‏إظهار الرسائل ذات التسميات المرأة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المرأة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 12 مارس 2013

كلام النسوان وآفات اللسان


بسم الله الرحمَن الرحيم

الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على رسولهِ الأمين محمد وآلهِ وصحبه أجمعين.
أما بعد ؛ هذا هو الجزء الخامس من سلسلة بحوث النساء التي بدأتها في إدراج (النساء في ظلال الرقم ستة), وسيدور الحديث في هذا الجزء عن ظاهرة كلام النسوان وما يتخلله من آفات وزلات للسان.

المقدمة:
 إن المرأة كما أشرت في الأجزاء السابقة من البحث إنسانٌ مخلوق من إنسان, حيث خلق الله حواء من ضلع آدم –عليه السلام-, وإن جرعتها الزائدة من الإنسانية تزيد من نزوعها إلى طلب الأُنس والاستئناس, والذي يُعتبر اللسان الأداة الأكثر فاعلية لتحقيقه, لذلك فإننا نجدُ أن ألسنة النساء أكثر مرونة وسرعةً في الكلام من ألسنة الرجال, لأن طبيعتهنَ الإنسانية أملت عليهن الإكثار من استخدامها.

ورغم أن المرأة تشترك مع الرجل في نعمة النُطق والكلام ، وتواجه معه نفس المتطلبات الدافعة للتعبير عما يجولُ في الخاطر من أفكار وأحاسيس ، إلا أن المرأة أكثر انسيابية وأقل تحفُظ من الرجل في البوح بما يجول في خاطرها وكشف مشاعرها, كما تمتاز الإناث عن الذكور بأنّ السلوك العام لهنَ في الحياة يجعلهنَ أكثر حاجةً من الذكور لاستعمال اللسان والإكثار من الكلام, حيث يُمضي الذكور غالباً مُعظم أوقاتهم خارج المنزل, فمنذ الصِغر يندفع الصبية للعب في الخارج, ويعتمد لعبهم على الحركة والنواحي البدنية أكثر من الكلامية, بينما تمكث الفتيات غالباً داخل البيوت وفي غرفهنَ تحديداً, وبالتالي فإن تبادل الأحاديث تكون السمة الغالبة في لعبهن.

وعندما يكبر الصبي ويصبح رجلاً فإنه يستمر في قضاء وقت طويل خارج المنزل ولكن هذه المرة طلباً للرزق وليس للعب, وأثناء العمل يحتاج الرجل لاستخدام عقله ومهاراته الفنية أكثر من لسانه, بينما تُمضي المرأة غالباً مُعظم وقتها بين جدران بيتها أو المكتب الذي تعمل به, وتكون حركتها وعملها وسكنها غالباً ضمن مجموعة, وإن إمضاء النساء لأوقات طويلة ماكثات في البيوت أو المكاتب يُملي عليهنَ اللجوء إلى الإكثار من الكلام وتبادل الأحاديث مع بعضهن البعض, وذلك للتسلية والتسرية عن أنفسهن, ودفع شبح الوحدة والقلق والملل عنها.
وقد أشارت العديد من الأبحاث والدراسات إلى أن النساء يتكلمن أكثر من الرجال بنسبة تصل إلى ثلاثة أضعاف, وهناك أسباب نفسية وعقلية وبدنية وراء هذه النسبة الكلامية المرتفعة.

ولقد أثبتت الاختبارات الحديثة التي أُجريت على مجموعة كبيرة من طلبة وطالبات المدارس الثانوية في انجلترا , تفوق البنات على البنيين في النواحي اللفظية واللغوية من حيث قدرتهُنَ على تعلم اللغة واستخداماتها الواسعة , فمنذُ مراحل الطفولة الأولى وحتى سن البلوغ تجد البنت تتكلم غالباً قبل الولد , وأنها تفوقهُ في عدد الكلمات التي تستخدمها أو التي تفهمها , ففي سن السنة والنصف تكون النسبة المئوية للكلمات المفهومة لدى البنت 38% , في حين أنها لا تزيد عن 14% عند الولد , وكذلك الحروف ووضوح مقاطع الكلام , وهُنا أثبتت التجارب أن البنت أقل عُرضة للتأتأة وعيوب النطق من الولد , كذلك تبين أن البنت في جميع مراحل الدراسة هي أسرع في القراءة وفي تمارين تكملة الجمل الناقصة أو الكلمات المتقاطعة أو القصص الناقصة , كما أنها أغزر مادة لفظية في كتابة مواضيع الإنشاء أو المقالات أو في التعبير عن الذات. وقد ساهمت المهارات النُطقية للمرأة في نجاحها في ميدان الإذاعة والغناء والإلقاء.

إلا أن هذا النهم النطقي الفطري الذي منحهُ الله للمرأة من شأنهُ أن يتسبب لها في الوقوع بمحظور الكلام, لذلك رأيت أن أذكر جانباً من هذه المحظورات الكلامية والآفات اللسانية التي قد تقع فيها النسوان, لما في الوقوع فيها من خطر الاحتراق بلهيب النيران كما جاء في حديث النبي العدنان -عليه الصلاة والسلام- في قوله لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه- ينصحهُ: {ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ كُفَ عليك هذا وأشار إلى لسانه, قال: يا نبي الله, وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به !؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يُكَبُ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم} حديث صحيح.

