‏إظهار الرسائل ذات التسميات تفسير القرآن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تفسير القرآن. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 26 مارس 2013

المحرقة الفرعونية والمحرقة النازية في آية قرآنية


 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبهِ ومن والاه بإحسانٍ إلى يوم نلقاه. أما بعد ؛ قال تعالى: {وما من غائبةٍ في السماء والأرض إلا في كتابٍ مُبين 75 إنَ هذا القرآن يقصُ على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون 76} سورة النمل.

المحرقة النازية أو ما يُعرف اصطلاحاً ﺑ (الهولوكوست) هي عبارة عن حملات مُنظمة من قِبل حكومة ألمانيا النازية بقيادة (أدولف هتلر) وبعض حلفاءها لغرض الاضطهاد والتصفية العرقية لليهود في أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية, ويرى مُعظم المُؤرخين أن الهولوكوست من أكثر حوادث العصر الحديث توثيقاً بالصور والأفلام والوثائق وأنهُ من غير المنطقي إنكار حادثة بهذه الضخامة, إلا أنه ثمة من يُشكك بحدوث المحرقة النازية بإنكارها بالكُلية أو بالتقليل من حجمها, ويرجع سبب هذا الإنكار إلى الشكوك بعدم نزاهة وعدالة وقانونية المُحاكمات التي جرت ضد المُتورطين بارتكاب هذه الجرائم, إضافة إلى أن توقيت حدوث هذه المحرقة بالتزامُن مع الحرب العالمية الثانية وحالة الفوضى العارمة والتنافُس الذي كانت تعيشه الدول الأوروبية المُتناحرة, كفيل بخلق بيئة مُترعة من الشُبهات والدعايات والأكاذيب, مما يجعل من مهمة إثبات أو نفي تلك الحوادث بشكل مُطلق أمراً صعباً في ظل اختلاط الأوراق وعدم وجود وثائق رسمية تُقر بحدوثها, ويقول بعض من يُنكر الهولوكوست أن مزاعم الهولوكوست كان الغرض منها التسريع في منح اليهود وطناً مُستقلاً عن أوروبا, ولكن إلى الآن فإن تيار المُشككين بحدوث المحرقة النازية أو المُنكرين لها بالكُلية يبقى هو الأضعف والأقل شاهداً قياساً بالتأكيدات والشواهد التي تدل على حدوثها بإطاريها الضخم أو المعقول نسبياً, وسواءٍ أوقعت هذه المحرقة أم لم تقع فقد كان لليهود ما أرادوا وتم توطينهم في فلسطين أرض الأجداد والميعاد.

وقد جاءتني فكرة كتابة هذا البحث عن المحرقة النازية في أثناء كتابتي لبحث (قضاء الله على بني إسرائيل بأقوال الأئمة والدليل) المنشور على صفحات هذه المدونة في ثلاثة أجزاء, وتحديداً عندما شرعتُ في تفسير الآية 104 من سورة بني إسرائيل والتي قال اللهُ فيها: {وقُلنا من بعدهِ لبني إسرائيل اسكُنُوا الأرضَ فإذا جاء وعدُ الآخرة جئنا بكم لفيفاً 104}, حيثُ جمعت هذه الآية العظيمة من كلام الله البليغ المُعجز بين العهد الأول لسكن بني إسرائيل في أرض فلسطين وخاصةً بيت المقدس والعهد الآخر الحالي لسكنهم فيها, وقد كان لسكن بني إسرائيل في فلسطين وبيت المقدس مُقدمات مأساوية وأحداث مُؤلمة في عهدهم الموسوي الأول, تماماً كتلك المُقدمات والأحداث التي سبقت سكنهم في فلسطين والقدس في عهدهم الآخر الذي نَفَذَ قضاء الله بهِ عليهم في زماننا هذا, وحتى تتضح الصورة أكثر عن هذه الخبر القرُآني الغيبي الذي ذكر ماضي بني إسرائيل وتنبأ بمستقبلهم, لا بُد من العودة إلى بداية السرد القرآني لهذا الخبر الذي بدأ بقوله تعالى: {ولقد آتيْنا موسى تسعَ آياتٍ بيِناتِ , فَسْئل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال لهُ فرعون إني لأظُنُك يا موسى مسحورا 101 قال لقد علمتَ ما أنزلَ هؤلاءِ إلا ربُ السماوات والأرض بصائر وإني لأظُنك يا فرعون مثبورا 102 فأراد أن يستفزهم من الأرضِ فأغرقناهُ ومن معهُ جميعاً 103 وقُلنا من بعدهِ لبني إسرائيل اسكُنُوا الأرضَ فإذا جاء وعدُ الآخرة جئنا بكم لفيفاً 104}.   

يُخبر تعالى أنهُ بعث موسى بتسع آيات بينات, وهي الدلائل القاطعة على صحة نبوته وصدقه, فيما أخبر به عمن أرسله إلى فرعون, وهي (العصا, واليد, والسنين, والبحر, والطوفان, والجراد, والقُمل, والضفادع, والدم) آيات مُفصلات, قال تعالى: {فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقُمَل والضفادع والدم آياتٍ مُفصلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين 133} سورة الأعراف, وبعد أن شاهد فرعون من موسى ما شاهد من هذه الآيات زعم أنها من السحر وأن موسى عليه السلام ساحر, فرد عليه موسى عليه السلام بما وقع حقيقةً في نفسه من تصديق لهذه الحُجج والبراهين القاطعة وإنما هي من عند الله رب السماوات والأرض, ولكن كِبر فرعون وجُحوده وتشبُثه بصولجان المُلك هو ما منعه من الاعتراف بهذه الحقيقة التي وقرت في قلبه, لذلك وصفه موسى عليه السلام بالملعون الهالك المغلوب لا محالة ما استمر على عناده وكفره المُعلن, فاشتط فرعون غضباً وأمر بالتنكيل بكل من يتبع موسى عليه السلام على دينه, وكان من أبرز مظاهر عناد فرعون لموسى عليه السلام وكفره بنبوته أن أمر باستمرار حَمَلات قتل أطفال بني إسرائيل الذكور, وذلك ليُخفي عن قومه الفراعنة الحقيقة التي ظهرت لهُ أخيراً وهي أن موسى هو الطفل الإسرائيلي المُنتظر الذي رأى في المنام أن هلاكهُ وزوال مُلكه يكون على يديه, قال تعالى: {وقال الملأُ من قوم فرعون أتذرُ موسى وقومهُ ليُفسِدوا في الأرض ويذَرَكَ وآلهتك. قال سنُقَتِلُ أبناءهم ونَسْتَحيِ نساءهم وإنا فوقهم قاهرون 127} الأعراف, وقد كان بني إسرائيل يتعرضون لحملاتٍ بشِعة من التطهيرٍ العرقي والقهرٍ والإذلال وسوء المُعاملة في مملكة الظالم فرعون قبل ميلاد موسى عليه السلام وبعثه, قال تعالى: {طسم 1 تلك آيات الكتاب المُبين 2 نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقومٍ يؤمنون 3 إنَ فرعونَ علا في الأرض وجعلَ أهلها شِيَعاً يستضعفُ طائفةً منهم يُذبِحُ أبناءهم ويستحي نساءهم. إنهُ كان من المُفسدين 4 ونُريدُ أن نَمُنَ على الذين اسْتُضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين 5 ونُمَكِنَ لهم في الأرض ونُري  فرعون وهامان وجُنودهما منهم ما كانوا يحذرون 6} سورة القصص, وكان السبب الرئيسي لبعث موسى وأخاهُ هارون عليهما السلام هو تخليص بني إسرائيل من قبضة فرعون وقهره وتعذيبه وإخراجهم بعيداً عن مملكته, قال تعالى: {فَأتِيَا فرعون فقولا إنا رسولا رب العالمين 16 أن أرْسِلْ مَعَنا بني إسرائيل 17} سورة الشعراء, ولكن فرعون وقومهُ رفضوا مطلب موسى وهارون عليهما السلام, لأنهم كانوا يستخدمون بني إسرائيل في حقولهم وصناعاتهم وبيوتهم بأثمانٍ زهيدة ونظامٍ إقطاعي, ومن الصعب عليهم أن يجدوا قوماً غير بني إسرائيل يستطيعوا تسخيرهُ بمثل تلك الشروط الاستعبادية, وأمرَ فرعون بردع كل من يُبدي ولائه لموسى ورغبتهُ في الخروج معه من سجن فرعون.

لطيفة: (جاء في بيان رسمي من حكومة ألمانية النازية على لسان قائد القوات الخاصة هاينريش هيملر الذي هو من هتلر بمنزلة هامان من فرعون ما مفادهُ: [أن السياسة الحكومية بتشجيع هجرة اليهود إلى مدغشقر ليتخذوهُ وطناً تُعتبر غير عملية في الوقت الحاضر بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية وأن ألمانيا تحتاج إلى الأيدي العاملة لتسيير عجلة الحرب]. ونلمَسُ في هذا البيان تشابه تام وكبير بين عدم سماح فرعون ووزيرهُ هامان لبني إسرائيل بالخروج من مملكتهما وبين عدم سماح هتلر ورجُلهُ الأول هيملر لليهود بالخروج من ألمانيا, وذلك لحاجة كل من المملكة الفرعونية والدولة الألمانية إلى اليهود من أجل استخدامهم كأيدي عاملة أو كمقاتلين ودروع بشرية في الحروب ضد أعداءهم) انتهى.  

من ناحيةٍ ثانية حاول فرعون إخراج موسى وهارون عليهما السلام وأتباعهم الأقوياء من مملكته, وذلك لإبعادهم عن بقية قومهم حتى لا يستمروا بإثارة فكرة الثورة على نظام فرعون وكسر حصاره الغاشم في نفوسهم, إلا أن فرعون كان يجِدُ نفسهُ مُرغماً على السماح لموسى بالبقاء في مملكته, لأن موسى عليه السلام كان هو الوحيد القادر على رفع صنوف العذابات الربانية التي كانت تنزل على فرعون وقومهُ, حيثُ كان فرعون يستدعي موسى عليه السلام لتخليصهُ وقومهُ من العذاب الذي حلَ بهم, وكان موسى عليه السلام يستفيد من هذه الفُرص في تجديد دعوته لفرعون بالإيمان برسالته والسماح لهُ بالخروج من مملكته بصُحبة قومه بني إسرائيل, وكان فرعون يَعِدُ موسى بتنفيذ مطالبه في حال استطاع دفع البلاء الذي نزل على الشعب الفرعوني خاصةً والجزء الفرعوني من الأرض التي كانت تحتضن بني إسرائيل أيضاً, وبعد أن يدعي موسى عليه السلام ربه برفع العذاب عن قوم فرعون, كان فرعون ينكُث بوعوده لموسى ويُؤجل خروجهُ وبني إسرائيل من مملكته إلى أجلٍ غير مُسمىً, قال تعالى: {ولما وقعَ عليهم الرِجزُ قالوا يا موسى ادعُ لنا ربك بما عهِدَ عندكَ, لئن كشفتَ عنا الرجزَ لنُؤْمِنَنَ لك ولنُرْسِلَنَ معك بني إسرائيل 134 فلما كشفنا عنهم الرجزَ إلى أجلٍ هم بالغوهُ إذا هم ينكثون 135} الأعراف.

وبعدَ أن تكرر سيناريو كذب فرعون وقومه على موسى وقومه في جميع الآيات التي ابتلاهم اللهُ بها وساعدهم موسى في رفعها عنهم, حانت ساعة الصفر وجاء دور البلاء العظيم والطَامةَ الكُبرى لفرعون وجُنده والتي لن ينفعهم بعدها إيمانهم بالله الدَيان, وعاقب الله فرعون وآلهِ عقاباً أبدياً لا خروج لهُم منه في الدُنيا وفي جهنم وبئْسَ المصير, ونَجَا اللهُ موسى عليه السلام ومن معهُ من عباده المُستضعفين وفتحَ عليهم بعد ذلك فتحاً مُبين, واسكنهم في الأرض المُباركة فلسطين بين مشارق الأرض ومغاربها, وجعلهم عِبرة لجميع عَباد الله الصابرين, قال تعالى: {فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين 136 وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها, وتَمت كلمةُ ربك الحُسنى على بني إسرائيل بما صبروا, ودمرنا ما كان يصنعُ فرعون وقومهُ وما كانوا يعرِشُون 137} الأعراف.
قال الحسن البصري وقتادة في قوله: {مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها} يعني الشام. وهي على وجه الخصوص أرض فلسطين لكونها جسر العبور الحضاري والتاريخ بين أهل الشرق والغرب, ولأنها الحلقة الأولى حول مركز البركة الربانية لقولهِ تعالى في أول سورة بني إسرائيل: {المسجد الأقصى الذي باركنا حولهُ}, وهي الأرض التي باركها الله وكتبها للمؤمنين من بني إسرائيل ومَن بعدهم من الأُمم المُؤمنة وأمرهم بدخولها وإقامة شرائعهُ وعبادتهُ فيها, وجاء هذا الأمر على لسان كليمهُ موسى عليه السلام: {يا قوم ادخلوا الأرض المُقدَسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين 21} سورة المائدة.

