاطمة, لا تحزني ولا تبكي, فإن الله عز وجل أرحم بك وأرأف مني, وذلك لمكانك مني, وموقعك من قلبي, قد زوجك الله زوجك, وهو أعظم حسباً, وأكرم منصباً, وأرحم بالرعية, وأعدلهم بالسوية, وأبصرهم بالقضية, وقد سألتُ ربي عز وجل أن تكوني أول من يلحقني من أهل بيتي}.

قال علي , عليه السلام: فلما قُبض النبي صلى الله عليه وسلم, لم تبق فاطمة إلا خمسة وسبعين يوماً, حتى ألحقها الله تعالى به, عليهما السلام) 5.

وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب , رضي الله عنه , قال : {... , فيجمعُ اللهُ عز وجل أصحابه (يعني المهدي) على عدد أهل بدر , وعلى عدد أصحاب طالوت , ثلاثمائة وثلاثة عشرَ رجلاً , كأنهم ليوث خرجوا من غابة, قلوبهم مثل زُبَرِ الحديد, لو هموا بإزالة الجبال لأزالوها عن موضعها, الزِي واحد, واللباس واحد, كأنما آباؤهم أب واحد, .. , ثم قال أمير المؤمنين , رضي اللهُ عنه : وإني لأعرفهم , وأعرفُ أسمائهم . ثم سمَاهم , وقال : يجمعهم اللهُ عز وجل , من مطلع الشمس إلى مغربها , في أقل من نصف ليلة , فيأتون مكة ...} 6 ] .

* ختاماً أقول: جَازا اللهُ الشيخ نبيل العوضي عنا خيراً , ورزقهُ الصبر والثبات على الغاية الكبرى والطريقة المُثلى , إنهُ وليُ ذلك والقادرُ عليه. ولكن هل عرفتم من هو صاحب الهدف الكبير؟

عن الحسين بن علي , عليهما السلام , أنهُ قال : {لو قام المهدي لأنكرهُ الناس, لأنهُ يرجعُ إليهم شاباً موفقاً, وإنهُ من أعظم البليةِ أن يخرجُ إليهم صاحبهم شاباً, وهم يحسبونهُ شيخاً كبيراً} 7.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 المراجع:

- كتاب عقد الدرر في أخبار المنتظر, للإمام الشافعي المقدسي.

الهوامش:

1- لمزيد من التفاصيل, راجع موضوع: "كرامة سلام الإمام الرفاعي على خير الأنام".
2- أخرجهُ الحافظ في كتاب الفتن.
3- كتاب عقد الدرر, باب فتوحاته وسيرته.
4- كتاب عقد الدرر, الفصل الرابع في زَبد أحاديث مرضية.
5- أخرجه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في (صفة المهدي).
6- عقد الدرر, الفصل الثاني في الخسف بالبيداء وحديث السفياني.
7- عقد الدرر , باب عدله وحِليته.


* نُشر لأول مرة على مدونة (ولي الدين والمسبار السحري) بتاريخ 6-1-2008
    إعداد : وليد الكراعين








  


الاثنين، 1 أبريل 2013

لعن رسول الله المصورين قبل مئات السنين


بسم الله الرحمَن الرحيم

تقديم

قال تعالى: {المص 1} سورة الأعراف.
نقرأُها هكذا: {ألِفْ, لام, مِيم, صاد}.
ونُعَرف دلالاتها هكذا:
(ألِف): نُسَكِن آلام اللام المكسورة في (ألِف) بالسكون فتصبح (ألْف) 1000.
(لام): إذا أضفنا السين إلى (لام) فإنها تصبح (سلام).
(ميم): إن لفظ الحرف الثالث (ميمٌ) أوله وثالثه (م), وهذا يُطابق اسم (محمد) خير المرسلين الذي أولهُ وثالثهُ (م).
ورابع حرف (ص): هو أول حرفٍ من الكلمة الرباعية (صلاة) ويدلُ عليها.
وهكذا فإن: {المص} = {ألْف سلام محمد صلاة}, وعند إعادة ترتيب هذه الكلمات, فإننا نصلُ إلى بيت القصيد وهو:
(ألْفُ) (صلاةٍ ) و(سلام) على خير الأنام (محمد) وآله وصحابتهِ الكِرام.