آفات اللسان
 روى البخاري رحمهُ الله , عن أبي سعيد الخدري , رضي الله عنه , أنهُ قال : ‏‏خرج رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏في أضحى أو فطر إلى المصلى فمرَ على النساء فقال : {يا معشر النساء ‏ ‏تصدقن فإني ‏ ‏أريتكن ‏ ‏أكثر أهل النار , فقلن : وبم يا رسول الله , قال : تكثرن ‏ ‏اللعن ‏ ‏وتكفرن ‏ ‏العشير..}.

اللعن
قال:{تُكثرن اللعن}, أي أن المرأة غالباً ما تُنفس عن كبتها وغضبها بالسُباب واللِعن, فهي لا تملك أن تُقاتل وتضرب كما الرجال, فتكون ردة فعلها محصورة عادةً بما يجري على لسانها من اللعن والشتم.
كما أننا نجد أن المرأة تُكثر في ساعة الغضب من لعن عيشها وزوجها وحتى نفسها, ومن النماذج التي نسمعها في واقعنا المُعاصر قول كثير من النساء –باللهجة العامية- في ساعة التذمر من العيش: (يلعن أبو هالعيشة), وفي ساعة الشجار مع زوجها: (يلعن أبو اليوم اللي شُفتك وعرفتك فيه, ويلعن أبو الساعة اللي وافقت فيها على الزواج منك), أو تقول لولدها: (يلعنك ويلعن أبوك واللي جابوك), فتلعن بذلك نفسها.
عن عبد الله بن مسعود, رضي الله عنهُ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ليس المؤمن بالطعان, ولا اللعان, ولا الفاحش, والبذيء} رواه الترمذي. 
واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله, والخالق سبحانهُ وتعالى هو حدهُ من يملك طرد عبادهُ من رحمته, ولا ينبغي ذلك لإنسان مخلوق في حق ِأي مخلوقٍ مثلهُ حتى لو كانت دابة أو صخرة, وإلا فإن اللعنة تحوق بصاحبها, ويُستثنى من ذلك لعن من لعنهم الله ورسوله عامتهم وخاصتهم ومن كان على شاكلتهم, كالفاسقين والظالمين والكافرين ولكن دون ذكرِ واحدٍ منهم على وجه التعيين فإنهُ لا يعلم سوء الخواتيم سِوى رب العالمين, وأما لعن إبليس وفرعون وآلهم, وقارون والنمرود وأبي جهل وأبي لهب ومن ثبتت سوء سيرتهم وخاتمتهم فهذا جائز.

ومن اللعن الذي تُكثر منهُ المرأة أيضاً هو كثرة ذكرها للدنيا وأمورها ومتاعها, والدنيا كما قال عنها خير المرسلين -عليه وآلهِ أفضل الصلاة والتسليم-: {إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله ، وما والاه ، وعالم أو متعلم} رواه أبو هريرة, وإسنادهُ حسن. الدنيا ملعونة: أي قصيرة الأمد وزائلة ينشغل فيها الناس ويُفتتنوا عن آخرتهم الدائمة.
وقد قال الإمام الشافعي -رحمهُ الله- في العلم خاصةً ما هو بمعنى هذا الحديث الشريف عن الدنيا:
كل العلوم سوى القرآن مشغلةٌ .. إلا الحديث وعلم الفقه في الدين
العلم ما كان فيه قال حدَثَنا .. وما سوى ذلك وسواس الشياطين ِ

وتُعتبر صفة النسيان التي تضرب على قلوب الكثير من النسوان إحدى أهم أسباب انغماس النساء في ذكر الدنيا قولاً وعملاً, وقد ذكرتُ في الأجزاء السابقة كيف أن النسيان هو طبع مُتأصل عند النسوان, ويكفينا أن نعلم أن كلمتي (النساء) و (النسيان) أختان في اللغة أبوهما هو الجذر (نسا), وكذلك فإن اهتمام المرأة الزائد بجمالها وأناقتها والزينة عموماً تفتح عليها باباً للإكثار من ذكر الدنيا وبهرجها, ولتتغلب النساء على آفة الإكثار من ذكر الدنيا والانشغال بمتاعها الزائل, عليهن أن يُكثرن من ذكر الموت والآخرة ونعيمها الدائم, عن أنس رضي الله عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلس وهم يضحكون فقال : { أكثروا من ذكر هاذم اللذات . أحسبه قال: فإنه ما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه، ولا في سعة إلا ضيقه عليه} إسنادهُ حسن. هاذم اللذات: يعني الموت, وذلك لأنهُ يكبح جِماح شهوات النفس ويمنعها من التلذذ بالدنيا, ضَيَقهُ عليه: أي كُفي بذكر الموت فتنة ما هو فيه من سعة ورغد العيش.