وتتشابه هاتان الآيتان (136-137) من سورة الأعراف مع الآيتان (103-104) موضوع البحث من سورة بني إسرائيل, حيثُ جاء في الآيتان الأوليان (103 الإسراء, 136 الأعراف)  خبر انتقام الله من الطاغية فرعون ومن معهُ من الذين كانوا يعذبون الضُعفاء من بني إسرائيل, وجاء في الآيتان التاليتان لهما خبر إيراث وإسكان المُستضعفين من بني إسرائيل في الأرض المُباركة في فلسطين, وقد جاء ذكر الأرض المُباركة واضحاً مُباشراً في الآية 137 من سورة الأعراف, بينما جاء ذكرها وتحديدها باطناً وغير مُباشر في الآية 104 من سورة الإسراء,  إلا أن الآية 137 من سورة الأعراف وضحت لنا المعنى الأكثر تحديداً للأرض المذكورة في آية سورة الإسراء, وذلك أن القرآن الكريم عبارة عن نسيج رباني مُتكامل ومُتناسق من الآيات التي يُفسر بعضهُا بعضاً, وأفضل تفسير لِما غَمض من معاني آيات القرآن هو تفسيرها بآيات القرآن الأخُرى المُشابهة لها والمُرتبطة بها, وإضافةً إلى أن الآية 137 من سورة الأعراف قد فسرت المقصود المُحدد من الأرض في الآية 104 من سورة الإسراء, فإن الآية 104 نفسها وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار ما وقع من أحداثٍ جِسَام في هذا الزمان متمثلة بعودة اليهود إلى أرض كنعان, تكون قد حددت وبشكلٍ قطعي ماهية الأرض التي سكنها بني إسرائيل, ونجدُ هذه الحقيقة مسطورة في الشق الثاني من الآية في قوله تعالى: {.. فإذا جاء وعدُ الآخرة جئنا بكم لفيفاً 104}, [قال الجوهري‏:‏ اللفيف ما اجتمع من الناس من قبائل شتى؛ يقال‏:‏ جاء القوم بلفهم ولفيفهم، أي وأخلاطهم‏.‏ وقوله تعالى ‏{‏جئنا بكم لفيفا‏} أي مجتمعين مختلطين‏‏.‏ وقال الكلبي‏{‏فإذا جاء وعد الآخرة‏}‏ يعني مجيء عيسى عليه السلام من السماء] تفسير القرطبي‏.‏

وقد تحقق هذا الوعد الآخر في هذا الزمان وجاء اليهود إلى فلسطين المُباركة على شكل هجرات مُتفرقة من كثيرٍ من القارات والبُلدان, وغلبوا على جميع مُدن وقُرى فلسطين حتى صارت دولتهم حاجباً مانعاً لأبناء الإسلام من دخول ثاني بيتٍ وُضع في الأرض بعد المسجد الحرام, وكما وعد الله جَلَت قدرته اليهود بالعودة في أرذل عُمر هذه الحياة الدنيا إلى أرض الجُدود وإمدادهم بالمال والجُنود, فقد وعد عبادهُ المُؤمنين أيضاً بالعودة بعد انقطاع إلى أرض فلسطين وليدخلوا المسجد الأقصى ويحجوا إليه كما دخلهُ سيف الله والفاروق وصلاح الدين, ونجدُ هذه الإشارة الإيمانية والبِشارة الربانية واضحةً جلية في الآية السابعة من سورة الإسراء, التي ذكر اللهُ فيها وعدهُ الآخر من قضاءهُ على بني إسرائيل في اللوح المحفوظ, والذي أنزلهُ عليهم في توراة موسى ثم نَسَخهُ عليهم بقوله{وإن عدتم عُدنا} في قرآن مُحمد عليه وعلى جميع النبيين أفضل الصلاة والتسليم, قال تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا 7}, وقد شرحتُ هذا القضاء والوعود الربانية بالتفصيل في بحثي السابق: (قضاء الله على بني إسرائيل بأقوال الأئمة والدليل).

وبعد أن ارتسمت و وضَحَت لنا صورة هذه الأرض التي سكنها بني إسرائيل في زمانهم الأول وهذا الوعد الآخر الذي عاد فيه اليهود إلى الاجتماع من جديد في تلك الأرض, ننتقل إلى الجانب الأهم والذي يُمثل شريان هذا البحث وهو : كيف كانت رحلة اليهود إلى أرض فلسطين في كلتا المرتين المذكورتين في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وقُلنا من بعدهِ لبني إسرائيل اسكُنُوا الأرضَ فإذا جاء وعدُ الآخرة جئنا بكم لفيفاً 104} ؟
كما ذُكر في هذه الآية من سورة الإسراء وغيرها من آيات القرآن الكريم, فقد كانت الأرض المُباركة فلسطين هي المَكرُمة الربانية لبني إسرائيل بعد تعرُضهم للعذاب الأليم في أرض الفراعنة, وعلى نَسِق ٍ مُماثل فقد كانت أرض فلسطين هي المَكرُمة الأوروبية لليهود بعد تعرضهم للعذاب الأليم في أرض الأوروبيين, وإذا كان الملك فرعون هو أعظم رموز تلك المأساة العظيمة التي مرت على بني إسرائيل في مصر, فإن الزعيم النازي هتلر يُمثل أعظم رموز المأساة العظيمة التي مرت على اليهود في أوروبا عامةً وألمانيا خاصةً.

وقد كان مصير فرعون وجنوده مُشابهاً لمصير هتلر وجيشه, فأما فرعون وجنده فقد غرقوا في بحرِ أكبر كمين عرفهُ التاريخ بإعدادٍ من الله المتين, وأما هتلر وجيوشه فقد سقطت حصونهم وخسروا مواقعهم بمواجهة جيوش المُتحالفين, وانتحر القائد هتلر بعدما حاصرهُ الحلفاء في مدينة برلين.

انقلاب الموازيين
لقد تبين لنا مما سبق مقدار المُعاناة التي لحقت ببني إسرائيل واليهود في بلاد الفراعنة والنازيين, ولكن ما الذي فعلهُ اليهود بعد أن خرجوا من أرض فرعون هاربين, ومن بلاد النازيين متوجهين إلى أرض فلسطين ؟ إن جواب هذا السؤال يوضح لنا سلوكاً من الإنكار والجحود أبداهُ اليهود مقابل نعمة الله عليهم بنجاتهم وإغراق فرعون ومن معهُ من الجنود, فبدلاً من شكر الله على منته العظيمة عليهم أقبل اليهود على اتخاذ إلهً آخر غير الله الواحد المعبود, قال تعالى: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوْا على قومٍ يعكفون على أصنامٍ لهم. قالوا يا موسى اجعل لنا إلَهاً كما لهم ألهة. قال إنكم قومٌ تجهلون 138.. واتخذ قوم موسى من بعدهِ من حُليهم عجلاً جسداً لهُ خُوار. ألم يروْا أنهُ لا يُكلمهم ولا يهديهم سبيلاً. اتخذوهُ وكانوا ظالمين 148} الأعراف.
ومن الناحية الثانية فقد تحول اليهود بعد أن منحهم الأوروبيين أرض فلسطين من مُعذَبين إلى جلادين, وأنزلوا بشعب فلسطين صنوفاً من أعمال القمع والتهجير والتقتيل, وللأسف الشديد فإنه ورغم أن هذه المجازر الإسرائيلية حقيقة ملموسة وواضحة يشاهدها العالم ليلاً ونهاراً بالصوت والصورة, ولا يوجد مجال للطعن والتشكيك فيها على غِرار (الهولوكست), إلا أن قيادات هذا العالم لم تصل بعد إلا صيغة قرار حاسم ومُلزم ومدعوم يُخرج الشعب الفلسطيني من تحت سياط الجلاد الصهيوني, ولعل السبب في ذلك هو أن اليهود قد لبسوا الثوب الفرعوني الذي لن يُأذن لأحدٍ بنزعهِ عنهم إلا بالأمر الرباني.

وكما جاء في كتاب الله فإن اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض, ولعل هذا يُبرر المُعاونة المثالية للأوروبيين والأمريكيين لليهود على حساب الفلسطينيين, قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء. بعضهم أولياء بعض. ومن يتولهم منكم فإنهُ منهم. إن الله لا يهدي القوم الظالمين 51} المائدة. أولياء: تُؤاخونهم وتستنصرونهم.

و أما المسلمين من أهل فلسطين وغيرها فلا نجاة لهم إلا بسواعدهم وبتوفيق ونصرِ رب العالمين لهم, قال تعالى:{إنما وليُكم الله ورسولهُ والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويُؤتون الزكاة وهم راكعون 55 ومن يتولَ الله ورسولهُ والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون 56} المائدة. .
إن الدلائل على حالة انقلاب الموازيين التي وصل إليها الإسرائيليين كثيرة, ويكفي شاهداً على ذلك أنهم تحولوا من شعب الله المُختار إلى جاحدين بالأنوار وكافرين بما أنزلهُ العزيز الجبار على قلب النبي المُختار محمد صلى الله عليه وآله الأخيار.

وقد وجدتُ شاهداً لطيفاً على هذه الحالة اليهودية العكسية في معنى كلمة (Zeal) الإنجليزية والتي تعني (حماسة), فإذا رجعنا إلى القواميس الكبيرة مثل قاموس (المورد) إنجليزي – عربي, وتحديداً الطبعة السابعة 1974, للمؤلف : منير البعلبكي, فإننا نجدُ أسفل كلمة (Zeal) كلمة (Zealot) وهي الصفة واسم الفاعل منها, ومعناها (المُتحمس وبخاصة: الوطني المُتعصب), وهذا هو الخيار الثاني لمعنى هذه الكلمة في القاموس, وأما الخيار الأول فقد كان على النحو التالي: (1): الزَيلوت: [واحد من طائفة يهودية قديمة عُرِفت بمقاومتها الشديدة للسيطرة الرومانية على فلسطين].
والمُفارقة العجيبة هي أن حركة المقاومة العنيدة للدولة اليهودية في فلسطين في هذا الزمان قد اتخذت لقب ذلك اليهودي المُقاوم للرومان اسماً لها (حركة حماس).

وهكذا فإن ما كان ضد الشعب اليهودي في سالف العصر والزمان صار معهم, وما كان منهم ومعهم صار ضدهم, فقد صار لليهود في هذا الزمان مُلك فرعون وهامان, وصار ضدهم رُسل الله وأئمة القرآن وأولئك (الزَيلوت) المقاومين الشُجعان, وعلى اليهود أن يتفهموا موقف حركة حماس في مقاومتها الشديدة وعصبيتها الوطنية في زمان حملها للرسالة السماوية, تماماً كتفهمهم لمقاومة تلك الطائفة اليهودية التي وقفت في وجه الرومان في زمان حملها للرسالة السماوية.  
قال تعالى : {ولا تحسبنَ الله غافلاً عَمَا يعملَ الظالمون. إنما يؤخرهم ليومٍ تشخصُ فيه الأبصار 42 مُهطعين مُقنعي رؤوسهم لا يرتدُ إليهم طَرفُهم وأفئِدتُهم هواء 43 وأنذرِ الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخِرنا إلى أجلٍ قريب نُجب دعوتك ونتبع الرُسل. أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال 44 وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبينَ لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال 45 وقد مكروا مكرَهم وعندَ اللهِ مكرُهم وإن كان مكرُهم لتزول منهُ الجبال 46 فلا تحسبنَ الله مُخلف وعدهِ رُسله. إن اللهَ عزيزٌ ذو انتقام 47} سورة إبراهيم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى الله على محمد وعلى آله وصحابته والتابعين.

مراجع البحث:
- كتاب مختصر تفسير ابن كثير.
- موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة.

مواضيع ذات صلة على هذا الرابط:

قضاء الله على بني إسرائيل بأقوال الأئمة والدليل ج3 


* نُشر لأول مرة في مدونة المسبار السحري بتاريخ 27-2-2009
فكرة وإعداد: م.وليد القراعين



قضاء الله على بني إسرائيل بأقوال الأئمة والدليل ج3


بسم الله الرحمَن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أكرم المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد ؛ هذا هو الجزء الأخير المُتمم ل ِ(قضاء الله على بني إسرائيل), حيث كنتُ قد شرعت في مقدمة الجزء الأول في بيان ٍ وشرح ٍ عام للآيات الأوائل من سورة (بني إسرائيل) مُستأنساً بأقوال كبار المفسرين ورواياتهم, ثم بعد ذلك قمت بشرح وتفصيل أوجه التفسير لقضاء الله على بني إسرائيل في العهد القديم وهو (التوراة).
وفي الجزء الثاني تطرقت لتفسير هذا القضاء الرباني من خلال العهد الجديد وهو (الإنجيل), ثم بدأت بعد ذلك بتفسير هذا القضاء من خلال آخر العهود الربانية وهو (القرآن الكريم).

وفي هذا الجزء فإنني سوف أنتقل إلى استكمال بيان أوجه تفسير هذا القضاء في كتاب الله (القرآن الكريم) الذي يَسَرهُ الله بلسان ٍ عربي مُبين, ولكن حتى يحصل الفهم وتتم الفائدة للقارئ فلا بد له من العروج على  قراءة الأجزاء الأولى من البحث, أو على الأقل المقدمة التي توضح المعاني العامة للآيات, والأفكار الأساسية التي يرتكز عليها البحث ومنهجية التفسير التي اتبعتها.

قال تعالى :{ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا 6 إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا 7 عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا 8} سورة الإسراء.