وحتى لا يظُن البعض أن هذا الاستنباط (المُحمدي) أعلاه مجرد صدفة وتحوير لغوي يفتقر للمنهجية, فإن ثمة قاعدة تجمع بين هذه الدلالات التي تم استخراجها, وهي أنهُ باستثناء الحرف الثالث {م} الدال على اسم العلم (مُحمد), فإن دلالات الحروف الثلاثة المتبقية من آية {المص} - وهي:{ال ص} - تنطوي في حروف الآية نفسها منقوصة حرف واحد منها, على النحو التالي:
{ا}: والدلالة المستنبطة منه هي (ألْف), وباستثناء حرف (ف) فإن أول حرفين من (ألف) وهما (أل) موجودان في أول حرفين من الآية {(ال)مص}.
{ل}: والدلالة المُستنبطة منه هي (سلام), وباستثناء حرف (س) فإن آخر ثلاثة حروف من (سلام) وهم (لام) نجدهم في أول ثلاثة حروف من الآية {(الم)ص}.
{ص}: والدلالة المُستنبطة منه هي (صلاة), وباستثناء حرف (ة) فإن أول ثلاثة حروف من (صلاة) وهم (صلا) نجدهم في الحروف: الأول والثاني والرابع من الآية {(ال)م(ص)}.

وفيما عدا السهو والنسيان, وفيما يخص حروف المستثناة من الدلالات الثلاثة والتي لم تجد لها مكاناً في حروف آية {المص}, وهي الحروف الثلاثة على الترتيب (ف س ة), (ف) من ألْف, و (س) من سلام, و (ة) من صلاة, فإليكم ما جاء عن حَبر الأُمة ابن عباس – رضي الله عنه- في تفسير قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا}, قال ابن كثير: [والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها : ذواتها وأفعالها ؛ كما قال ابن عباس: حتى الفسوة والفُسَية. يعني أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر].
  
 أما بعد ؛ قال اللهُ تعالى : {إن اللهَ وملائكتهُ يُصَلون على النبي. يا أيُها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً 56 إن الذين يؤذون اللهَ ورسولهُ لَعَنَهُمُ اللهُ في الدنيا والآخرة وأعدَ لهم عذاباً مُهيناً 57 والذين يؤذُونَ المؤمنين والمؤمناتِ بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بُهتاناً وإثماً مُبيناً 58} (سورة الأحزاب).
إن الله تعالى يصلي على نبيه , أي يرحمهُ ويُعظم شأنهُ , ويرفع مقامهُ , وملائكتهُ الأبرار , وجُندهُ الأطهار , يدعون للنبي ويستغفرون لهُ ويطلبون لهُ البركة والمجد والظهور في الأرض , فيا أيها المؤمنون : صلوا أنتم عليه وسلموا تسليماً كثيراً , وعظموا أمرهُ , واتبعوا شرعهُ , وأدوهُ حقهُ العظيم عليكم.
ثمَ أخبر تعالى أن الذين يؤذون الله بوصفه بما لا يليق به جل وعلا, ورسولهُ كقولهم عنه مجنون, ساحر, كذاب, أو بما كان يلحقهُ به المنافقون والكفار من الاذى الحسي والمعنوي, فإنهم بذلك قد استحقوا غضب الله ولعنتهُ عليهم في دنياهم وآخرتهم , وأن الله أعدَ لهم عذاباً شديداً لا يُدرك كنههُ ولا يُعرف هولهُ , وكذلك الذين آذوا المؤمنين والمؤمنات بالبهتان , وهو الفعل الشنيع أو الكذب الفظيع والافتراء الواضح الذي يثيرُ الحيرةَ من بُطلانهُ.

قال الترمذي, عن ابن عمر - رضي الله عنهما-, عن النبي (صلى الله عليه وسلم), قال: {إن لجهنم سبعة أبواب, بابٌ منها لمن سل السيف على أمتي- أو قال على أمة محمد-}.
وقد جاء في تفسير قَوْلِهِ تَعَالَى : {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ} : إِنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ أَصْحَاب التَّصَاوِير {ورسولهُ} : نزلت في الذين طعنوا على النبي في نِكاحهِ صفية بنت حُيي (تفسير الطبري).
وَقَالَ عِكْرِمَة: {إن الذين يؤذون  الله}: مَعْنَاهُ بِالتَّصْوِيرِ وَالتَّعَرُّض لِفِعْلِ مَا لَا يَفْعَلهُ إِلَّا اللَّه بِنَحْتِ الصُّوَر وَغَيْرهَا,وَقَدْ قَالَ الرَسُول -عليه الصلاة والسلام-:(لَعَنَ اللَّه الْمُصَوِّرِينَ)(تفسير القرطبي).