ولا بأس في أن نذكر أمور الدنيا ما لم يكن ذلك سبباً في الغفلة عن ذكر الآخرة, وعلى أن لا يُصاحب ذكرها فحشُ القول وما تقع بهِ الفتن والمفاسد, وذكرُ الدنيا بما فيه مصلحة للناس وتسريةً للنفوس وترويح عن القلوب هو مما لا غنى عنهُ للنساء والرجال على حدٍ سواء.
{تكفُرنَ العشير}, وأما عن كفران النساء العشير فإننا نجد معناهُ فيما رواهُ البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :{اطلعتُ في النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفُرن العشير, لو أحسنتَ إلى إحداهُن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت : ما رأيتُ منك خيراً قط}. 
وفي هذا الحديث تأكيد على أن النسوان سريعات النسيان, وذلك أن الرجل إذا دوام على الإحسان إليهِنَ شهور وأيام ثم صَدرَ منهُ خطأ أو إساءة بحقِهنَ بقصد أو بغير قصد, نجدهُن يُنكرن ويتناسيْن كل الذكريات الحسنة مقابل هذه الإساءة الوحيدة, وهذا من إجحاف المرأة بحق زوجها وكفرانها بحسن عشرتهُ لها.
ونجدُ أن كفران المرأة بعشرة زوجها يزداد ويبلُغ أوجهُ في حالة تزوج عليها أو هَمَ بأن يفعل, وفي هذه الحالة وخاصةً عند نساء هذا الزمان فإن المرأة تتحول إلى بركانٍ ثائر يقذف الرجل بشتى ألوان اللعن والكفران.

وسأنتقل الآن بعد ذكر هذا اللون من آفات اللسان التي تقع فيها النسوان, إلى بيان نوعٍ آخر مشهور من آفات اللسان والذي هو في مجالس النسوان بمنزلة الملح من الطعام.

الغيبة والنميمة
فاكهة المجالس المُرة, وبصل وثوم كل فم ولسان يتكلمُ بهما بغية الإساءة لبني الإنسان, روى معدان بن أبي طلحة عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهُ- أنهُ قال : {إنكم أيها الناس ، تأكلون من شجرتين ، ما أراهما إلا خبيثتين : هذا البصل والثوم . ولقد رأيت نبي الله ، إذا وجد ريحهما من الرجل ، أمر به ، فأخرج إلى البقيع . فمن أكلهما ، فليمتهما طبخا} صحيح النسائي.
وروى الإمام أحمد في (مُسنده), عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهُ- قال: كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فارتفعت ريح جيفة مُنتنة, فقال رسول الله: {أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون الناس}.
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيُحبُ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموهُ واتقوا الله إن الله تواب رحيم 12} سورة الحجرات.
وعن عبيد الله مولى رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله، وأن رجلا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله ! إن هاهنا امرأتين صامتا، وأنهما قد كادتا تموتان من العطش، قال : فأعرض عنه أو سكت ، ثم عاد ، قال : أراه قال : بالهاجرة ، فقال : يا نبي الله ! إنهما والله قد ماتتا أو كادتا تموتان ، فقال : {ادعهما فجاءتا ، قال : فجيء بقدح ، أو عس فقال لإحداهما : قيئي ، فقاءت من قيح ودم وصديد ، حتى قاءت نصف القدح ، ثم قال للأخرى : قيئي فقاءت قيحا ودما وصديدا ولحما عبيطا ، وغيره حتى ملأت القدح ، ثم قال : إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما ، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما ، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس} رواه البيهقي.
ذكر النووي في كتابه (الأذكار) تبعاً للغزالي: [الغيبة ذكر المرء بما يكرههُ سواء كان ذلك في بدن لشخص, أو دينهُ, أو دنياه, أو نفسه, أو خَلقه, أو خُلقه, أو مالهُ, أو ولدهُ, أو زوجهُ, أو خادمه, أو ثوبه,
أو حركته, أو طلاقته, أو عبوسته, أو غير ذلك مما يتعلق به, سواء ذكرته باللفظ أو بالإشارة والرمز].

وأما النميمة فهي: [نقل القول إلى المقول فيه ولا اختصاص لها بذلك, بل ضابطها كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه, أو المنقول إليه, أو غيرهما, وسواء كان المنقول قولاً, أو فعلاً, وسواء كان عيباً, أم لا, حتى لو رأى شخصاً يخفي مالهُ فأفشى كان نميم] من كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري.
قال تعالى: {ولا تُطع كلَ حَلافٍ مهين 10همازٍ مشاءٍ بنميم 11} سورة القلم. مشاءٍ بنميم: يسعى إلى الإفساد بين الناس.
وقال حُذيفة: سمعتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: {لا يدخل الجنة نمام} رواه مسلم.