بعد أن تحقق الوعد الأول من قضاء الله على يهود بني إسرائيل في عهد كتاب الله القرآن, كما مر معنا في الجزء السابق في تفسير قوله تعالى: {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأسٍ شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا 5}.
مرت القرون والسنين والأيام واليهود غائبين عن مسرح الأحداث في بلاد المسلمين, إلى أن أيقظ العابثين فتنة توطين بقيةً من اليهود الأوروبيين في أرض فلسطين, وقد جاءت الوعود الأوروبية الرامية إلى إقامة وطن لليهود في أرض فلسطين مثل (وعد بلفور) المشهور, متوافقة مع الوعود الربانية لهم بهذا المصير, ونجد هذا المعنى جلياً في قوله تعالى في أواخر سورة بني إسرائيل:{فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معهُ جميعاً 103 وقُلنا من بعدهِ لبني إسرائيل اسكُنُوا الأرضَ فإذا جاء وعدُ الآخرة جئنا بكم لفيفاً 104}.
[{اسكنوا الأرض} يعني أرض الشام ومصر.
قال الكلبي‏{‏فإذا جاء وعد الآخرة‏}‏ يعني مجيء عيسى عليه السلام من السماء.
وقَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة : جِئْنَا بِكُمْ جَمِيعًا مِنْ جِهَات شَتَّى . وقال الجوهري‏:‏ واللفيف ما اجتمع من الناس من قبائل شتى؛ يقال‏:‏ جاء القوم بلفهم ولفيفهم، أي وأخلاطهم‏.‏ وقوله تعالى ‏{‏جئنا بكم لفيفا‏} أي مجتمعين مختلطين‏‏.‏] تفسير القرطبي‏, كتاب (الجامع لأحكام القرآن).
فبعد الاستفزاز والعذاب الذي لقيهُ اليهود على أيدي فرعون ألمانيا, بل وأوروبا كلها (أدولف هتلر), شاء الله لهم العودة إلى سكن الأرض الموعودة في شام فلسطين.
وقد فسر كثير من العلماء المعاصرين معنى قولهُ تعالى : {فإذا جاء وعدُ الآخرة جئنا بكم لفيفاً}, بأنهُ تحقق بإقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين, والذي تم في العقد السابع من القرن الرابع عشر الهجري [1367-1948م], وما تبعهُ من هجرات للجاليات اليهودية من جميع البلدان والجنسيات إلى دولتهم الجديدة في بيت المقدس وأكنافه, والتي كان آخرها هجرة اليهود الإثيوبيين أو ما يُعرف بهجرات يهود الفلاشا إلى فلسطين بموجب ما تسميه إسرائيل بقانون العودة, والتي لا تزال مستمرة حتى الوقت الراهن (11).

وقد شَكَلَ تأسيس الدولة الإسرائيلية على ثرى فلسطين انقلاب في الموازين بين اليهود والمسلمين, وتبادلٍ في الأدوار على عكس ما جرى ودار في مدينة طه المختار (عليه وآله وصحابته الأخيار الصلاة والسلام), حيث تمكنت العصابات والجماعات اليهودية المدعمة بالسلاح والعتاد, وبإسنادٍ من القوات البريطانية والغربية, من مداهمة المدن والقرى الفلسطينية, ومحاربة من تبقى فيها وحولها من القوات والجيوش العربية, حتى إذا تم لهم النصر, وخلا لهم الأمر, طردوا وقتلوا وشردوا أهل ما ظهروا عليه من أراضي فلسطين, وأحلوا مكانهم أهلهم وأشياعهم من اليهود, وعلى هذا المنوال استقام الحال لليهود في فلسطين, ودأبوا على مدار الأيام والسنين على توسيع رقعة مستوطناتهم, والتغلغل أكثر فأكثر في ممتلكات العرب والمسلمين ومقدساتهم, وقد كان هذا السيناريو الذي صبت معظم أحداثه وتفاصيله في مصلحة يهود دولة إسرائيل, هو بمثابة النصر الكبير ورد الكَرة لهم على العرب والمسلمين, وذلك بعدما كانت قد تعرضت لهُ قبائل يهود بني إسرائيل من هزيمةٍ وعواقب وخيمة وإخراج من حضيرة يثرب القديمة.
ولا يكاد يختلف اثنان على أن اليهود الآن بما صنعوه لأنفسهم, وبما يتلقونهُ من دعمٍ وتأييد من الدول القوية والغنية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية, هم أكثر نفيراً من الدول العربية والإسلامية.
قال تعالى :{ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا 6}.

ومع تَحَقُق هذه الآية الكريمة والتي لا نزالُ نعيشُ في أيامنا هذه أحداثها وتوابعها , يكون البند الثاني من قضاء الله على وإلى بني إسرائيل في القرآن قد تحقق , وبمطابقةٍ حرفية لقضاء الله إليهم في التوراة , حيثُ أخبر الله بني إسرائيل بما سيكون منهم وما سيحصل لهم قبل أن يكون أو يحصل , وهذا الإخبار منصوص عليه في الآية الرابعة بقولهِ تعالى: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ..} , أي أخبرناهم بما سيكون منهم قبل وقوعه كما قال جمهور المفسرين وذلك كقولهِ تعالى :{وقضينا إليه الأمر أن دابرَ هؤلاء مقطوعٌ مصبحين} أي تقدمنا لهُ وأخبرناهُ بذلك وأعلمناهُ بهِ. وقد أخبر اللهُ يهود بني إسرائيل كذلك في القرآن الكريم بما سيكون منهم من إفساد وما سيسلطهُ عليهم من عباداً لهُ يدخلون ديارهم ويستلبونها وذلك قبل أن تقع هذه الحوادث , بدليل أن هذه الآيات نزلت في مكة قبل هجرة النبي – عليه الصلاة والسلام- إلى المدينة حيثُ وقعت هذه الأحداث.  
 كما أخبرهم جل في عُلاه بأن الكَرَةَ ستُرد لهم على هؤلاء العباد – أي العرب والمسلمين- وسوف يغلبونهم ويتفوقون عليهم تفوقاً ظاهراً, وقد تحقق هذا الخبرُ أيضاً في هذا الزمان.
وأما البند الثالث من هذا القضاء فإن نهايتهُ تصُب في مصلحة المسلمين , لأن فيه وعد الله الآخِر بكسر إرادة المُفسدين من يهود دولة إسرائيل, ومعاقبة الظالمين منهم جزاءً لهم على ما فعلوه على مدى العقود الماضية من أعمال القتل والتخريب والتطريد والتشريد بحق الكثيرين من أبناء العرب والمسلمين في لبنان فلسطين, وأكبر شاهدٍ على الظلم الذي تُقيم عليه الدولة الإسرائيلية, هو منع الحُجاج المسلمين والمصليين من أهل فلسطين وغيرها من بلاد المسلمين من الوصول إلى المسجد الأقصى ثالث الحرمين الشريفين , والذي يخطط اليهود إلى هدمهُ أو تحويلهُ من مزار ديني مُقدس للمسلمين إلى معلم أثري وسياحي , إلى جانب مساجد ومعالم دينية أخرى مثل الحرم الإبراهيمي وأضرحة الصحابة ومقامات الأنبياء وغيرها , في خطة تستهدف محو الذاكرة وطمس الهوية الدينية للمسلمين في فلسطين , تماماً كما طَمسَ الوثنيين والمشركين من قبل هذه المعالم نفسها من ذاكرة اليهود وهويتهم , قال تعالى : {ومن أظلمُ ممن منع مساجد اللهِ أن يُذكر فيها اسمهُ وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزيٌ ولهم في الآخرة عذابٌ عظيم 114} سورة البقرة.

وكما مر معنا في الأجزاء الأولى من البحث, فإن بني إسرائيل في سابق عهدهم كانوا يعانون من هجمات الكفرة والمشركين التي كانت تستهدف تخريب بيت المقدس وإخراجهم منه, وأما اليوم فقد صاروا هم أنفسهم من يسعون في خراب بيت المقدس وإخراج أهله منه, ويمنعون المصلين من الوصول إليه بُغضاً في أمة العرب والمسلمين حَمَلة الرسالة السماوية بعدهم إلى يوم الدين.
إلا أن الأعظمُ من هذا كله هو استخدامهم أسلحتهم الذكية في قتل  النفوس الزَكِية من أطفالٍ رُضع وشُيوخٍ رُكع ونساء وعبادٍ صالحين, وكذلك منع الدواء والعلاج عنهم حتى يهلكوا ويموتوا ويصيروا منسيين.

قال تعالى : {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا 7}.
إن إظهار اليهود السلام والإحسان في بعض الفترات وذلك في معاملتهم لفئات خاصة أو عامة من أبناء الشعب الفلسطيني في بيت المقدس وفلسطين, إن كان, فإنما هو لاحتوائهم وللمحافظة على أمن واستقرار دولة إسرائيل, ولإسكات الأصوات الغاضبة والمُعارضة لها في الداخل والخارج, وللتجاوب مع الضغوطات التي تمارسها القوى العالمية عليها. 
ومن الناحيةِ الأُخرى فإنَ إساءة اليهود المُبرمجة أو العَبثية لبعض أو جميع فئات الشعب الفلسطيني, وذلك بتخريب أو مصادرة مُمتلكاتهم وأراضيهم وإخراجهم منها, وبقتل وأسر وتعذيب من يُقاوم هذه الإساءات ويُطالب بحقهِ المشروع في حياةٍ آمنة وكريمة على أرضه, فإنما يهدف اليهود من خلال هذه الأعمال إلى التوسع في دولتهم وإزاحة من تبقى من أبناء الشعب الفلسطيني من طريقهم, ولردع كل من يُفكر في مُقاومتهم والانتقام لنفسه أو أبناء شعبه منهم, وفي كلتا الحالتين فإن إحسان اليهود أو إساءتهم مقرونٌ بتحقيق منفعة وفائدة لهم ولدولتهم , إلا أن هذه المنفعة المؤقتة الناتجة عن الظُلم والإساءة سوف تعود عليهم بضرر أكبر في دُنياهم وآخِرتهم , لأنهم يعملون وفقاً لمصالحهم وغاياتهم الدنيوية لا بحسب أوامر الله وشريعته التي في التوراة والإنجيل والقرآن.
لهذا فإن الله قضى عليهم وعدهُ الآخر الذي بدأ أبناء الشعب الفلسطيني تنفيذ الجزء الأول منه بأرخص سلاح وهو الحجر, وبأصغر جُند وهم الأطفال, أطفال فلسطين الذين تمكنوا من إيصال مُعاناتهم وحرمانهم إلى كل الناس في هذا العالم, وكشفوا القناع الذي كانت الدولة الإسرائيلية تُحاول إخفاء وجهها السيئ خلفهُ, وذلك فيما عُرف باسم (انتفاضة أطفال الحجارة), والتي تأججت في مطلع عام 1987م, وانتهت في أعقاب عملية السلام.
عن سعيد بن المسيب, رضي الله عنه, أنه قال :{يكون بالشام فتنة , أولها كلعب الصبيان, كلما سَكنت من جانب طَمَت - زادت- من جانب آخر , فلا تتناهى , حتى ينادي منادٍ من السماء : ألا إن الأمير فلان . ثم قال بن المسيب : فذلكم الأمير , فذلكم الأمير , فذلكم الأمير . قال ذلك ثلاث مرات , كنى عن اسمه فلم يذكره , وهو المهديُ} (12).
ومع استمرار مسلسل ثورات الشعب الفلسطيني بكافة اتجاهاته وشرائحه, ومع انتشار وتطور وسائل الإعلام والاتصال, فإن نقل الصورة القبيحة والوجه السيئ للاحتلال الإسرائيلي صار أكثر وضوحاً وجلاءً للعيان, وهكذا فإن هذه الدولة الدخيلة لا تكاد تنسج صورة زاهية لها في أركان هذا العالم, حتى ينتقض هذا النسيج المزيف بأيدي المقهورين والمظلومين, والطبعُ يغلب التطبُع, قال تعالى: {فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم ...}.

وأما الجزء الثاني من هذا الوعد الآخر فإنهُ سيتحقق بإذن الله بعد خروج الإمام المهدي عليه السلام, وشده الرحال إلى بيت المقدس برفقة أصحابه المؤمنين أيبين عابدين لربهم حامدين, وليدخلوا المسجد الأقصى كما دخلهُ أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب وأصحابهِ - رضي الله عنهم أجمعين-, واستلامه مفاتيحهُ من الرهبان والقِسيسين تصديقاً لنبوءات التوراة والإنجيل وكتب السابقين, ونسأل الله العظيم أن يبقى المسجد الأقصى مفتوحاً مُطهراً للمسلمين حتى ذلك الحين, قال تعالى: {.. وليدخلوا المسجد كما دخلوهُ أول مرة ..}.
وباستثناء المعارك التي سبقت وصول جيوش المسلمين إلى أسوار مدينة القدس, فقد كان الدخول الأول لبيت المقدس في عهد الأمة الإسلامية سلمياً دون قتال وسفك دماء خارج أبوابها وداخل أسوارها, على عكس ما كان عليه الحال في الدخول والفتح الثاني الذي كان في زمان السلطان صلاح الدين الأيوبي, حيُث أُجْبِر جيش المسلمين على قتال الآلاف من المقاتلين الصليبيين المتحصنين خلف أسوار المدينة, وقد أدت الصدامات العنيفة بين الجانبين إلى سقوط القتلى والشهداء, وتهدمت أجزاءٌ من أبنية المدينة قبل أن يُعاد ترميمها وإصلاحها من جديد بعد قبول صلاح الدين شروط الاستسلام التي فرضها الصليبيين. 
وكما في نبوءة الوعد الآخر من قضاء الله على بني إسرائيل في القرآن, فإن الدخول الثالث المُنتظر للمسجد الأقصى سيكون بإذن الله كما الدخول الأول سلمياً دون قتال في محيط المسجد والمدينة المقدسة على وجه الخصوص.