وما أشبه اليوم بالأمس على الرغم من القرون الطويلة التي تفصل بينهم , فالذين آذوا الله جل وعلا بالأمس من مُصوري التماثيل والأوثان, مثلهم كمثل من يؤذون رسوله -عليه الصلاة والسلام- اليوم في رسومهم ومشاهدهم التمثيلية المُصورة, لأن الذي لا يستحي أن يؤذي ربهُ سبحانهُ وتعالى ولا يخشاه , لن يستحي أو يخشى من أن يؤذي أنبيائه ورسله -عليهم السلام جميعاً- , ولقد كرمَ الله رسولهُ فجعل عقوبة من آذاهُ سبحانهُ وتعالى سواءً مع عقوبة من آذى رسولهُ, وهي اللعن والعذاب المُهين في الدنيا والآخرة وهي عقوبة المصورين.

 روى البخاري في صحيحه عن أبي جحيفة السوائي -رضي الله عنه- , قال : رأيت أبي اشترى حجاماً فأمر بمحاجمهِ فكسرت ، فسألته عن ذلك ، قال : {إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب ، وكسب الأمة ، ولعن الواشمة والمستوشمة ، وآكل الربا وموكله ، ولعن المُصور}.

وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما- أن رجلاً قال له : إني أصور هذه الصور فأفتني فيها , فقال له : ادنُ مني فدنا , ثم قال لهُ : ادنُ مني فدنا , حتى وضع يدهُ على رأسه وقال : أنبئك بما سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- , سمعتهُ يقول : {كل مُصَور في النار , يُجعل لهُ بكل صورة صورها نفس فيعذبهُ في جهنم}.
قال ابن عباس : (فإن كنت لا بد فاعلاً فصور الشجر , وما لا روح فيه.
وفي رواية أخرى عنهُ: سمعتهُ يقول: (من صور صورة فإن الله يعذبهُ حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبداً).

قال القُرطبي : [لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- المصورين ولم يستثن ِ , وقال: (إن أصحاب هذه الصور يُعذبون يوم القيامة يُقال لهم أحيوا ما خلقتم) .
وفي الترمذي عن أبي هريرة - رضي الله عنهُ- , قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: {يخرج عنق من النار يوم القيامة , له عينان تبصران , وأذنان تسمعان , ولسان ينطق يقول : إني وكلت بثلاث : بكل جبارٍ عنيد , وبكل من دعا مع الله إلهاً غيره , وبالمصورين} (1).
وفي البخاري {أشد الناسِ عذاباً يوم القيامة المُصورون} وهذا يدل على المنع من تصوير أي شيء كان] (2).  

فما هو التصوير ؟!
التصوير: هو التمثيل والنقل والتعبير, والتصوير قد يكون لصورة ذهنية وخيالية, أو تقليد لصورة واقعية وحقيقية, أو دمج بين الواقع والخيال, وقد يكون لشيء مُفرد, أو لعدة أشياء تُشكل مع بعضها مضموناً مُتكاملاً.
والتصوير له عدة أنواع, أيسرها هو التصوير الشفوي, وهو أن يُخرج الإنسان تصوراً ما في ذهنه وينقلهُ ويشرحهُ للآخرين بلسانه, ومثلهُ التصوير الإنشائي, وهو أن ينقل الإنسان تصوراته وأفكاره وخواطره للآخرين عن طريق كتابتها.
والتصوير يكون كذلك باستخدام الحواس جميعاً من نُطق وإيحاء جسدي وحركات تمثيلية, وهذا التصوير شأنهُ شأن التمثيل المسرحي والتلفزيوني ونحوه.
ومن أنواع التصوير الأخرى, التصوير بالرسم والنحت وصناعة القوالب والدُمى.
ويُطلق مُصطلح التصوير كذلك على الصور التي يتم التقاطها أو المشاهد التي يتم تسجيلها باستخدام الكاميرات الإلكترونية, إلا أن هذا النوع من التصوير لا يعدو كونهُ مجرد نقل لصورة الشيء الحي والواقع على حقيقته ودون تكَلُف وزيادة أو تنقيص عليه, على عكس أنواع التصوير الأخرى المذكورة أعلاه, والتي يمكن التكلفُ بها والإدخال عليها.