وقد جاء في سورة يوسف -عليه السلام- وقصتهِ مثالاً معبراً عن الغيبة عند النساء , يوضح أن هذه الآفة اللسانية متفشية في الطبقات النسوية الفقيرة والغنية على حدٍ سواء.
قال تعالى : {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ 30} .
(يُخْبِر تَعَالَى أَنَّ خَبَر يُوسُف وَامْرَأَة الْعَزِيز شَاعَ فِي الْمَدِينَة وَهِيَ مِصْر حَتَّى تَحَدَّثَ بِهِ النَّاس وخاصةً النساء {وَقَالَ نِسْوَة فِي الْمَدِينَة}, مِثْل نِسَاء الْكُبَرَاء وَالْأُمَرَاء وجواريهن تتحدثن وتُنْكِرْنَ عَلَى اِمْرَأَة الْعَزِيز وَهُوَ الْوَزِير وَيَعِبْنَ عليها ذلك الفعل.
ولو أن نساء مصر قصدن من حيث المبدأ من قولهن ذلك أن يُنكرن وقوع مثل هذا الفعل المشين من امرأة الوزير لكان قولهنَ مقبولاً, ولكنهنَ إنما تداولن النبأ شماتةً بسيدة مصر الثانية, وسعياً للتشهير بها وفضحها والحط من مكانتها الرفيعة بين سائر نساء مصر, وهذا السياق من الحديث الذي تكلمت به نسوة مصر بحق امرأة العزيز في غيبتها هو عين (الغيبة), كما جاء في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: {أتدرون ما الغيبة؟} قالوا: الله ورسولهُ أعلم. قال:{ذكرك أخاك بما يكره}, قالوا: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: {إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهتهُ} رواه مسلم.
ولذلك سعت امرأة العزيز للانتقام من نسوة مصر بنفس السلاح الذي جُرحوها به, وقد كان لها ما أرادت وانتصرت من بعد ظُلم, حيث ثبت لنسوة مصر كيف أن امرأة العزيز غير ملومة بما اقترفت, بل إنهم وجدوا أن ما فعلتهُ امرأة العزيز هو أقل مما كانت سوف تفعلهُ أي واحدة منهن تحظى بعبدٍ بجمال وكمال يوسف -عليه السلام-.
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {لما عُرجَ بي مررت بقومٍ لهم أظفار من نُحاس, يخمشون وجوههم وصدورهم, فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم} رواه أبي داود في (سننه).
وقد خمشت السكاكين أيدي نسوة مصر وقطعت جلودها بإثم غيبتهُنَ غير المحمودة لامرأة العزيز وفتاها, وهذا من تعجيل عقوبة أهل الغيبة وخزيهم في الدنيا قبل الآخرة.
قال تعالى: { فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } [يوسف, 31].

لطيفة:{ قومٍ لهم أظفار من نُحاس }
[من ظاهر هذا الحديث نعلم أن هؤلاء القوم هم عامة المُغتابين, ولكن من صفة هؤلاء القوم أصحاب الأظفار النحاسية, فإننا نستشف أن غالبية هؤلاء القوم هم من النساء, حيثُ أن عادة إطالة الأظفار وطليها وصقلها بمختلف الألوان والمواد هي من أفعال النساء, لذا فهُن أكثر تهيأً لخمش وجوههن وصدورهن من الرجال].

[ومن المفارقات الغريبة هي أن هذا المشهد القرآني الذي نقل لنا صورة نسوة مصر وهُنَ يتناقلن ويتبادلن الكلام الجارح والاستفزازي في حق امرأة العزيز في ذلك الزمان, يتشابه مع المشهد التمثيلي الذي تنقلهُ لنا السينما والتلفزيون المصري في هذا الزمان عن نساء مصر في المسلسلات والأفلام, حيثُ لا يكاد يخلو فيلم أو مسرحية أو تمثيلية من مشهد نسوة يتناقلن الكلام والشائعات بطريقةٍ استفزازية, فتقول بعض النساء للأخرى (يختي اسكوتي,, إنتي ما عرفتيش إن فلانة عملت كده وكده, .. ) فترد عليها الأخرى: (دا صحيح يا يختي اللي آل "اللي اختشوا ماتوا")].

ومن الناحية الرقمية فإن رقم الآية الكريمة التي ذكر الله فيها تناقُل خبر عشق امرأة العزيز ليوسف -عليه السلام- على لسان نسوة مصر هو ثلاثين (30), والعدد (30) هو من مضاعفات الرقم (ستة) الذي هو بمثابة رقم النساء الخاص, وقد بينت أسرار هذه العلاقة المميزة بين الرقم ستة والنساء في الأجزاء السابقة من هذه السلسلة من بحوث النساء, وفيما يلي ملخص قصير  للطيفة الرقم ستة لمن يريد البقاء معنا في هذا المقال على الأثير: (أن الرقم (ستة) يحتوي في أول حرفين منه على كلمة (ست) , وهي لفظ عامي لامرأة وجمعها (ستات) , والتاء المربوطة الباقية من كلمة (ستة) تستخدم للتأنيث أيضاً).
وإذا كان العدد ثلاثين (30) الذي هو رقم الآية الكريمة يمثل تكرار الرقم (ستة) خمسة مرات على النحو التالي: (6+6+6+6+6 = 30), فإن خبر حب امرأة العزيز لفتاها العزيز يوسف قد انتشر في مصر من على لسان (ست) إلى (ست) إلى (ستٍ) أخرى, وهكذا حتى شاع بين نساء المدينة المصرية وأهلها. 

السُخرية والاستهزاء
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكن خيراً منهُن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب, بِئْس الاسم الفسوقُ بعد الإيمان. ومن لم يتُب فأولئك هم الظالمون 11} سورة الحُجرات.
اللمز: عيب الناس وطعنهم بالقول, التنابُز: دعوة الناس بالألقاب التي يسوؤهم سماعها.
وثبت في الصحيح عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنهُ قال: {الكِبر بطر الحق, وغمط الناس}, أي احتقارهم واستصغارهم.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت, قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا, تعني قصيرة، فقال: {لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته}. قالت : وحكيت له إنسانا فقال : {ما أحب أن حكيت لي إنسانا وأن لي كذا وكذا} أخرجهُ الترمذي وأبو داود.
وعن أبي هريرة قال, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {المسلم أخوه المسلم ، لا يخونه ، و لا يكذبه ، و لا يخذله ، كل المسلم على المسلم حرام ، عرضه ، وماله ، ودمه ، التقوى ها هنا وأشار إلى القلب, بحسب امريءٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم} رواه الترمذي.
وقال عليه الصلاة والسلام: {ما من مسلم يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته} رواه أبو داود.