وفيما يخص إمامة المهدي للمسلمين في آخر الزمان, فقد جاء في عدة روايات عن  النبي (عليه وآله الصلاة والسلام), أنهُ لا تنقضي الأيام حتى يظهر إمام العادلين وشيخ الخاشعين المهدي الذي يُختم به الدين, قال تعالى : {ولكل أمةٍ رسول, فإذا جاء رسولهم قُضي بينهم بالقسط وهم لا يُظلمون 47 ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين 48 قل لا أملكُ لنفسي ضَراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله. لكل أمةٍ أجل. فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً, ولا يستقدمون 49} سورة يونس. 
وعن أبي سعيدٍ الخُدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : {لا تقوم الساعة حتى تمتلىء الأرضُ ظُلماً وعدواناً , ثم يخرُج من عِترَتي , أو من أهل بيتي من يملأُها قِسطاً وعدلاً , كما مُلِئت ظُلماً وعدواناً} (13).
وعن كعبٍ الأحبار رضي الله عنه, قال: {المهدي خاشعٌ لله كخشوع النَسر جناحه} (14). وعنه رضي الله عنه أنهُ قال: {لا تنقضي الأيام حتى ينزل خليفةً من قريش ببيت المقدس, يجمعُ فيها جميع قومهُ من قريش, يُنزلهم وقُوادَهم, فيغلون في أمرهم, ويُترفون في مُلكهم, حتى يتخذوا أُسكفات البيوت من ذهبٍ وفضة, وتدينُ لهم الأمم, ويَدِرُ لهم الخَراج, وتضعُ الحربُ أوزارها} (15).

وأما الجزء الثالث والأخير من هذا الوعد الإلهي الآخر فإنهُ سيتحقق بعد نزول العلامة الثالثة من علامات الساعة الكُبرى المسيح عيسى ابن مريم عليهما السلام من السماء, والذي سيُعينه الله على تحطيم وتدمير ما تبقى من مظاهر الظُلم والعدوان في الأرض المُباركة, قال تعالى: {... وليتبروا ما علوا تتبيراً 7}.

[قال الكلبي‏{‏فإذا جاء وعد الآخرة‏}‏ يعني مجيء عيسى عليه السلام من السماء] تفسير القرطبي.
[قالَ الْحَسَن : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْيَهُودِ : إِنَّ عِيسَى لَمْ يَمُتْ وَإِنَّهُ رَاجِع إِلَيْكُمْ قَبْل يَوْم الْقِيَامَة] تفسير ابن كثير.
وقد روى كثير من علماء السلف رضوان الله عليهم أحاديث في أن عيسى ابن مريم عليه السلام يصلي خلف المهدي ويُبايعهُ وينزل في نُصرته , وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه (16) , عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهُ أنهُ قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : {لا يزالُ طائفةٌ من أُمتي يُقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة}.
قال : {فينزل عيسى ابنُ مريم , صلى الله عليه وسلم , فيقولُ أميرُهم , تعالَ صَلِ لنا . فيقولُ : لا, إن بعضَكم على بعضٍ أُمراء تَكرِمَة الله تَعالَ لهذه الأُمة}.
وفي حديثِ آخر عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهُ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : {يلتفت المهدي , وقد نزل عيسى ابن مريم كأنما يقطُر من شعرهِ الماء , فيقول المهدي : تقدم وصَلِ بالناس.
فيقُولُ عيسى ابن مريم : إنما أُقيمت الصلاة لك.
فيُصلي عيسى خلف رجلٍ من ولدي , فإذا صُلِيت قام عيسى حتى جلسَ في المقام , فيُبايعه} , وذكرَ باق الحديث. أخرجهُ أبو القاسم الطبراني في (مُعجمه) (17).
وفيما يلي فقرة مُنتقاة من الحديث الطويل الذي رُوي عن أبي أُمامة الباهلي في وصف الدجال وفتنته , وقد ضمت هذه الفقرة مُوجز للأحاديث التي روُيت عن جولة الحسم الأخيرة بين المسلمين واليهود في آخر الزمان.
{... فقالت أم شريك بنت أبي العَكر : يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟
قال : هم يومئذٍ قليل , وجُلُهم ببيت المقدس , وإمامُهم رجل صالح , فبينما إمَامُهم قد تقدم يصلي الصبح , فيرجعُ ذلك الإمام ينكُصُ , يمشي القهقرى , ليتقدم عيسى ابن مريم ليصلي بالناس , فيضعُ عيسى يدهُ بين كتفيه , ثُم يقول : تقدم فَصَلي فإنها لك أُقيمت , فيُصَلي بهم إمامُهم.
فإذا انصرف قال عيسى : افتحوا الباب. فيُفتح ووراءهُ الدجال , معهُ سبعون ألف يهودي , كُلُهم ذو سيفٍ مُحلىً وساج (*) , فإذا نظرَ إليه الدجال ذابَ كما يذوب الملح  في الماء , وانطلق هارباً.
فيقول عيسى إن لي بك ضربة لن تسبقني بها. فيُدركهُ عند باب لُدٍ الشرقي فيقتُلُه. ويهزم اللهُ اليهود , فلا يبقى شيءٌ مما خلقهُ الله يتوارى به يهودي إلا أنطقَ اللهُ ذلك الشيء , ولا حَجَرَ , ولا شجرَ , ولا حائط – إلا الغرقدة (*) فإنها من شجرهم لا تنطق – إلا قال : يا عبد الله المسلم , هذا يهودي , فتعالَ اقتُلهُ} إلى نهاية الحديث. أخرجهُ الحافظُ أبو عبد الله ابن ماجة في (سُننه) (18).
(*) ساج : الطيلسان الأخضر.
(*) الغرقدة : ضرب من شجر العضاه وشجر الشوك.

وقد روى الشيخان - البخاري ومسلم- في صحيحيهما, عن أبي هريرة (رضي الله عنه) , أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال : {لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر ، فيقول الحجر و الشجر : يا مسلم ! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله ، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود} متفقٌ عليه. 

إن الرباط والصبر والثبات على الحق مهما حصل من تقلبات هو من أهم بنود إنجاز هذا الوعد الرباني, لذلك فإننا نجد أن تركيز العدو ينصب على تحطيم إرادة ومعنويات أهل فلسطين ومن حولهم من العرب والمسلمين, وذلك ليتسرب اليأس إلى نفوسهم ويدب الرعب في قلوبهم ويظنوا أن لا سبيل لهم سوى الركون والاستسلام للأمر الواقع, ولا بد من الاعتراف بأن صبر المسلم في ظل هذه المحن العظيمة التي نعيشها اليوم يحتاج إلى صبر آخر لتدعيمه, ولا يمكن تحقيق مثل هذا الصبر والثبات إلا من خلال عقيدة صحيحة وإيمان عميق وإرادة صلبة, قال تعالى: {ولَنَبْلُوَنكم بشيءٍ من الخوفِ والجوعِ ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين 155 الذين إذا أصابتهم مُصيبةٌ قالوا إنا لله وإنا إليهِ راجعون 156 أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمة, وأولئك هم المُهتدون 157} سورة البقرة.

وعلى العاقل أن يتأمل واقعه ويعرف ما له وما عليه ويتصرف ضمن حدود إمكانياته, وأن يحتسب عجزه وضعفه إلى القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء سبحانهُ وتعالى, وحتى وإن مُنع المسلمين من أهل فلسطين من أداء شعائر الدين في المسجد الأقصى وغيره من المساجد قهراً, فإن الله يجزيهم ثواب وفضل نيتهم, ولا يزالُ معهم من الله ناصراً ومُؤيداً لهم على عدوهم ما داموا بالإيمان مطمئنين. 
قال سبحانه وتعالى: {ولا يجرمنكم شنئان قومٍ أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا. وتعاونوا على البر والتقوى, ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. واتقوا الله. إن الله شديد العقاب} [2, المائدة]. 
وعلى المسلمين جميعاً في أرض فلسطين وغيرها أن يصبروا صبراً جميلاً, وأن يكظموا غيظيهم مدى الاستطاعة, وأن يكون ردهم على أي عدوان يصيبهم عقلانياً ومناسباً ويعكس الخيرية التي اختصهم الله بها على سائر الأمم, وإنهُ إن لم يكن بمقدورنا الانتقام والانتصار على العدو بالطرق اللائقة والمشروعة, فإن الله وملائكته وجنده قادرين, وهم مع العباد الصابرين, والأحرى بالمسلم المقبول عند الله أن يُسلم نفسهُ إليه سبحانهُ ولا يُسْلمها لشهوات نفسه ونوازع الشر فيها.
إلا أن عذر المسلمين في هذه الأيام هو غياب الإمام القدوة المُعين على الحق, والذي من شأنه هداية الناس وإنارة الطريق للسالكين, قال تعالى: {واتلُ عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتُقبل من أحدهما ولم يُتقبل من الآخر قال لأقتلنك, قال إنما يتقبل الله من المتقين 27 لئن بسطت إليَ يدك لتقتلني ما أنا بباسطٍ يدي إليك لأقتلك, إني أخاف الله رب العالمين 28 إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار. وذلك جزاء الظالمين 29 فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين 30 .. من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً. ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون 32} المائدة.   

على الجهة المُقابلة
قال الله في كتابه: {أتأمرون الناس بالبِر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب. أفلا تعقلون 44} سورة البقرة.
لذا فإنهُ وقبل تجريمنا للآخرين من يهود وعجم وغيرهم من الأمم, وحملنا عليهم وإظهارنا إساءتهم, وإنذارنا من سوء عاقبتهم, فعلينا نحن أمة العرب والمسلمين أن لا ننسى أنفسنا ونتجاهل جرائمنا بحق بعضنا البعض, وإساءتنا المستمرة لعقيدتنا ومقدساتنا بما نرتكبه من ذنوب وفواحش وآثام عندها وحولها في الشام وفي جزيرة العرب وغيرها من البلدان, ولولا ذلك لما استُلب منا بيت المقدس ولما تناقص سلطان هذه الأمة وعزتها وهيبتها, وللأسف الشديد فإننا لا نزداد إلا سقوطاً وتفككاً وتشرذماً يوماً بعد يوم إلى أن يشاء الله أن يصلح أمةً بعد فسادها.
 
عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لتتبعن سَنَن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟} رواه البخاري ومسلم.
وقبل أن أختم هذا المقال هناك مسألة هامة لا بد من الإشارةِ إليها, وهي أن هذه الأمة كما أخبر عنها (عليه الصلاة والسلام) أنها لا بُد أن تسير على طريق من قبلها من الأمم الكتابية حتى في أتفه الأمور والسُنن, ورغم وجود ثمة تفاوت نسبي بين الأمم الكتابية الثلاثة بمحاسنها وسيئاتها, وامتياز خاص لهذه الأمة المحمدية, إلا أنهُ ثمة هناك تشابه كبير فيما بينها في الكثير من المواطن والقضايا الفرعية والرئيسية على امتداد فترات حملها للرسالات السماوية والأمانة الربانية, وعلى سبيل المثال لا الحصر, نجدُ في كتاب الله الكثير من الآيات التي تذكر قتل بني إسرائيل لأنبيائهم وأذيتهم وخيانتهم لهم, وبالمقابل فإننا نجد في تاريخ الأمة الإسلامية نموذجاً مشابهاً ومشاهد قديمة وحية لهذه الفِعَال الدنية, تتمثل بما أحدثهُ طُغاة المسلمين وعُصَاتهم من الأُمراء والعوام من قتلٍ وأذىً وخيانة لخلفاء النبي الكريم و ورثته العلماء والأئمة المهديين الذين هم بمنزلة الأنبياء (عليهم رحمة الله وصلاته وسلامه أجمعين), أُثرَ عنه (صلى الله عليه وسلم) أنهُ قال: {العلماء ورثة الأنبياء}, وفي حديث آخر: {علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل}. وحتى إن لم تثبُت صحة هذا الحديث, فقد صح معناهُ بما لاقاهُ علماء الأمة من شقاء على أيدي المارقين والسُفهاء كما كان حال السابقين من الأنبياء.