وجميع أنواع التصوير المذكورة أعلاه هي على مما أحلهُ الله, أو مما حَرَمه, أو مما استحبتهُ الشريعة السمحة, أو مما كرهته, وكل ذلك مقترن بضوابط أخلاقية وشرعية واقتصادية تحدد حُكمهُ ومدى قبولهُ أو رفضهُ, وإن بعض الحلال أحياناً يصبح مكروهاً أو مُحرماً في حال أُسِيء استخدامه وأُخرج عن طوره المعقول, كما أن بعض الحرام قد يصبح مُستحباً أو حلالاً في حال دعت الضرورة إلى استخدامه والإفادة منه.
فعلى سبيل المثال, فإن الذي يكتب كتاباً أو يتحدث حديثاً يُصور فيها الأشياء على غير حقيقتها وصِفَتها بُغية الإفساد وإثارة الفتن, فبئْس الكتاب وبئس الحديث ذاك, وصاحبهُ ملعون عند الله, منبوذٌ عند الناس, ولهُ عذابٌ أليم.
وكذلك من يرسم صورة أو يُمَثل مشهد فيه استهزاء بقوم ٍ من الأقوام, أو انتقاص من شخصية أو دين ٍ أو مذهب بغرض الاستفزاز والإساءة, فإن أصحاب هذه الصور ومُمثلي هذه المشاهد ملعونين عند الله, منبوذين عند الناس, ولهم عذابٌ أليم.
وأخيراً, من استعمل آلة تصوير في تتبُع عورات الناس وكشفها وتسجيل عثراتهم خلسة ً دون إذنهم, أو قام بتصوير الفواحش وإخراجها للناس ليروها, فإنهُ ملعونٌ عند الله, منبوذٌ مَهينٌ عند الناس, ولهُ عذابٌ أليم.

وفيما يلي موجز قصير عن أشكال التصوير, وما أجمع عليه فقهاء المسلمين من تحريمه وإباحته:
[قسم العلماء الصور إلى قسمين (بناءً على الأحاديث النبوية القاطعة الواردة فيها):
1- الصور التي لها ظل, وتسمى (التماثيل).
2- الصور التي ليس لها ظل , وهي المرسومة على الورق , أو المنقوشة على الجدار , أو المصورة على البساط والوسادة ونحوها وتسمى (الصور).
فكل تمثال صورة , وليس كل صورة تمثال , ولقد أجْمعَ العلماء على حُرمة تصوير كل ذي روح من إنسان أو حيوان مُجسماً كان أو مرسوماً , ولبعض العلماء استثناء في شيء من الصور كأن تكون غير متصلة الهيئة بقطع رأسها أو بعض أجزاءها , وأن تكون مما يُمتهن ويُداس كالوسائد , ولُعب البنات والصغار.
وأما عن حُكم الشريعة في التصوير الفوتوغرافي (ومثلهُ من أنواع التصوير باستخدام الأجهزة الإلكترونية الحديثة),  فينبغي أن يقتصر في الإباحة على حد الضرورة وما تتحقق به المصلحة, وأن لا يُصاحبهُ مفسدة أو حرام ] (3).
         
وبعيداً عن الخوض في أحكام التصوير وحيثياتهُ في شريعة الله, فإن خُلاصة ما أود تِبيانهُ من جملة هذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة في شأن المصورين , هو أن الله وملائكتهُ ورسولهُ يلعنون من صَوَر صُورة يُريد بها إيذاء المسلمين, فيا أيها الذين آمنوا العنوا من لعنهُ اللهُ ورسولهُ.