سب الحُمى
وكما نُهيَ عن سب المسلم وتحقيره فقد نُهي كذلك عن سب الحُمى لما لها من بركة في تكفير خطايا بني آدم, عن جابر بن عبد الله أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دخل على أم السائب أو (أم المسيب) فقال: {ما لك يا أم السائب (أو المسيب) تزفزفين}, قالت: الحُمى لا بارك الله فيها. فقال: {لا تسبي الحُمى فإنها تُذهب خطايا بني آدم كما يُذهب الكير خَبث الحديد} أخرجهُ مسلم. تزفزف: تتحرك حركة شديدة وترتعد.

الغناء
قال تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليُضِلَ عن سبيل الله بغير علمٍ ويتخذها هُزُواً. أولئك لهم عذابٌ مُهين 6} سورة لقمان.
وعن أبي أُمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن ، وأكل أثمانهن حرام ، وفيهن أنزل الله عز وجل علي (ومن الناس من يشتري لهو الحديث)} أخرجهُ ابن أبي حاتم, ورواه الترمذي وابن جرير.
وروى أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله تعالى – بعثني رحمة للعالمين ، وهدى للعالمين ، وأمرني ربي – عز وجل – بمحق المعازف ، والمزامير ، والأوثان ، والصلب ، وأمر الجاهلية ، وحلف ربي – عز وجل - : بعزتي ؛ لا يشرب عبد من عبيدي جرعة من خمر ؛ إلا سقيته من الصديد مثلها ، ولا يتركها من مخافتي ؛ إلا سقيته من حياض القدس} مشكاة المصابيح.  
وقال الخليفة يزيد بن الوليد : (يا بني أمية إياكم والغناء ، فإنه يُنقص الحياء ويزيد في الشهوة ويهدم المروءة ، وإنه لينوب عن الخمر ، ويفعل ما يفعل السُكر ، فإن كنتم لا بُدّ فاعلين فجنبوه النساء ؛ إن الغناء داعية الزنا). رواه البيهقي في شعب الإيمان .
والظاهر من هذه الأحاديث والأقوال المأثورة عن السلف الصالح -رضوان الله عليهم- نبذ الغناء والتحذير من خطره, وبشكلٍ خاص ذلك النوع من الغناء المصحوب باتخاذ مجالس اللهو والمعازف التي يَعزفُ روادها عن ذكر الله والآخرة, ويستغرقون في الطرب على أنغام الموسيقى, وتتأجج شهواتهم بمشاهدة الراقصات الكاسيات العاريات, ويعاقرون فيها الخمر ويلعبون ويهمون بالزنا, وهذا من أشنع صور الضلالة والصد عن سبيل الله, وذلك لما تتسبب به هذه المجالس وأصحابها أيضاً من غواية للمؤمنين وأبناءهم وبناتهم, وما تدعوهم إليه وتحملهم عليه من إتيان الفواحش والآثام, قال تعالى :{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ 19} سورة النور .
ويتعاظم النهي عن المعازف والغناء في حال مارستهُ النساء حرائر كُنّ أو جاريات, لما يكون فيه من اِلْتِفات إليهن, واطلاعهم على عوراتهن ومفاتنهن, وطمع وتربص شِرار الرجال بِهنَ.

وإن مغنيات هذا الزمان - كثيرٌ منهُن- هُن أشباه وأخوات الجواري والإماء المغنيات في سالف الزمان, وينزلن في حُكمهَن من التحريم, فُهن إنما يُتاجَر بصوتِهن وصورتهن ويُمتهَنَ من أجل اللهو المال في سوق الغناء والرقص, إضافةً إلى ما يتسببن بهِ من شيوع المفاسد ونشر الفتن وتوسيع رُقعة الضلالة.
وتتسع حلقة التحريم لتشمل جميع عناصر هذه التجارة من مغنيات, وعازفين, ومنتجين, ومصورين وغيرهم, ومن يشتري الأغاني ويبيعها, ومن يملأ عينيه وقلبه بالنظر والاستماع إليهن.

ويُستثنى من ذلك غناء النساء في حضرة النساء أو محارمهَن من الرجال ومن تؤمن فتنته, وكذلك الغناء المُنضبط الذي يّراد به الخير والتقرب إلى الله, بما يدعو إليه من فضائل الأعمال والأخلاق, ويبث في الإنسان روح الشجاعة والحماسة, ويُظهر مآثر وصفات الأنبياء والصالحين, ونحو ذلك هو من التسرية المُفيدة والمُباحة, والتي يُؤجر صاحبها عليها في الدنيا والآخرة.

الحلف بغير الله واليمين الكاذبة
عن بريدة - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): {من حَلَف بالأمانة فليس منا} رواه أبو داود.
وعن ابن عمر أنهُ أدرك عمر بن الخطاب في ركب وهو يحلف بأبيه, فناداهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم): {ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله وإلا فليصمت} رواه الشيخان.
وعلاج الحلف بغير الله يكون بالاسترجاع والتوحيد, فعن أبي هريرة رضي الله عنهُ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): {من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى, فليقل: لا إله إلا الله. ومن قال لصاحبه تعال أُقامرك فليتصدق} رواه الشيخان.