قضاء الله في الكتاب على أمة الكتاب
بحسب ما تقدم من حتمية إتباع هذه الأمة لطُرق من قبلها من الأُمم الكتابية, فإن هذه الأمة لا بُد أنها لاحقة بأمة اليهود فيما قضاهُ الله عليهم في الكتاب من الإفساد في الأرض مرتين, وهذه من أعظم السُنن الربانية التي كتبها الله على أمة اليهود, وإتباع أمة المسلمين لليهود في هذه السُنة القضائية لا بُد أن يكون ظاهراً وجلياً لثبات ذكرها بالكتبُ السماوية, وبعد مرور نحو 14 قرناً من زمان هذه الأمة فإننا نجدُ أن هذا القضاء الرباني قد نال حظهُ من المسلمين تماماً كما نال حظهُ من اليهود السابقين.
قال تعالى: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلُنَ علواً كبيرا 4}.
وقد بدأ هذا القضاء يسري على هذه الأمة بعدما تفشى فيها الفساد حاكمين ومحكومين, وتشتت دولتهم وتفرقت كلمتهم وضعف سلطانهم, وصاروا محط أنظار أعدائهم الصليبيين الذين استباحوا بيضتهم وانتزعوا بيت المقدس من بين أيديهم وغيره من الأمصار, وكان ذلك في أواخر القرن الخامس الهجري, خلال فترة الخلافة العباسية. قال تعالى:{ فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأسٍ شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا 5 }.
وقد دام هذا الحال والاحتلال لبيت المقدس قُرابة 90 عاماً قبل أن يرد الله الكَرة لهم على أعداءهم ويمدهم بالجُند والمال, ويجعلهم أكثر قوةً وأشد بأساً من أعدائهم, وكان ذلك على أيدي رجالاً مخلصين يقودهم القائد داود هذه الأمة السلطان صلاح الدين. قال تعالى: { ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا 6 } .
وقد دام هذا الحال من العزة والاستقلال سنين وقروناً طِوال قبل أن يبدأ السقوط والانهيار يأخذ مكانهُ من جديد في جسم هذه الأمة صاحبة المجد التليد, وكان بيت المقدس هو كذلك رمانة الميزان التي فضحت ما أصاب هذه الأمة من ذِلةً وهوان في وعد آخر الزمان, وما كان من اليهود وأعداء العرب والإسلام إلا أن دخلوه واحتلوه وأحرقوا مسجده وحاصروه واقتحموه, ولا يزالون على حالتهم في محو آثار العرب المسلمين حاضرها وماضيها في كل ما يظهروا عليه من أراضي بيت المقدس وفلسطين, وذلك ما دام أبناء المسلمين مُصِريين على إتباع الكفرة والشياطين, والتفريط بتعاليم رب العالمين. قال تعالى: { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا 7 }.

وكما أن أطفال ورجال فلسطين قد كشفوا للعالم الوجه السيئ لدولة الإسرائيليين, فإن الإسرائيليين بمكرهم واستفزازهم لأبناء الشعب الفلسطيني, وتضيقهم عليهم, وعدم إعطاءهم المجال للدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم, دفعوا المقهورين من الفلسطينيين قصراً إلى تنفيذ ما يُعرف ڊ (العمليات الانتحارية) داخل المناطق والحافلات الإسرائيلية, وقد سَخَرَ ساسة إسرائيل هذه الورقة الرابحة بخُبْث في تشويه صورة المجتمع الفلسطيني والإسلامي, وإظهاره للعالم على أنهُ مجتمع متعطش لسفك الدماء, وأنهم أُناس ليس في قلوبهم شفقة أو رحمة للبشر, والحقُ هو أن اندفاع الشباب الفلسطيني وهم في زهرة العُمر للانتحار بهذه الطريقة المُريعة, وهو أكبرُ شاهد ودليل على أن الدولة الإسرائيلية قد سلبتهم كل مقومات الحياة الكريمة, وهذا هو ما ينبغي على العالم معرفتهُ والإقرارُ بهِ, وإلا كانوا شُركاء في الجرائم البشعة التي تُرتكبُ كل يوم ضد الشعب الفلسطيني منذ قيام دولة إسرائيل على أراضيه.
وبحسب بعض التحليلات السياسية, فإنهُ يُعتقد أن الحكومة الإسرائيلية كانت تفسح المجال لتنفيذ مثل هذه العمليات التفجيرية في أراضيها كلما لزم الأمر, لتتخذها ذريعة للتملص من التزامات عملية السلام, ومهاجمة الشعب الفلسطيني وسلبهُ حريته وحقوقهُ المشروعة.      
وإن هذا الكلام ليس إقراراً مني بسلامة ومشروعية العمليات الانتحارية التي تقتل أخلاط الناس من عجائز وأطفال ونساء وغيرهم من الضُعفاء والعُزَل, وديننا ينهانا عن مثل هذه الوحشية والغدر حتى وإن كانت تستهدف مُجتمع العدو, إلا أن قساوة الواقع الفلسطيني والغيظ العظيم الذي زرعهُ الاحتلال في نفوسه أبناءه, يدفعهُم إلى خارج دائرة الإفتاء وإطلاق أحكام الحلال والحرام, وفي ضوء هذه المُعطيات الصعبة والفتن المُتلاحقة, فإن السكوت خيرٌ من الكلام إلى أن يجعل لنا الرحمنُ سبيلاً ومُخرجاً من هذا الذُل والامتهان. قال المصطفى عليه الصلاة والسلام: {إن الله تبارك وتعالى نظر إلى أهل بدر, فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرتُ لكم} صحيح البخاري.    

وفي ختام ِهذا القضاء الرباني, يبقى أمل المسلمين وسعيهم إلى الخروج من هذا الكرب العظيم معلقاً برحمة رب العالمين القريبة من عباده المحسنين. قال تعالى: {عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا 8} ختام تفسير أوائل سورة الإسراء.

الخاتمة:
قال تعالى : {ولا تحسبنَ الله غافلاً عما يعملَ الظالمون. إنما يؤخرهم ليومٍ تشخصُ فيه الأبصار 42 مُهطعين مُقنعي رؤوسهم لا يرتدُ إليهم طَرفُهم وأفئِدتُهم هواء 43 وأنذرِ الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخِرنا إلى أجلٍ قريب نُجب دعوتك ونتبع الرُسل. أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال 44 وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبينَ لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال 45 وقد مكروا مكرَهم وعندَ اللهِ مكرُهم وإن كان مكرُهم لتزول منهُ الجبال 46 فلا تحسبنَ الله مُخلف وعدهِ رُسله. إن اللهَ عزيزٌ ذو انتقام 47} سورة إبراهيم.
إنَ وجه الأرضَ المُباركة مليء بالخيرات والثمار والأزهار, وأما باطنها فهو حُفرة من النار التهمت على مر السنين أجيالاً من المُفسدين والعابثين الذين صاروا عبرةً للعالمين, وعلى اليهود والنصارى والمسلمين أن يأخذوا عبرة من تجارب أجدادهم السابقين في سَكنِ بيت المقدس والأرض المباركة, والتي تكللت بزوال ملكهم عنه وخروجهم منه جزاءً من الله على إفسادهم فيها, وإن من جهل ابن آدم وعنادهُ أن يتمسك بما هو زائل من حُطام الدُنيا ويترك ما لا يزول أبداً من نعيم الآخرة.[ ورد في بعض طرق حديث الإسراء أنه صلى الله عليه وآله وسلم رأى جهنم في طريقه إلى بيت المقدس, وروي عن عبادة بن الصامت أنه وقف على سور بيت المقدس الشرقي يبكي وقال ها هنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه رأى جهنم].
  

من لطائف التفسير:
* لقد ردَ اللهُ الكَرَةَ لبني إسرائيل على عدوهم الذي اخترق مُدنهم وقُراهم وأخرجهم منها بعد فسادهم الأول في عهد التوراة , على أيدي عبادٍ مؤمنين صابرين من أوليائهم الصالحين وأنبيائهم المُقربين أمثال طالوت وداود وسليمان (عليهم السلام أجمعين).
 بينما رُدت الكَرَةُ لهم على عدوهم – أي المسلمين- الذي اخترق قُراهم في المدينة المُنورة وما حولها وأخرجهم منها بعد فسادهم الأول في عهد القرآن, على أيدي عبادٍ قُساةٍ ظالمين من الحُكام والقادة السياسيين الذين وطَنُوهُم في أرضِ فلسطين مُتجاهلين لسُكانها الأصليين.
* وكما حصل لهم بعد إفسادهم الأول فقد عُوقِبَ الظالمين من بني إسرائيل على إفسادهم الثاني في عهد التوراة على أيدي الكفرة والوثنيين من أمثال بُخت نصر وجندهُ.
بينما سيحل عقاب الله على الظالمين من يهود دولة إسرائيل جزاء إفسادهم الثاني في عهد القرآن على أيدي عبادٍ من أهل الإيمان من أمثال المهدي والمسيح عيسى ابن مريم (عليهم السلام) - {ود وسواع} (19)-.
قال تعالى: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ 78 كانوا لا يتناهون عن مُنكرٍ فعلوه. لبأس ما كانوا يفعلون 79} المائدة.

وآخرُ دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى اللهُ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبهِ وسلم.  

مواضيع ذات صلة على هذه الروابط :

نُشر لأول مرة على مدونة المسبار السحري بتاريخ 3-5-2011
فكرة وإعداد : وليد أحمد القراعين.
  
  الهوامش: 
(11) راجع موقع ويكيبيديا , عنوان البحث (يهود الفلاشا). 
(12) أخرجهُ الإمام أبو الحسين ابن المنادي في كتاب (الملاحم), وأخرجهُ الحافظ في كتاب (الفتن).  
(13) أخرجهُ الإمام أحمد بن حنبل في (مُسنده).
(14) رواهُ الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود في كتاب (المصابيح).
(15) أخرجهُ الحافظ في كتاب (الفتن).
(16) في باب نزول عيسى ابن مريم بشريعة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام , من كتاب الإيمان . صحيح مسلم 1/137.
(17) المُعجم الصغير الذي رتب فيه أسماء المشايخ على الحروف.
(18) في باب فتنة الدجال وخروج عيسى ابن مريم وخروج يأجوج ومأجوج , من كتاب الفتن , سُنن ابن ماجة 2/1359 – 1363.
(19) سورة نوح آية 23. 

المراجع :
- كتاب عقد الدرر في أخبار المنتظر , للإمام يوسف بن يحيى الشافعي السُلمي.
- كتب تفسير القرآن المشهورة مثل: تفسير الطبري والقرطبي وابن كثير.

فهرس لبعض أعلام المُفسرين:
ابن كثير : هو الإمام العَلاَمة الحافظ الثبت الثقة أبو الفداء (إسماعيل بن كثير) المتوفى سنة 774 هجرية , من جهابذة المفسرين وأعلامهم المشهورة , جمع في تفسيره بين الرواية والدراية , قال السيوطي في تفسيره : [لم يُؤلَف على نمطه مثله].
القرطبي : هو أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي , والمتوفى سنة 671 هجرية , قال عنه الذهبي :[إمام متفنن متبحر في العلم، له تصانيف مفيدة تدل على كثرة إطلاعه ووفود عقله وفضله]
- عبد الله بن عباس : الحبرُ البحر , ابن عم رسول الله –صلى الله عليه وسلم – وتُرجمان القُرآن ببركة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام لهُ حيثُ قال : {اللهم فقهُ في الدين , وعلمهُ التأويل}. 
- مُجاهد بن جبر : من جيل التابعين - وهم الذين لم يصاحبوا النبي عليه الصلاة والسلام لحداثة سنهم أو لتأخر مولدهم عن فترة البعثة النبوية المُباركة , وتُسمى كذلك الأجيال التي جاءت بعد جيل التابعين من العلماء والصالحين ومن تبعهم ڊِ (تابعي التابعين) إلى وقتنا هذا- وكان مجاهد آية في التفسير فقد قال : [عرضتُ المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات , من فاتحتهِ إلى خاتمته , أوقفهُ عند كل آية منه وأسألهُ عنها]. ولهذا قال سفيان الثوري : [إذا جاءك التفسير من مجاهد فحسبُك به].
- سعيد بن جبير  , سعيد بن المُسيب , قتادة: جميعهم من علماء التابعين والمُفسرين الثقات المشهورين.
 كعب الأحبار : كان من يهود اليمن وصاحب معرفة وعلم كبير في التوراة والإنجيل وأنبياء وروايات بني إسرائيل, أسلم في عهد الخليفة عمر بن الخطاب.


قضاء الله على بني إسرائيل بأقوال الأئمة والدليل ج2

بسم الله الرحمَن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أكرم المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد ؛

أما بعد ؛ هذا هو الجزء الثاني من بحث (قضاء الله على بني إسرائيل بأقوال الأئمة والدليل), حيث كنتُ قد شرعت في مقدمة الجزء الأول في بيان ٍ وشرح ٍ عام للآيات الأوائل من سورة (بني إسرائيل) مُستأنساً بأقوال كبار المفسرين ورواياتهم, ثم بعد ذلك قمت بشرح وتفصيل أوجه التفسير لقضاء الله على بني إسرائيل في العهد القديم وهو (التوراة).

وفي هذا الجزء فإنني سوف أنتقل إلى استكمال بيان أوجه تفسير هذا القضاء, وذلك من خلال العهد الجديد وهو (الإنجيل), والعهد الآخر وهو (القرآن الكريم).
ولكن حتى يحصل الفهم وتتم الفائدة للقارئ فلا بد له من العروج على  قراءة الجزء الأول من البحث, أو على الأقل المقدمة التي توضح المعاني العامة للآيات, والأفكار الأساسية التي يرتكز عليها البحث ومنهجية التفسير التي اتبعتها.

وقد كان هذا البحث فيما سبق مختصراً في جزءٍ واحد أو بالأحرى منشور على صفحة إلكترونية واحدة, ولكن بعد إضافة عدة فقرات والإسهاب أكثر في الشرح والتفسير وزيادة كم المعلومات, وبسبب حدوث أخطاء في الصفحة الإلكترونية بسبب عدد الكلمات الكبير, رأيت أنه من الأنسب تقسيمه وتوزيعهُ على أجزاء,  بحيث يشتمل الجزء الأول على المقدمة والتفسير المرتبط بالعهود القديمة والأزمنة الماضية, وصولاً إلى التفسير المرتبط بالزمان القريب والحالة الراهنة, إلا أن كل الأجزاء في الواقع تمثل بحثاً واحداً متكاملاً بحسب تسلسل المعلومات الواردة فيها.