وإن هذه الرسوم الكاريكاتورية والأفلام المُسيئة إلى الذات النبوية الساكنة في السماوات العَلية , هجمة تصدى لها رسول الإنسانية محمد -عليه وآله أفضل الصلاة والتسليم- , وفتنة طبَ لها قبل وقوعها بمئات السنين. قال تعالى : {أم حَسِب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا. ساء ما يحكمون 4} سورة العنكبوت.
حيثُ أطلع الله علام الغيوب نبيه -عليه الصلاة والسلام- على ما كان وما سيكون , قال تعالى : {وما ينطقُ عن الهوى 3 إن هو إلا وحيٌ يُوحى 4 علَمَهُ شديدُ القُوى 5} سورة النجم.
فهو الشمس التي  سيعمُ نورها ودفئها جميع الخلق في هذا الكون , بمن فيهم  أولئك الغرُ المجانين من المُصورين الذين  تطاولوا على سيد ولد آدم أجمعين , فحقت عليهم لعنة الله وغضبهِ في آياتهِ, ولعنة رسولهِ وتشنيعهُ عليهم في أحاديثه, والتي نقلها أصحابهُ وأتباعهُ وحفظوها بإذن الله عن التحريف والتدليس, ليرددها أبناء الأمُة في كل زمانِ ومكان كأن قائلها المبعوث رحمةً للأنام قد قالها الآن , يُجيب بها المتسائلين ويهدي الضالين , ويُثني على المؤمنين والمُحسنين , ويزجُر العُصاة والظالمين من أمثال أولئك المصورين أعداء الدين , الذين جسدوا صورته ورسموها زوراً وبهتاناً دون أن يروهُ أو يعرفوهُ , بهيئات ودلالات هو منها براء براءة الذئب من دم  يوسف ابن يعقوب -عليهما السلام -.
عن أبي شُريح قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{إن أغنى الناس على الله عز وجل, رجل قتل غير قاتله أو طلب بدم الجاهلية من أهل الإسلام ، ومن بصَرَ عينيه في المنام ما لم تُبْصِرا‏} رواهُ الطبراني في الكبير‏‏.

‏وكما تعلمون فإن نبينا محمد -عليه الصلاة والسلام- قد اختار الرفيق الأعلى وفارق الحياة , فلا يُرى بعد ذلك إلا في المنام , عن عبد الله ابن مسعود قال ‏:‏ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ‏:‏ {من رآني في المنام فقد رآني , فان الشيطان لا يُتبغى له أن يتمثل بمثلي‏} رواه أحمد‏‏.‏
وأنهُ لا يُبتغى لمثل هؤلاء المصورون الغافلون أن تصل مداركهم إلى رؤية الرسول في منامهم, لذا فما صُوَرهم هذه التي رسموها لشخص النبي –عليه الصلاة والسلام إلا اختلاقاً من نسج خيالهم وأوهامهم ووحي شيطانهم.

كما أنهُ لا ينبغي لهم أن يؤذوا من توفاهُ الله قبل 14 قرناً بذنب ارتكبه الأحياء في هذه الأوقات , وذلك إذا ما سَلَمنا حقاً بأن هؤلاء الرسامين قد ارتكبوا فعلهم المشين بحق نبينا العظيم على حد زعمهم, تحت وطأة أعمال التفجير والقتل والتخريب المنسوبة إلى جماعات من أبناء العرب والمسلمين.
وفي الوقت ذاته أود أن أسأل هؤلاء المصورين لماذا لا نجدُ بالمقابل رسوماً في صحف العرب والمسلمين وأفلامهم تسخر من موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام, رغم كل ما يلحق بالمسلمين من أذىً كبير وظلماً شديداً تمارسهُ عليهم وفي عقر دارهم جيوش جرارة تخرج من بلاد أولئك المصورين وتَدعي الانتساب إلى اليهودية والنصرانية وترفع راياتها؟
الإجابة هي : أننا نحنُ أهل الإسلام حَمَلة الرسالة السماوية إلى آخر الزمان , نؤمن بجميع الأنبياء -عليهم السلام- وكتبهم ونوقرهم ونحبهم كتوقيرنا ومحبتنا لخاتم النبيين رسولنا محمد -عليه الصلاة والسلام- , أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فقد توقف علمهم وإيمانهم بآيات الله ورسله عند حدود أزمنة بعث أنبيائهم ونزول كتبهم , وأعرضوا عما نزل بعدهم من النور رغم معرفتهم بأنهُ الحق الذي بشر به أنبيائهم , وأن ما جاء بهِ موسى وعيسى ومحمد -عليهم الصلاة والسلام- يخرج من مشكاةٍ واحدة.
قال تعالى :{قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ 97 مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ 98} سورة البقرة.