وأما اليمين الكاذبة التي يقصد بها تضيع الحقوق، أو يقصد بها الإفساد والخيانة، فإنها تغمس صاحبها في نار جهنم، وهي من أكبر الكبائر، قال تعالي:{ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله، ولكم عذاب عظيم} [النحل: 94]. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال : { الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس} رواه البخاري.

 عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: إن أول لِعان كان في الإسلام ، أن هلال بن أمية قذف شريك بن السحماء بامرأته ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبره بذلك ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : {أربعة شهداء ، وإلا فحد في ظهرك . يردد ذلك مرارا، فقال له هلال : والله يا رسول الله ، إن الله عز وجل ليعلم أني صادق ، ولينزلن الله عز وجل عليك ما يبريء ظهري من الجلد ، فبينما هم كذلك إذ نزلت عليه آية اللعان { والذين يرمون أزواجهم } إلى آخر الآية ، فدعا هلالا فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ، والخامسة ، أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين . ثم دعيت المرأة ، فشهدت أربع شهادات بالله ، إنه لمن الكاذبين . فلما أن كان في الرابعة – أو الخامسة – قال رسول الله : { وقفوها فإنها موجبة } فتلكأت حتى ما شككنا أنها ستعترف ، ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم ، فمضت على اليمين فقال رسول الله : أنظروها فإن جاءت به أبيض سبطا مضيء العينين ، فهو لهلال بن أمية ، وإن جاءت به آدم جعدا ربعا حمش الساقين ، فهو لشريك بن السحماء . فجاءت به آدم جعدا ربعا حمش الساقين ، فقال رسول الله : لولا ما سبق فيها من كتاب الله ، لكان لي ولها شأن} صحيح النسائي.

 الكلام بما يكون بين الزوجان 
 إن من الكلام الفاحش والفاضح الذي يجب الانتهاء عنهُ, هو تكلُم أحد الزوجين بما يكون بينهما وهما في خلوتهما من مُلاعبة وجِماع, فعن أبي هريرة , رضي الله عنه , أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صلى , فلما سَلم , أقبل عليهم بوجههِ فقال : {مجالسكم . هل منكم الرجل إذا أتى أهله أغلق بابه وأرخى ستره , ثم يخرج فيحَدث فيقول : فعلتُ بأهلي كذا وفعلتُ بأهلي كذا ؟! .. فسكتوا , فأقبل على النساء , فقال : هل منكُن من تُحدث ؟ ... فجثت فتاة كعاب على إحدى ركبتيها , وتطاولت ليراها الرسول صلى الله عليه وسلم وليسمع كلامها , فقالت : أي والله . إنهم يتحدثون وإنهُن ليتحدثن. فقال: ما مثل من فعل ذلك ؟ .. إن مثل من فعل ذلك مثل شيطان وشيطانة . لقي أحدهُما صاحبه بالسكة , فقضى حاجتهُ منها والناسُ ينظرون إليه} . رواهُ أحمد , وأبو داوود .
وعلى غِرار هذه الجُرأة التي اعترفت فيها الفتاة بالحق للنبي –عليه الصلاة والسلام-, فإن النساء على الأغلب أكثر جُرأة واستسهالاً للحديث فيما بينهُن بما يفعلون مع أزوجاهنَ.
ورغم أن الخجل كان هو سبب صمت الرجال وامتناعهم عن الإجابة, إلا أن الرجال على الأغلب أقل جُرأة وأكثر تحفظاً عن الحديث بينهم بما يفعلون بزوجاتهم.

الصياح والنواح
 لقد أنذرَ الرسول -عليه الصلاة والسلام- المرأة النائحة التي ترفع صوتها وتنفجرُ بالبكاء والصراخ على الميت من مغبةِ نِواحها , عن أبي مالك الأشعري , رضي اللهُ عنه , قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : {النائحة إذا لم تَتُبْ قبل موتها فإنها تُقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جَرب} رواهُ مسلم.

ورغم هذا الإنذار والتحذير النبوي الشفوي شديد اللهجة, إلا أن استجابة النساء لهُ كانت ضعيفة, ولعل السبب في ذلك يعود إلى جموح عواطفهن وخوفهن واضطرابهن الشديد عند المصائب, فعن أم عطية رضي الله عنها قالت: {أخذ علينا النبي (صلى الله عليه وسلم) عند البيعة أن لا ننوح فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة: أم سليم, وأم العلاء, وابنة أبي سبرة امرأة معاذ, وامرأتين, أو (ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ وامرأة أخرى)} رواه البخاري. 

 وكذلك فقد نهى عليه الصلاة والسلام المرأة عن الصياح مهما كانت المصيبة والابتلاء , عن أبي بردة قال‏ :‏ {وجِع أبو موسى، فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فأقبلت تصيح برنة فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق ،قال ‏:‏ أنا بريء ممن برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة ، والحالقة ، والشاقة‏} ‏متفق عليه‏.
الصالقة : هي التي ترفع صوتها بالصياح عند المصيبة, والحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة, والشاقة : هي التي تشق ثوبها عند المصيبة.