قال تعالى :{سبحانَ الذي أسرى بعبدهِ ليلاً منَ المسجدِ الحرام إلى المسجدِ الأقصى الذي باركنا حولهُ لنريهُ من آياتنا. إنهُ هوَ السميع البصير1 وآتينا موسى الكتاب وجعلناهُ هُدىً لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلاً 2 ذرية من حملنا مع نوح إنهُ كان عبداً شكوراً 3 وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلُنَ علواً كبيرا 4 فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأسٍ شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا 5 ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا 6 إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا 7 عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا 8} سورة الإسراء.

الإنجيل العهد الجديد
قال تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ 46} سورة المائدة.
واستكمالاً لشريعة التوراة وتجديداً لها, بعث الله المسيح عيسى ابن مريم متتماً لرسالة موسى ابن عمران, ومبشراً ببعث النبي أحمد العدنان (عليهم جميعاً الصلاة والسلام), وقد دلت عبارات بعض الأناجيل على أن المسيح نُبئ على رأس ثلاثين سنة من عُمره, وجرى على ذلك المؤرخون ومفسرون القرآن الكريم, وقيل أن بعثهُ كان على دم يحيى بن زكريا (عليهما السلام) الذي تسميه النصارى (يوحنا المعمدان), وذلك لأنهُ عَمدَ المسيح في نهر الأردن قبل ابتداء دعوته.
قال تعالى:{ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ 6} الصف.
ولما بَلغَ المسيح أن يحيى قد قُتل, جهر بدعوته وقام في الناسِ واعظاً (7), لينذرهم من سخط الله وعقوبته لهم على ما ارتكبوه من جرائم وتقصير في حق أنبياء الله وأوليائه, وليُثبِتَ الله به قلوب المؤمنين ويبشرهم بثوابه ونصره لهم, وقد أيد الله عيسى (عليه السلام) بالخوارق والمعجزات التي تُثبت أنهُ نبي مُرسل من عند الله, ولكن كعادة الفاسقين والمُعاندين فإنهم قالوا بعد رؤية الآيات هذا سحرٌ مبين, وذلك لئلا يحملهم الإيمان والتصديق على ترك ما شربتهُ نفوسهم من الشهوات والمُنكرات.

قال تعالى: { فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون 52}
ولما أدرك جمعٌ من قادة بني إسرائيل وكهنتهم أن دعوة عيسى (عليه السلام) وتعاليمه قد فضحت جهلهم, وكشفت طرقهم في استغلال مبادئ الدين لملئ جيوبهم وتثبيت سلطانهم على الناس, رأوا أنه لا خلاص لهم من هذا المأزق إلا بالخلاص من السيد المسيح وقتله, فأذاعوا الأكاذيب عنهُ وعن دعوته وأتباعه, حتى إذا وجدوا العون والتأييد على ما هموا به ساروا في طلبهِ ليأخذوه, ولكن الله أعلَمَ المسيح (عليه السلام) بكيد الخُوان من بني إسرائيل وألقى شبههُ على شخصٍ آخر, فأخذوه مكانهُ وقيدوه وأهانوهُ وصلبوهُ على الخشبة وعذبوه حتى مات, ظناً منهم بأنهُ غايتهم عيسى ابن مريم (عليهما السلام).

قال تعالى : {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ 54 إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ 55} سورة آل عمران.
وقال تعالى:{ وَقَوْلهمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيح عِيسَى اِبْن مَرْيَم رَسُول اللَّه وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ.وإنَ الذينَ اختلفوا فيهِ لفي شكِ منه.ما لهم بهِ من علمٍ إلا إتباع الظنَ. وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا 157 بَلْ رَفَعَهُ اللَّه إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّه عَزِيزًا حَكِيمًا 158} النساء.

وبهذا الفعل المشين الذي لم يكْتب الله له النجاح, كُتب الإفساد الأول على بني إسرائيل في عهد كتاب عيسى الإنجيل, وقد كان هذا الإفساد الأول في العهد الجديد امتداداً واستكمالاً لآخر إفساد في العهد القديم (التوراة), والذي تم كما ذكرت بما أوقعه بني إسرائيل من أذى وقتل بحق أنبياءهم زكريا ويحيى وكذلك مريم العذراء (عليهم صلوات الله وسلامه).
قال تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون  32} سورة المائدة.

وكما في غالبية المرات السابقة فقد اختلف المؤرخون والمفسرون في تحديد هوية الذين سُلطوا على بني إسرائيل عقب هذا الإفساد الكبير, وفيما يلي بعضاً من أقوالهم:
قال القرطبي: [عن مُحَمَّد بْن إِسْحَاق قَالَ : لَمَّا رَفَعَ اللَّه عِيسَى مِنْ بَيْن أَظْهُرهمْ وَقَتَلُوا يَحْيَى - وَبَعْض النَّاس يَقُول : لَمَّا قَتَلُوا زَكَرِيَّا - بَعَثَ اللَّه إِلَيْهِمْ مَلِكًا مِنْ مُلُوك بَابِل يُقَال لَهُ : خردوس , فَسَارَ إِلَيْهِمْ بِأَهْلِ بَابِل وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ بِالشَّأْمِ , ثُمَّ قَالَ لِرَئِيسِ جُنُوده : كُنْت حَلَفْت بِإِلَهِي لَئِنْ أَظْهَرَنِي اللَّه عَلَى بَيْت الْمَقْدِس لَأَقْتُلَنَّهُمْ حَتَّى تَسِيل دِمَاؤُهُمْ فِي وَسَط عَسْكَرِيّ , وَأَمَرَ أَنْ يَقْتُلهُمْ حَتَّى يَبْلُغ ذَلِكَ مِنْهُمْ , فَدَخَلَ الرَّئِيس بَيْت الْمَقْدِس فَوَجَدَ فِيهَا دِمَاء تَغْلِي , فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا : دَم قُرْبَان قَرَّبْنَاهُ فَلَمْ يُتَقَبَّل مِنَّا مُنْذُ ثَمَانِينَ سَنَة . قَالَ مَا صَدَقْتُمُونِي , فَذَبَحَ عَلَى ذَلِكَ الدَّم سَبْعمِائَةٍ وَسَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ رُؤَسَائِهِمْ فَلَمْ يَهْدَأ , فَأَتَى بِسَبْعِمِائَةِ غُلَام مِنْ غِلْمَانهمْ فَذُبِحُوا عَلَى الدَّم فَلَمْ يَهْدَأ , فَأَمَرَ بِسَبْعَةِ آلَاف مِنْ سَبْيهمْ وَأَزْوَاجهمْ فَذَبَحَهُمْ عَلَى الدَّم فَلَمْ يَبْرُد , فَقَالَ : يَا بَنِي إِسْرَائِيل , اُصْدُقُونِي قَبْل أَلَّا أَتْرُك مِنْكُمْ نَافِخ نَار مِنْ أُنْثَى وَلَا مِنْ ذَكَر إِلَّا قَتَلْته . فَلَمَّا رَأَوْا الْجَهْد قَالُوا : إِنَّ هَذَا دَم نَبِيّ مِنَّا كَانَ يَنْهَانَا عَنْ أُمُور كَثِيرَة مِنْ سَخَط اللَّه فَقَتَلْنَاهُ , فَهَذَا دَمه , كَانَ اِسْمه يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , مَا عَصَى اللَّه قَطُّ طَرْفَة عَيْن وَلَا هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ . فَقَالَ : الْآن صَدَقْتُمُونِي , وَخَرَّ سَاجِدًا ثُمَّ قَالَ : لِمِثْلِ هَذَا يُنْتَقَم مِنْكُمْ , وَأَمَرَ بِغَلْقِ الْأَبْوَاب وَقَالَ : أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ جَيْش خردوس , وَخَلَا فِي بَنِي إِسْرَائِيل وَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه يَا يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا قَدْ عَلِمَ رَبِّي وَرَبّك مَا قَدْ أَصَابَ قَوْمك مِنْ أَجْلك , فَاهْدَأْ بِإِذْنِ اللَّه قَبْل أَلَّا أُبْقِي مِنْهُمْ أَحَدًا . فَهَدَأَ دَم يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا بِإِذْنِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَرَفَعَ عَنْهُمْ الْقَتْل وَقَالَ : رَبّ إِنِّي آمَنْت بِمَا آمَنَ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيل وَصَدَّقْت بِهِ ; فَأَوْحَى اللَّه تَعَالَى إِلَى رَأْس مِنْ رُءُوس الْأَنْبِيَاء : إِنَّ هَذَا الرَّئِيس مُؤْمِن صَدُوق ..].

قال الباحث بسام جرار في دراسته: [قام اليهود العائدون من الشتات[2] بمحاولات عدة لتحقيق الاستقلال، أو الحصول على حكم ذاتيّ. وقد نجحت بعض هذه المحاولات لفترة محدودة حتى كان السبي على يد (تيطس) الرّوماني سنة70م، ثم السبي الروماني الأخير في عهد (هدريان) عام 135م.
[2]وهم قلّة عملت على تهويد بعض السكان في الأرض المقدّسة ليتكثَّروا بهم. ويجدر التنبيه هنا إلى أنّ الغالبيّة العظمى من بني إسرائيل ذابت في الشعوب المختلفة. وعليه فإنّ الغالبيّه العظمى من بني إسرائيل أصبحوا مسلمين، والنسبة الأقل نصارى، وأقل القليل بقوا على اليهوديّة.] (8).
وقد كان هذا السبي والتدمير هو الفيصل والأخير لبني إسرائيل في بيت المقدس كأمة مُستخلفة من الله, وانقطعت النبوة من أصلابهم, ولم يبعث الله لهم من أنفسهم رسولاً جزاءً لهم على قتلهم الرُسل وغدرهم بهم, ولم يكتب الله لهم العودة والرجوع إلى بيت المقدس عما قريب كما في المرات السابقة, وإنما تشتتوا في البلاد وطال عليهم الأمد فلم يرجعوا إلى بيت المقدس وأكنافه ويجتمعوا فيه إلا قبل نحو سبعين عام, ولم يكن رجوعهم هذا برضاً ومغفرةً من الله واستخلافاً لهم على شريعتهِ,  وإنما أرجعهم سبحانهُ في هذه المرة كقومٍ عُتاة مُسَلَطِين على أُمتهِ الجديدة المُستخلفة في البيت من العرب والمسلمين, وهذا ما سوف أشرحه بإسهاب في الفقرات القادمة والجزء الاخير من هذا البحث, والتي سوف تدور في غالبيتها حول قضاء الله على بني إسرائيل في عهد القرآن الكريم.

وقبل أن أختم حديثي عن قضاء الله على بني إسرائيل في عهد الإنجيل, فإنني سأُبين مسالة مهمة قد تخطر في بال بعض القُراء:
* القضاء الجزئي:
بحسب الآيات الكريمة فإن قضاء الله على بني إسرائيل في الكتاب يتضمن على الأقل الإفساد في الأرض مرتين, وقد تمت هاتين المرتين في عهد التوراة إضافةً إلى ما قد يكون زاد على ذلك من المرات تحت قوله تعالى: {وإن عدتم عدنا}, بحسب ما هو مُفَصَل في الفقرات السابقة,  ولكن في عهد كتاب الله الإنجيل وهو الكتاب التابع لنبوة المسيح عيسى (عليه السلام), وقع إفسادُ واحد وأخير من بني إسرائيل وتحقق وعد الله عليهم بالعقوبة والإخراج من بيت المقدس, فماذا عن المرة الثانية ومتى مُقدرٌ لها أن تحْدُث؟
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ 14} سورة الصف.

الجواب الواقعي على هذا التساؤل هو أن الذين كفروا من بني إسرائيل قد أخرجوا من بيت المقدس بعد رفع عيسى (عليه السلام) إلى غير رجعة, وتشردوا في البلاد ولم تقم لهم قائمة, ولم يعد لله بهم حاجة كما شرحت في الفقرة السابقة, وهم الطائفة التي كفرت بعيسى (عليه السلام) وأصرت على البقاء على يهودية الآباء والأجداد وما أحدثوهُ فيها, نابذين للتجديد والإصلاح الذي أراد الله تحقيقه ببعث المسيح (عليه السلام). وعلى الجهة المقابلة فإن الذين آمنوا من بني إسرائيل صاروا من أنصار المسيح (عليه السلام), متبعين نهجهُ وهديهُ في عبادة الله متجردين عن العرقية والتعصب إلى القومية اليهودية, وقضاء الله إنما يسري على المُفسدين في الأرض من بني إسرائيل ولا يسري على المُصلحين منهم, وكنتيجة لهذه التداعيات فإن عِلة سريان قضاء الله على بني إسرائيل بشقيهم الكافر والمؤمن قد انتفت ولم يعد هناك ما يبرر وجوبه عليهم في تلك الفترة وحتى نزول القرآن.
وإن بِشارات عيسى (عليه السلام) وإنجيلهِ كانت بمثابة جسر العبور للباحثين عن الهُدى والنور, وحلقة وصلٍ بين العهدين الكبيرين, وهما عهد موسى ابن عمران الذي انقضى, وعهد محمد بن عبد الله (عليهما الصلاة والسلام) القادم.