إن التفريق بين الملائكة والأنبياء وعداوتهم هي من العقائد الزائفة لكفار اليهود عليهم لعنة الله , والذين أشارات عدة تقارير صحفية وتلفزيونية إلى وقوفهم وراء هذه الحملة البشعة ضد المسلمين ومُساندتها (4) , من خلال نشاط الموساد ونفوذ اللوبي الصهيوني في أوروبا وأمريكا , وكيف لا وهم سَبَاقين إلى نشر صور تُسيء إلى النبي الكريم في طرق فلسطين عجل الله خلاصها من أيدي المحتلين , وتاريخهم القديم في أذى الله وأنبيائه والمؤمنين وقتلهم والسخرية منهم خير شاهد على هذا , قال تعالى : {لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ 181} سورة آل عمران.
           
وعن ابن مسعود - رضي الله عنهُ- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : {إن أشد أهل النار عذاباً يوم القيامة من قتل نبيا أو قتله نبي ، وإمام جائر، وهؤلاء المصورون} رواهُ الطبراني في الكبير.
ولقد جمع الرسول -عليه الصلاة والسلام- في حديثٍ واحد بين قتلة الأنبياء وأكثرهم من اليهود , وبين من يسخرون  منه اليوم وهم المصورون, وتوعدهم بالعذاب الشديد, وهذا من دلائل نبوتهِ -عليه الصلاة والسلام- ونفاذ بصيرته , فهو بما نبأهُ بهِ العليم الخبير وأطلعهُ عليهِ من أخبار الغيب , قد سبق كل التحليلات والتقارير الصحفية التي أشارات إلى هذا الاحتمال.
                 
ولقد جاء في الآيات التي تَبِعت ذكر أذى الله ورسولهُ محمد وأتباعهُ المؤمنين في سورة الأحزاب, ذِكر أذى بني إسرائيل لنبيهم موسى -عليه السلام- وقد برأهُ اللهُ مما رموهُ بهِ من العيوب , وذلك ليحْذر المؤمنين من مُشابهة اليهود في أذى نبيهم أو حتى التسبب في أذاه , ويعلموا أن الذي برأ موسى -عليه السلام- قادر أن يُبرأ رسولهُ وينتقم له ممن يؤذيه , قال الباري عز وجل : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا 69} سورة الأحزاب.