وتعتبر حواء عليها السلام أول امرأة تصيحُ اعتراضاً على أمرٍ قد قضاهُ اللهُ سبحانهُ وتعالى عليها , جاء في تفسير ابن كثير عن ابن جرير عن ابن عباس أنهُ قال : (لما أكلَ آدم من الشجرة قيل لهُ : لما أكلت من الشجرة التي نهيتُك عنها ؟ قال حواء أمَرتني, قال : فإني قد أعقبتُها أن لا تحمل إلا كُرهاً ولا تضع إلا كُرهاً, قال : فرنت عند ذلك حواء, فقيل لها : الرنة عليك وعلى ولدك).
رَنَتْ حواء : أي صَاحتْ اعتراضاً على أمر الله تعالى.

لين القول
وكما أن صياح المرأة أمراً منهياً عنه, فإن نعومة الكلام ولينه مع غير المحارم من الرجال هو مما نُهي عنه أيضاً, وخير الأمور أوسطها كما في قوله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تُخافت بها وابتغي بين ذلك سبيلاً} [الإسراء, 110].
وقد أنزل اللهُ عز وجل قرآناً في تعليم آداب الكلام لنساء النبي (صلى الله عليه وسلم) خاصة ولنساء المؤمنين عامة , لسد الذرائع ولجم الألسنة قبل أن تفتح باباً للفتنة ومُجاوزة حد اللياقة معهُنَ من قِبَل الرجال, قال تعالى : {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا معروفا 32} سورة الأحزاب .
أمر اللهُ نساء نبيه وهنَ أمهات نساء المؤمنين وقدوتهنَ بأن يكون قولهُنَ جزلاً وكلامهُنَ فصلاً , ولا يكون على وجه يُظهِر في القلب عَلاقة بما يَظهر عليه من اللين , فيطمع بذلك مرضى النفوس من متشوفين الغَزل والفِسق , وأمرهُنَ بأن يقُلنَ قولاً صواباً لا تنكرهُ الشريعة ولا النفوس من غير رفع صوت , فإن المرأة مأمورة بخفض الكلام .

ومن الناحية الرقمية, وحيث أن هذه الآية نزلت مُخاطبة للنساء, وتأكيداً للطيفة الرقم (ستة=رقم الستات), فإن رقميْ هذه الآية الكريمة (32) هما من العوامل الأولية للرقم ستة, وناتج ضربهما يساوي ستة أيضاً (2 × 3 = 6) . 

لطيفة: نجوى النساء
قال تعالى : {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا 114} سورة النساء.
وفي الحديث الذي رواه ابن مردويه عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): {كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ذكر الله عز وجل, أو أمر بمعروف, أو نهي عن منكر}.

وكلمة (نجواهم) في الآية الكريمة أعلاه والتي تعني (كلامهم) تعود على عامة الناس رجالهم ونساءهم, إلا أن لكلمة (نجوى) خصوصية عند النساء أكثر منها لدى الرجال, حيث أن كلمة (نجوى) -التي لا خير في كثيرٍ منها- هي علم مؤنث, وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن من أسماء مشاهير النساء صاحبات النجوى الغنائية المسموعة والمرئية: (نجوى فؤاد, ونجوى كرم).

ومن الناحية الرقمية وللتأكيد على خصوصية النجوى النسائية, فإن مجموع أرقام هذه الآية الكريمة التي وردت فيها كلمة (نجواهم) يساوي ستة (4 + 1+ 1 = 6), والرقم ستة هو عدد حروف كلمة (نجواهم) التي هي جمع (نجوى), وكذلك فإن الرقم ستة هو عدد حروف كلمة (النساء), والنساء هو اسم السورة التي وردت فيها هذه الآية, والرقم ستة هو كما مر معنا رقم النساء الخاص والمميز بحسب لطيفة الرقم ستة.

ومن النجوى الخفية والآفات العصرية التي تخرج من أفواه الرجال والنسوان والشيوخ والغلمان هي آفة (الدخان), والتي أصبحت بمثابة لغة يلهج بنفثها أهل هذا الزمان, ونسأل الله العزيز الرحمَن أن يشف أبناء أمة الإسلام من كافة الآفات والأسقام.

ختاماً أقول : إن للسان آفات وعلاجُ هذه الآفات يكون في استحضارِ مخافةَ الباري جل في عُلاه , وفي الإكثار من الذكر والاستغفار وتلاوة القرآن في العشي والإبكار . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : {من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه؟ فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك : [سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك] إلا غفر الله له ما كان في مجلسه ذلك} الترمذي (3/153). اللغط : علو الصوت والخلط في الكلام.