إلا أن الجواب الأكثر عُمقاً على التساؤل المطروح في هذه الفقرة يرتبط بصاحب العهد الجديد عيسى (عليه السلام), حيثُ كان بعثهُ في خِتام عهد التوراة وأمة موسى (عليهما الصلاة والسلام), ولم يلبث في قومه إلا قليلاً حتى قضى الله بتوفيهِ ورفعهِ إليه, وكما هو ثابت فإن عودة عيسى إلى الحياة الأرضية مرة ثانية سوف تكون في ختام عهد القرآن وأُمة محمد (عليهما الصلاة والسلام), ليقضيَ ما أمرهُ اللهُ به, ويمضي ما بقي لهُ من سنوات عُمره قبل أن يرقد رقوده الأخير إلى يوم القيامة.
قال تعالى:{ وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا 159} سورة النساء.
قال القرطبي:[.., والمعنى ليؤمنن بعيسى من كان حيا حين نزوله يوم القيامة ؛ قال قتادة وابن زيد وغيرهما واختاره الطبري . وروى يزيد بن زريع عن رجل عن الحسن في قوله تعالى : (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) قال: قبل موت عيسى ؛ والله إنه لحي عند الله الآن ؛ ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون ؛ ونحوه عن الضحاك وسعيد بن جبير ..., وروى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : {لينزلن ابن مريم حكما عدلا فليقتلن الدجال وليقتلن الخنزير وليكسرن الصليب وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين} ، ثم قال أبو هريرة : واقرءوا إن شئتم (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) قال أبو هريرة : قبل موت عيسى ؛ يعيدها ثلاث مرات..]
قال ابن كثير: [قالَ الْحَسَن: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْيَهُودِ : {إِنَّ عِيسَى لَمْ يَمُتْ وَإِنَّهُ رَاجِع إِلَيْكُمْ قَبْل يَوْم الْقِيَامَة}].

وإن العامل المُشترك في المرتين اللتين خرج وسيخرج فيهما السيد المسيح (عليه السلام) إلى الحياة الدنيا, هو أن خروجهُ في المرة كان على فساد حال بني إسرائيل وإفسادهم في بيت المقدس, وليس من إفسادٍ هو أعظم من التظاهُر على قتل روح الله وكلمتهُ عيسى ابن مريم (عليهما السلام), وإن قتل عيسى هو كقتل أُمةً عابدة زاهدة سائحة في سبيل الله.  
وسيتجدد لقاء عيسى (عليه السلام) مع المُفسدين من بني إسرائيل في بيت المقدس, والذين بلغ إفسادهم وعُلوهم وتجبرهم ما تعلمونهُ ولا يخفى عليكم وصفه, قال تعالى: {ومن أظلمُ ممن منع مساجد اللهِ أن يُذكر فيها اسمهُ وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزيٌ ولهم في الآخرة عذابٌ عظيم 114} سورة البقرة.
ولكن في هذه المرة فإن الله سوف ينصُر عيسى ويُمكن لهُ في الأرض ويجعل العاقبة والخسران على المفسدين.

وهكذا فإن الإفساد الثاني لبني إسرائيل في عهد عيسى (عليه السلام) هو هذا الإفساد الجاري حالياً في عهد القرآن, فيكون بذلك آخر إفساد لبني إسرائيل في عهد التوراة هو أول إفساد لهم في عهد عيسى ابن مريم (عليهما السلام), وآخر إفساد لهم في عهد القرآن هو ثاني وآخر إفساد لهم أيضاً في عهد المسيح (عليه السلام).

وفي الجزء الأخير من هذا البحث وضمن تفسيري للوعد الآخر القرآني, سوف أذكر بتفصيلٍ أكثر مسألة نزول عيسى واجتماعه بالإمام المهدي (عليهما السلام), وخروجه لقتال الأعور الدجال وأعوانه من الأشرار.

قضاء الله على بني إسرائيل في القرآن 
بعد أن انقضت وعود الله على بني إسرائيل في التوراة والإنجيل, وتقوضت دعائم مُلكهم واستخلافهم في بيت المقدس واخرجوا منه صاغرين على أيدي عباد الله المُسَلَطين, تشتت بنو إسرائيل في البلاد وهاجر جماعةٌ منهم إلى منطقة الحجاز ونزلوا نواحي (يثرب), وهي ما صار يُعرف بعد الهجرة النبوية إليها ڊ (المدينة).
تمكنت قبائل اليهود المهاجرة من بناء مجتمع ٍ لهم بين القبائل العربية في يثرب, وازدادت ثرواتهم ورقعة الأرض التي يستثمرونها ويسكنون فيها, وتوسع نفوذهم فيها شيئاً فشيئاً نتيجة ً لاجتهادهم في أعمال الزراعة والصناعة والتجارة, وكان من أشهر قبائل اليهود وأكثرهم عدداً وثروة: بنو قريضة, وبنو النضير, وبنو قينقاع.

ورغم سعة العيش التي أدركها اليهود في يثرب, إلا أن الساحة لم تخلو من المنافسين, وبشكلٍ خاص بعد هجرة قبيلتي الأوس والخزرج اليمنيتين إليها وسكنهم واستيطانهم فيها في أعقاب انهيار سد مأرب. ولدفع هذا الخطر وحتى يبقى اليهود هم السادة الآمرين الناهين في يثرب, فقد عملوا على إشعال نار الفتنة بين الأوس والخزرج وحملوهم على الاقتتال فيما بينهم على مدار عقودٍ طويلة, ولم تهدأ نار العداوة والحرب ويحل السلام بين هاتين القبيلتين إلا بعد أن هدى الله قلوبهم إلى دين الإسلام, قال تعالى: {.. وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا..} [آل عمران, 103].

وقد كان من الأسباب التي دعت اليهود إلى الهجرة ناحية بلاد الحجاز وبشكل خاص يثرب وما حولها, هو ما كانوا يجدونه في كتبهم من البشائر بالنبي المنتظر الذي سيظهر أمرهُ على كل البلاد, ويسطو ذكرهُ ومحبتهُ على قلوب العِباد إلى قيام الساعة, وأن خروج هذا النبي وبداية تمكنهِ في الأرض سوف تكون من تلك القرى المُباركة في مكة ويثرب, وقد كان اليهود بعدما أصابهم من الذُل والتهجير من بيت المقدس يمنون النفس أن يكون هذا النبي من قبائلهم, ويعتقدون أنهُ آخر أنبياءهم ومن أصلاب آباءهم, وأنهُ هو صاحب إيليا الذي سوف يحملهم معهُ ويعيدهم إلى بيت المقدس ويقهر أعداءهم من الروم والمجوس, إلا أن الأخبار التي جاءت من مكة خضعت لها رقاب الأحبار, وذلك أن أمانيهم الكاذبة قد فُضحت بعدما تبين لهم أن هذا النبي المُنتظر إنما هو عربيٌ قُرشيْ, مما يعني أن الدين والمُلك القادم سوف يحظى به أتباع هذا النبي من العرب خاصة ومن دخل في دينهم من عامة الناس, وانهُ لن يكون لليهود حظاً ونصيباً خاصاً من هذا السُلطان إلا بالانقياد إلى منهجهِ والخضوع لمشيئة الله مُتجردين عن الأهواء, وفي هذا تهميش للنوازع النفسية والنظرة السوداوية التي كان ينظر بها اليهود إلى من سواهم من الناس والشعوب, الأمر الذي دفعهم إلى الإسراع بتكذيب هذا النبي والانتقاص من قدره والبحث عن الفُرص والأسباب التي من شأنها حمل الناس على الانفضاض عنه ونبذ دعوته, قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ, فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ 89} سورة البقرة.

وقبل الهجرة بنحو عامٍ أو أكثر أنزل الله على خير البشر محمد (صلى الله عليه وسلم) سورة بني إسرائيل, وكان ذلك في أعقاب حادثة الإسراء والمعراج التي هي من أعظم معجزات ومآثر النبي (عليه الصلاة والسلام), وفيها سار الله بنبيه على ظهر دابةٍ سخرها لهُ اسمها البُراق, متوجهاً به من أول بيوته في الأرض المسجد الحرام إلى ثانيها المسجد الأقصى في غضون ساعة من الليل, وقيل أنهُ (عليه الصلاة والسلام) دخل المسجد الأقصى وأحيى الله له الأنبياء وصلوا جميعهم خلفهُ (صلوات الله وسلامه عليهم), ثم بعد ذلك عُرِجُ به إلى السماوات العُلى حتى بلغ سدرة المُنتهى, وجرت أحداثٌ طويلة ليس هذا محل ذكرها وتفصيلها.

وإن من الحِكَم والعِبر التي يمكننا استشفافها من هذه الرحلة النبوية من مكة إلى بيت المقدس, هي أن الله تبارك وتعالى أراد أن يربط فؤاد رسوله بهاتين القريتين معاً, ويُبشرهُ في تلك الظروف العصيبة والمُحبِطة التي كان يعيشها وأتباعهُ في مكة, أنهُ بنفس السرعة والكيفية العجيبة التي سرى وانتقل فيها راكباً دابة سماوية من مكة إلى بيت المقدس ذهاباً وإياباً في ليلة واحدة, فإن شأنهُ سيعلو وسيفتح الله له هاتين القريتين وما بينهما وحولهما ويورثه الأرض المُباركة من بعد أهلها, وهو الشيء الذي وقع وتحقق في بضع سنين من حياته وبعد مماته (عليه أفصل الصلاة والتسليم), حيث سَطت جيوش المسلمين على جحافل المُشركين وغلبوا على قُراهم وبلدانهم بسرعةٍ وكيفية لم يشهد التاريخ لها مثيل قط, وقد تحقق فتح مكة في حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) وتحت قيادتهِ وإشرافه, بينما تسلم أمير المؤمنين راكب الدابة الأرضية عمر بن الخطاب مفاتيح بيت المقدس ودخله والمسلمين بعد نحو سبع سنين من فتح مكة.

وكذلك فإن في إسراء الله بنبيه محمد (عليه الصلاة والسلام) من مكة إلى بيت المقدس قبل هجرتهِ إلى المدينة حكمةً أرادها سبحانهُ وتعالى, وهي أن المدينة كما ذكرنا كان يسكنها ويستوطن فيها بقيةٌ من اليهود, فأراد الله أن يُعَرفَ نبيه ببيت المقدس ويُدخلهُ في حساباته قبل أن يلقى اليهود, خاصةً وأنهم سدنةُ وخُدام بيت المقدس القُدامى, فيكون بذلك مُطلِعاً على شأنهم, عالماً بأن ما كان لبني إسرائيل من عمارة بيت المقدس وتطهيره للمصلين صائرٌ إليهِ ولأمته.

وإن في نزول سورة الإسراء على خير الأنبياء (صلوات الله وسلامه عليهم) قبل هجرتهِ من مكة إلى المدينة حكمة أراداها الله عز وجل, وهي أن يطّلِعَ رسولهُ على قضاءه الأزلي على بني إسرائيل في كُتبه, وحتمية وقوعهم في الإفساد في عهد كل نبي وكتابٍ سماوي, فيتهيأ بذلك إلى لقاء اليهود في المدينة ومواجهة ما قد يقعون فيه من الإفساد.  
وعلى الناحية الأخرى فقد شاء اللهُ بحكمتهِ أن تَنْزِل آيات سورة الإسراء التي حَدَثَ بها نبيهُ محمد –عليه الصلاة والسلام- والمؤمنين عن قضاءه الذي سلف على بني إسرائيل في مكة, وقبل وقتٍ من هجرتهم إلى المدينة ومُجاورة اليهود فيها , لتكون هذه الآيات التي سوف يسمعها اليهود منهم حُجةً عليهم –أي اليهود- وإنذاراً لهم بما ينتظرهم من العذاب الشديد على غِرار ما سبق في التوراة والإنجيل, قبل أن تُسول لهم أنفسهم أن يعودوا إلى الإفساد وأذى الأنبياء وتكذيب الآيات من جديد.
قال تعالى: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلُنَ علواً كبيرا 4}.
وكما شرحت في مقدمة الجزء الأول فإن الأرض التي سوف تشهد إفساد بني إسرائيل تحقيقاً للقضاء الرباني عليهم, هي بالرجوع إلى الآية الأولى من السورة والتي جاءت مباشرة قبل الحديث عن إمامة موسى (عليه السلام) وقضاء الله على أُمته من بني إسرائيل, تمتد من مكة البيت الحرام, مروراً بالمدينة المُنورة (على ساكنها أفضل الصلاة والسلام), وصولاً إلى بيت القصيد وهو المسجد الأقصى حرمُ أرض الشام, قال تعالى: {سبحانَ الذي أسرى بعبدهِ ليلاً منَ المسجدِ الحرام إلى المسجدِ الأقصى الذي باركنا حولهُ لنريهُ من آياتنا. إنهُ هوَ السميع البصير1}.
 وقد ذُكِرَ المسجد أيضاً في سياق وصف الوعد الآخر من القضاء, {..فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة..} آية 7.
وبين مكة والقدسُ وحولهما عاش وتنقل مُعظم الأنبياء, وتنزلت الرسالات, وفي هذه الأرض المُباركة أقام الله أمر الدين وفيها يختمهُ, وكما هو معلوم فإن وِزرَ الإفساد والمعاصي في الأراضي المقدسة يتضاعف وتشتد عقوبة الله لمرتكبيه في الدنيا والآخرة, لذا قضى الله عقوبتهُ المُؤكدة على بني إسرائيل في الدنيا جزاء إفسادهم في خير وأطهر بقاع الأرض.
وقد كان أول عهد بني إسرائيل في الإفساد في زمان استخلاف هذه الأمة هو في دار الهجرة وحرم خاتم الأنبياء مدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

قال تعالى: {إن الذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون 6} البقرة. فرغم تجاربهم السابقة وإفسادهم المتكرر في عهد التوراة ثم في أول عهد الإنجيل, والعقوبات الربانية التي كانت تحلُ بهم تِباعاً بعد كل إفساد, لم يعي بني إسرائيل الدرس جيداً, ولم يجدوا سبيلاً إلى الخروج من قيود بنود القضاء الرباني المكتوب عليهم, ومع بزوغ نجم النبي المُنتظر الذي يملأُ نور كتابه وشريعتهُ قلوب البشر, كان مُقدراً على اليهود مواجهة أنفسهم من جديد, فإما أن يُخالفوها ويتبعوا النهج الرشيد والرأي السديد, أو يتابعوها على أهوائها ويباشروا إفسادهم وتَعَديهم من جديد.