 أقول: ولله الحمدُ والمِنة أن جعل أذى نبي هذه الأمة في غالب الأحيان من غيرها وممن ليس منها, بينما كان أذى موسى -عليه السلام- كثيراً ما يقع من أمتهِ وأتباعه , فكيف بهم إذا كان النبي من غيرهم أتراهم يتورعون عن أذيته ومن اتبعهُ.
روى الإمام أحمد , عن عبد الله بن مسعود قال : قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ذات يوم قسما فقال رجل من الأنصار : إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله , قال, فقلتُ : يا عدو الله أما لأخبرن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بما قلت , فذكرتُ ذلك للنبي -عليه الصلاة والسلام- فاحمر وجههُ ثم قال: {رحمة الله على موسى ,لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر} (5). 
الساكت عن الحق شيطانٌ أخرس, وإن سكوت الدول والقيادات عن رعاياها من المصورين والصحف والمواقع الناشرة للرسوم المُعادية للإسلام ونبينا محمد  -عليه الصلاة والسلام- وتسامُحها معهم , هو في ظاهره رحمة لهم, وفي باطنهِ عذابٌ شديد, حيثُ سيتحول تسامح قادتهم معهم في يوم الحساب إلى كابوس ثقيل على الرؤوس , وسيتمنى عندها المصورون لو أن حكوماتهم قيدت أيديهم بالسلاسل قبل أن تصنع ما صنعت بحق الرسول , قال تعالى : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا 66 وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا 67 رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا 68} سورة الأحزاب.          
وأما عن تذَرُع المصورين وحكوماتهم غير المُبين باستباحة نشر الصور المُسيئة بدعوى حُرية التعبير , فما هو سوى كلمة حق أُريد بها باطل , وهي أشبه ما يكون إلى رجل خرج في قومه فقال لهم : أريد أن أقتل نفسي وأموت , فقالوا لهُ : أنت حُر بما تصنع بنفسك , فما كان منهُ إلا أن جاء بقنبلة وفجر بها جسمه , فقتل نفسهُ وقتل من حولهُ معهُ , فكان وبالهُ على نفسهِ وقومهِ وهم لا يشعرون, فبئْست الحرية ما عَمَ شرها الناس ولم يقتصر على مُتخذها.
وإن هؤلاء القوم أخذوا الحرية بمفهومها الإنساني القاصر , لا بمفهومها الكامل الرفيع الذي شرعهُ الله للناس في رسالاته للبشر , والصحيح أنهُ كان يجب على قوم ذلك الرجل الذي هم بقتل نفسهِ أن يمنعوهُ ويحبسوهُ عن هذا الفعل ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً , لأن الله حرمَ قتل النفس وتوعد المُنتحر بدخول النار أو الحرمان من الجنة, فيكونوا بذلك قد استبرؤا لأنفسهم من شرور هذا الإنسان وحموها من عدوانه, لو كانوا يعلمون. 
وإن من شأن مثل هذه الحرية العاجزة الخداعة أن تتحول إلى طوفان يُغرق كل القيم والاعتقادات لدى مثل هؤلاء الأقوام , ويجرفها إلى بحر التشتت والوهن والضياع وانعدام الغيرة على الذات.
قال تعالى: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم بل هم عن ذكرهم معرضون 71} سورة المؤمنون.   
لو أن الهوى والرأي ينقذ الناس ويُخرجهم مما هم فيه من الضياع والضلالة , لما أرسل اللهُ رُسله وأنزل عليهم شريعتهُ وكُتبه , ولو أجاب اللهُ عبادهُ إلى ما في أنفسهم من الهوى وشرع الأمور على وفق ذلك , لصارت أمورهم فوضى وفساد , لأن كل فرد لهُ رأي ومِزاج مختلف يريد أن يستقل بهِ عن الآخر ويكون به متبوعاً , فتغيب الحكمة ويحل النفور ويطغى بعضهم على بعض. وإذا كان أهل الكتاب قد ولوا أدبارهم لهذا النبي , وأعرضوا عما جاء بهِ من الشريعة السماوية الحق الواجبة الإتباع , فقد فعلوا هذا من قبل مع أنبيائهم وكتبهم , وأعرضوا عما جاءوا بهِ من الحق في التوراة والأناجيل وحرفوها فليس لهم عن أهوائهم بديل , وإذا كان فريقٌ من شِرار أهل الكتاب قد صوروا محمد – عليه الصلاة والسلام- يُريدون به سوءاً, فقد سبق وأن فعلوا مثل ذلك من قبل مع أنبياءهم وصالحيهم سخرية ً منهم وامتهاناً لقداستهم.
وإن من تناقض مُعتَقد مُشركي أهل الكتاب أنك تجدهم يرفعون بعض أنبياءهم إلى مقام الآلهة – تعالى عن الشريك علواً كبيراً-, وفي الوقت ذاته تجدُ قلوبهم مُنصرفة عن إتباع طريق هذا النبي والإقتداء بأفعاله, فتراهم يخالفون أوامره ويُعرضون عن نُصحه ويتنكرون له, رغم أنهُ كان من الأولى بهم إذ رفعوهُ إلى مقام الإله أن يكونوا أشد حرصاً على إتباعه  والعمل بسُنته.
عن مسلم بن صبيح قال ‏:‏ كنت مع مسروق في بيت فيه تمثال مريم فقال مسروق ‏:‏ هذا تمثال كسرى فقلت‏:‏ لا ولكن تمثال مريم فقال مسروق‏:‏ أما إني سمعت عبد الله بن مسعود يقول ‏:‏ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم‏-:‏ {إن اشد الناس عذابا يوم القيامة  المصورون‏} (6).
وروى الشيخان عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: لما اشتكى النبي -عليه الصلاة والسلام- ذكر بعض نسائه كنيسة يُقال لها (مارية) وكانت أم سَلَمة , وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة , فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها , فرفع - صلى الله عليه وسلم- رأسه فقال :{ أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح , بنوا على قبرهِ مسجداً , ثم صوروا فيه تلك الصُور, أولئك شرار خلق الله}.

لطائف من الإعجاز القرآني ودلائل النبوة في الآيات والأحاديث:
قال تعالى :  {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [ الأنعام : 38] , قال القرطبي في تفسير هذه الآية : أي ما تركنا شيئاً من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن ، إما دلالة مبينة مشروحة ، وإما مجملة يُتلقى بيانها من الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو من الإجماع أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب .
ومن هنا فإننا نلاحظ هذا التوازن والانسجام النادر بين الخطابين القرآني والنبوي في التصدي لمن آذى الله ورسولهُ , فنجدُ في الكتاب الكريم الآية رقم 57 من (سورة الأحزاب) والتي جاء فيها اللعن والعذاب المُهين لمن يؤذي الله ورسوله الأمين , قال تعالى :{إن الذين يؤذون اللهَ ورسولهُ لَعَنَهُمُ اللهُ في الدنيا والآخرة وأعدَ لهم عذاباً مُهيناً 57} , ونجدُ في سنة الحبيب -عليه الصلاة والسلام- كذلك تخصيص اللعن وشدة العذاب على المصورين , وبمُجمل نص الآية مع نص الأحاديث فإن اللعنة والعذاب حاقوا بالذين آذوا النبي الكريم من المصورين مرتين , مرةً في الدنيا وأخُرى في الآخرة.
وإن من صُور الانسجام والتكامل القرآني النبوي, أن نجدُ هذا الضِعْف من اللعن والعذاب مذكوراً في نفس السورة التي لُعِنَ فيها من آذى اللهَ ورسوله وهي (سورة الأحزاب) , قال تعالى : {ربنا آتهم ضِعْفين من العذاب والعنهُم لعناً كبيراً 68} , قَالَ قَتَادَة : عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة (تفسير القرطبي).
وإننا نجدُ الإشارة إلى هذا المعنى في الآية رقم (57) نفسها بقولهِ تعالى : {في الدنيا والآخرة} , أي لعنة وعذاب في الدنيا ولعنة وعذاب في الآخرة فيكون المجموع ضِعْفيْن , وهذه بشارة لنا بأن عذاب الله وانتقامهُ لا بد أن يدرك هؤلاء الساخرين المستكبرين ومن أيدهم وتعاطف معهم في الدنيا قبل الآخرة.

 وأخيراً وليس آخراً, فإن باب التوبة مفتوح حتى غرغرة الروح , وأن الله لا يطرد أحداً من رحمته إلا إذا أصرَ على ذنبهِ ومعصيته المستوجبة لهذا الطرد , فإذا اعترف أصحاب هذا الفعل الشنيع  بذنبهِم وأقلعوا عنهُ وعزموا أن لا يعودوا إليه أبداً , فعندها يرفع اللهُ عنهُم اللعنة والعذاب عن اقترافهِم الأذى بحق النبي -عليه الصلاة والسلام- , ويبقى عليهمِ وِزر ما كان منهُم قبل انتهائهم عن هذا الفعل , فإن شاء عز وجل عذبهُم عليه وإن شاء رحِمهم , ولن يقبلهُم اللهُ ويغفر لهُم جميع ذنوبهمُ حتى يدخلوا في هذا الدين, دين الأنبياء أجمعين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 
المراجع والهوامش:
* تمت الاستعانة بموقعي (المكتبة الإسلامية و الدرر السنية) في الوصول إلى بعض الأحاديث وتخريجها , إضافة إلى كتب التفسير المشهورة مثل ابن كثير والطبري والقرطبي.
(1) رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب صحيح.
(2) انظر القرطبي ج 14 ص 274.
(3) نقلاً عن كتاب روائع البيان تفسير آيات الأحكام , المحاضرة الثامنة عشر.
(4) بحث عودة الإساءة الدانمركية .. الدوافع الحقيقية وسبل الرد , بقلم الأستاذ هشام طلبة , منشور في موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة. 
(5) أخرجاهُ في الصحيحين واللفظ لأحمد.
(6) رواهُ أحمد في مسنده.‏

* ملاحظة : تم إرسال نسخة من هذا الموضوع إلى أحد المواقع الإسلامية المتخصصة بنشر البحوث العلمية , لكن مدير الموقع رد عليَ بأنهُ لم يقتنع بالموضوع, وبرأيه فإن فتنة الصور المُسيئة قد هدأت ولا يريد إثارتها من جديد. 

فكرة وإعداد: م. وليد القراعين
نُشر لأول مرة في مدونة ولي الدين والمسبار السحري بتاريخ 28-4-2008