وقد كان من كرم الله ومَنّه عليهم أن أرسل لهم نبيه الكريم إلى حيث يسكنون في يثرب, إلا أنهم ردوا الهدية وجحدوا بالنعمة الربانية, وعَزتَ عليهم أنفسهم وغلبت عليهم شقوتهم, فأنكروا وكذبوا وأكثروا من الجِدال, وسخروا من المؤمنين والمؤمنات وأذوهم في النوادي والطُرقات, وتآمروا وتعانوا مع المشركين على غزو معسكر المسلمين, وكان تاجُ إفسادهم أذى خير النبيين والهمُ بقتل منقذ البشر من الجحيم (عليه وآله الصلاة والتسليم), وإن كادوا لينجحوا  لولا لطف وعناية رب العالمين, وإن هذا الفعل المشين لهو الإفساد العظيم والشرُ المبين, قال تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون  32} سورة المائدة.

وهكذا جرى القلم على بني إسرائيل بالعودة إلى الإفساد والعناد في عهد نبينا العدنان وكتابه القرآن, وهذا ما ذهب إليه وأكد عليه كبار المُفسرين من الصحابة والتابعين (رضوان الله عليهم أجمعين).
قال الطبري –رحمه الله- في تفسير آخر آية من قضاء الله على بني إسرائيل: [16682- عَنْ اِبْن عَبَّاس, قَالَ: قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعْد الْأُولَى وَالْآخِرَة: {عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يَرْحَمكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } قَالَ : فَعَادُوا فَسَلَّطَ اللَّه عَلَيْهِمْ الْمُؤْمِنِينَ. (يعني محمد - صلى الله عليه وسلم- وأصحابه, وقد كانوا من قبل يُسَلط عليهم الكافرين).
16683 - عَنْ قَتَادَة , قَالَ {عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يَرْحَمكُمْ } فَعَادَ اللَّه عَلَيْهِمْ بِعَائِدَتِهِ وَرَحْمَته { وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } قَالَ : عَادَ الْقَوْم بِشَرِّ مَا يَحْضُرهُمْ , فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَث مِنْ نِقْمَته وَعُقُوبَته . ثُمَّ كَانَ خِتَام ذَلِكَ أَنْ بَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْعَرَب , فَهُمْ فِي عَذَاب مِنْهُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ; قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَة أُخْرَى { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبّك لِيَبْعَثَن عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفورٌ رحيم 167} الأعراف. 16684 - وعَنْ قَتَادَة , قَالَ {عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يَرْحَمكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } فَعَادُوا , فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَهُمْ يُعْطُونَ الْجِزْيَة عَنْ يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ.] (9).

وقد كان الوحي يتنزل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالآيات التي تعكس واقع الصراع والمعارك التي دارت بينه وبين اليهود في المدينة, وقد فضح الله نفاقهم وإفسادهم وحسدهم لهذه الأمة, وتوعدهم بالعقوبة في الدنيا والآخرة. ونجد في كتب التفسير والسيرة النبوية تفاصيل هذا الصراع منذ بدايته وحتى نهايته, وكيف سلط اللهُ عليهم هذا النبي – عليه الصلاة والسلام- وأصحابهُ , فجاسوا وداسوا قُرى بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة وخيبر, واستلبوها من بين أيديهم وأخرجوهم منها صاغرين, تحقيقاً للوعد المُبين في قضاء رب العالمين, قال تعالى: {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأسٍ شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا 5}.
ومن هو أشد بأساً من محمد وأصحابه الذين قال الله فيهم: {مُحَّمَدٌ رَسُولُ اللهِ والَّذينَ مَعَهُ أشدَّاءُ عَلى اٌلكُفَّار رُحَماءُ بَينهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتغُونَ فَضْلا من الله وَرضْواناً سيمَاهُمْ في وُجُوههم منْ أثَر السُّجُودِ ذَلك مَثلُهُمْ في التَوْراة وَمثَلُهُمْ في الإِنْجيل كَزَرْع أخْرج شَطْئهُ فَازَرَهُ فَاستغْلظَ فَاسْتَوَى على سُوقِهِ يُعْجبُ الزُّرَّاع لِيَغيظَ بِهِمُ اٌلكُفُّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصّالَحِاتِ منْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً 29} سورة الفتح.
قال شاعر الإسلام حسان بن ثابت – رضي الله عنه-:
"ومِنا الذي لاقَى بسيف محمدٍ فجَاسَ به الأعداء عُرْض العساكر".

وفيما يلي سوف أستعرض باختصار ملابسات بعض الغزوات التي شنها المسلمون على قبائل اليهود, لنتعرف من خلالها على بعض صور الإفساد التي كان يمارسها اليهود في المدينة.
أولاً: [غزوة بني قينقاع: وكان سبب الغزوة لمِا حدث لتلك المرأة المسلمة زوج أحد المسلمين الأنصار، التي كانت في السوق فقصدت أحد الصاغة اليهود لشراء حلي لها، وأثناء وجودها في محل ذلك الصائغ اليهودي، حاول بعض المستهترين من شباب اليهود رفع حجابها والحديث إليها، فامتنعت وأنهته. فقام صاحب المحل الصائغ اليهودي بربط طرف ثوبها وعقده إلى ظهرها، فلما وقفت ارتفع ثوبها وانكشف جسدها. فاخذ اليهود يضحكون منها ويتندرون عليها فصاحت تستنجد من يعينها عليهم. فتقدم رجل مسلم شهم رأى ما حدث لها، فهجم على اليهودي فقتله، ولما حاول منعهم عنها وإخراجها من بينهم تكاثر عليه اليهود وقتلوه.
غضب النبي (صلى الله عليه وسلم) لما وقع من يهود بني قينقاع, والذي يدل على الخيانة والغدر ونقض العهد, وخرج ومعه المسلمون لمعاقبتهم فحاصروهم 15 خمسة عشر ليلة حتى اضطروهم إلى الاستسلام والنزول على حكم رسول الله (صلى الله عليه وسلم), الذي قضى بإخراجهم من ديارهم جزاء غدرهم وخيانتهم وكان ذلك في منتصف شوال من السنة الثانية للهجرة.
ثانياً: غزوة بني النضير: حدثت في السنة الرابعة للهجرة في منازل بني النضير جنوب المدينة المنورة بين قوات المسلمين في المدينة ويهود بني النضير الذين بلغ عددهم 1500. أتت هذه الغزوة بعد محاولة يهود بني النضير اغتيال الرسول محمد –صلى الله عليه وسلم- إذ جاءهم طالباً مساعدتهم في دية قتيلين.
عاد (عليه الصلاة والسلام) إلى المدينة وأرسل إليهم طالباً منهم الخروج من المدينة، فتحصنوا وحاصرهم عدة ليالي وبعد الحصار طلبوا إجلائهم عن المدينة فوافق الرسول –صلى الله عليه وسلم-   شرط أن يأخذوا فقط ما تحمله الإبل من دون السلاح.
ثالثاُ: غزوة بني قريظة: هي غزوة شنها الرسول (صلى الله عليه وسلم) في السنة الخامسة للهجرة على يهود من بني قريظة في المدينة المنورة, انتهت باستسلام بني قريظة بشرط التحكيم فحكم عليهم سعد بن معاذ (بموافقة الرسول الكريم) بقتل الرجال وسبي الذراري والنساء وتقسيم أموالهم وأراضيهم على المسلمين.
وسببها انه كان بين النبي (صلى الله عليه وسلم) وبني قريظه عهدا نقضوه في غزوة الخندق و وقفوا إلى جانب قريش وغطفان حلفاؤهم فأراد الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن يؤدبهم ويقتص منهم, ويتضح لنا جلياً السبب من خلال حديث عائشة -رضي الله عنها- الذي رواه البخاري: أن رسول الله لما رجع يوم الخندق و وضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل فقال: {قد وضعتَ السلاح! والله ما وضعناه -أي الملائكة-، قال: فإلى أين؟ قال: ها هنا، وأومأ إلى بني قريظة، فقد أتاهم الله مالا وولدا فلم يفوا الله حقه. قالت: فخرج إليهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)}.
ومصداقاً لقولهِ تعالى {فجاسوا خلال الديار} – أي جنود المؤمنين- نجدهُ في أحداث هذه الغزوة, والجوسُ هو كما فسرهُ العلماء يحمل معنيين, الأول هو الدوس والسير بين الدور والمساكن بالخيل والقتل, وهو فعل الجنود, والثاني هو المشي والتردد بين منازل ومعسكر القوم للتجسس عليهم, وكشف أحوالهم, وإحداث الفتنة بينهم, وهذا المعنى نجدهُ في ما فعلهُ نُعيْم, وهو رجُلاً من غطفان - يقال له نعيم بن مسعود - جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم). فقال قد أسلمت، فمُر بي بما شئت. فقال {إنما أنت رجل واحد. فخذل عنا ما استطعت. فإن الحرب خدعة}.
فذهب إلى بني قريظة - وكان عشيرا لهم - فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه. فقال إنكم قد حاربتم محمدا. وإن قريشا إن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا انشمروا, قالوا : فما العمل ؟ قال لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. فقالوا : قد أشرت بالرأي. ثم مضى إلى قريش فقال هل تعلمون ودي لكم ونصحي ؟ قالوا : نعم. قال إن اليهود قد ندموا على ما كان منهم وإنهم قد أرسلوا إلى محمد أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يمالئونه عليكم فإن سألوكم فلا تعطوهم. ثم ذهب إلى غطفان. فقال لهم مثل ذلك.
فلما كانت ليلة السبت من شوال بعثوا إلى يهود إنا لسنا معكم بأرض مقام وقد هلك الكراع والخف. فاغدوا بنا إلى محمد حتى نناجزه فأرسلوا إليهم إن اليوم يوم السبت وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه. ومع هذا فلا نقاتل معكم حتى تبعثوا لنا رهائن.
فلما جاءهم رسلهم قالوا: قد صدقكم والله نعيم. فبعثوا إليهم إنا والله لا نبعث إليكم أحدا. فقالت قريظة قد صدقكم والله نعيم. فتخاذل الفريقان.] (10).

وقد كانت آخر غزوة شنها النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه على قُرى ومنازل المفسدين من اليهود هي غزوة خيبر, وذلك في السنة السابعة للهجرة, وقد أُجليَ بعد هذه الغزوات المتتالية مُعظم قبائل اليهود عن أراضي المدينة, وانتهت جميع مظاهر القوة والسيادة والاستقلالية التي تمتعوا بها على مدار العقود التي سبقت الهجرة النبوية الشريفة, وكان ذلك إنفاذاً لأمر الله تعالى وقضاءه الذي قضاه على بني إسرائيل في الأزل, جزاءً على إفسادهم وإيذاءهم للرُسل.
قال تعالى: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار 2 وَلَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ 3 ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ 4} سورة الحشر.

من لطائف التفسير:
* لقد عاقب الله بني إسرائيل على إفسادهم الأول في عهد التوراة على أيدي عبادٍ جبارين من الكفرة والمشركين أمثال جالوت وجنوده , حيثُ كان بني إسرائيل حينها هم الأمة المُستَخْلفة من الله في الأرض.
بينما جاء عقاب الله ليهود بني إسرائيل جزاءً على إفسادهم الأول في عهد القرآن الكريم على أيدي عبادٍ صالحين مؤمنين, هم محمد (عليه الصلاة والسلام) وأصحابهُ المُسْتَخْلَفين بحق من رب العالمين.

وآخرُ دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى اللهُ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبهِ وسلم.  

نُشر لأول مرة في مدونة المسبار السحري بتاريخ 24-10-2008
فكرة وإعداد : وليد أحمد القراعين    

الجزء الأول على هذا الرابط :

قضاء الله على بني إسرائيل بأقوال الأئمة والدليل ج1


  الهوامش والمراجع: 
(7) كتاب قصص الأنبياء, تأليف عبد الوهاب النجار, قصة يحيى عليه السلام.
(8) من كتـــاب (زوال إسـرائيل عام 2022م، نبوءة أم صُدَف رقميـة), الفصل الأول, (الجوس).
(9) كتاب جامع البيان في تأويل القرآن المشهور ڊ (تفسير الطبري).
(10) المصدر موقع ويكيبيديا.