وأرجو أن لا تظن النساء أن هذا المقال هو للتنقيص من قدرهن وفضح عيوبهن الكلامية, إذ أن الآفات اللسانية التي قد يُصاب بها الرجال هي أكثر نوعيةً وأعظم خطورةً من تلك التي تُصاب بها النساء, ولكن هذا المقال كان عبارة عن استكمال لسلسلة مواضيع سابقة ومترابطة كتبتها في شأن النسوان.
وبما أنني أتحدث عن موضوع آفات اللسان وكثرة الكلام الذي قد يُوقع صاحبه في جحيم النيران, فسأكتفي بهذا القدر من الكلام في هذا الأمر الهام حتى لا أكون ممن يقولون ما لا يفعلون.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مواضيع ذات صلة على الروابط التالية:

كيد النسوان ليوسف عليه السلام



  * نُشر لأول مرة بتاريخ 12-12-2007
فكرة وإعداد : وليد الكراعين 



الاثنين، 11 مارس 2013

كيد النسوان ليوسف عليه السلام

بسم الله الرحمَن الرحيم

الحمدُ لله رب العالمين , والصلاةُ والسلامُ على أكرم المرسلين محمد وآله وصحبه المنتخبين.
أما بعد , هذا هو الجزء الرابع من بحث (النساء في ظلال الرقم 6والذي سيدور الحديثُ فيه عن مسألة كيد النسْوان . وقد قدم لنا القرآن الكريم نموذجاً كاملاً وشاملاً في سورة يوسف -عليه السلام- , نستبينُ منهُ بوضوح أبعاد هذا السلوك النسائي وحقيقته.
وأُسوةً بالأجزاء السابقة فإن هذا الجزء سيتضمن مُفارقات رقمية ومعنوية غريبة وجديدة مُستنبطة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وغيرها, مما أفاء اللهُ به على عبدهِ من علمٍ ومعرفة في هذا الحقل الخصب طيب الغراس من قصص الأنبياء -عليهم صلوات الله وسلامه-.

كانت جدتي مريم ابنة عيسى - رحِمهما الله- تقول ما معناه: (أن النسْوان وضعوا إبليس  داخل القنينة وأقفلوها عليه), وذلك كدلالة على أن كيد النسْوان غلبَ كيد الشيطان, وقد تجسدت هذه المقولة بصورة حرفية في قصة يوسف -عليه السلام- , إلا أن حبيس النساء في هذه القصة لم يكن شيطان وإنما كان نبي الله يوسف -عليه السلام- , وشتان ما بين الاثنان نور الله يوسف, ونار الله الشيطان.

حبيس النسْوان يوسف عليه السلام
- قال تعالى : {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ 23} سورة يوسف.
[يُخْبِر تَعَالَى عَنْ اِمْرَأَة الْعَزِيز الَّتِي كَانَ يُوسُف فِي بَيْتهَا بِمِصْرَ , وَقَدْ أَوْصَاهَا زَوْجهَا بِهِ وَبِإِكْرَامِهِ فَرَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسه, أَيْ حَاوَلَتْهُ عَلَى نَفْسه وَدَعَتْهُ إِلَيْهَا , وَذَلِكَ أَنَّهَا أَحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا لِجَمَالِهِ وَحُسْنه وَبِهَائِهِ فَحَمَلَهَا ذَلِكَ عَلَى أَنْ تَجَمَّلَتْ لَهُ وَغَلَّقَتْ عَلَيْهِ الْأَبْوَاب وَدَعَتْهُ إِلَى نَفْسهَا وَقَالَتْ هَيْت لَك هلمَ أنا لك , فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَشَدّ الِامْتِنَاع و قَالَ مَعَاذ اللَّه إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ, وَكَانُوا يُطْلِقُونَ الرَّبّ عَلَى السَّيِّد الْكَبِير, أَيْ إِنَّ بَعْلَك رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ, أَيْ مَنْزِلِي وَأَحْسَنَ إِلَيَّ فَلَا أُقَابِلهُ بِالْفَاحِشَةِ فِي أَهْله إِنَّهُ لَا يُفْلِح الظَّالِمُونَ ] (مختصر تفسير ابن كثير).

- قال تعالى : {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 25 .. فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ 28}.
لحِقت امرأة العزيز بيوسف إلى بابِ حجرتها ومسكتهُ من ظهر قميصه حتى قدتهُ عليه , وذلك مع مجيء زوجها ووقوفه أمام باب حجرتها ومشاهدته لحالتها مع يوسف -عليه السلام- , فأسرعت إلى اتهام يوسف -عليه السلام- بالخيانة , ولكن محبة عزيز مصر ليوسف وثقتهُ بأمانته دفعته إلى التفكير المُحايد بهذه الحادثة دون غضب وعصبية , فعلم من حالة امرأته التي كانت بكامل زينتها وبهجتها , ومن رأي الشاهد طفلاً وليداً كان أو رجلاً كبير, أن انشقاق قميص يوسف عليه السلام من ظهره يدل على أن امرأة العزيز هي التي كانت تلاحقهُ وهو يمتنع عنها , وذلك أن الذي يطلبُ أمراً ويتوجهُ إليه يستقبلهُ بوجهه , والذي يرفضٌ أمراً ويُعرضُ عنه يوليهُ دبرهُ (يُعطيهُ ظَهرَه) .

- قال تعالى : {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ 30}.
 شاع خبرُ حب امرأة العزيز لفتاها يوسف وطلبها إياه في أرجاء المدينة, وكان انتشارُ الخبر عن طريق جواري القصر وخُدامه, الذين وجدوا في هذا الخبر فرصة للشماتة بسيدتهم المتكبرة, وعابت سيدات مصر وكُبراءها على امرأة العزيز شدة حبها لرجلٍ من عبيد قصرها , إلى حد التفريط بشرف وكرامة السادة أمام أولئك العبيد, كما أثار خبر شغف امرأة العزيز بفتاها شغف نساء مصر, فأحببن رؤيتهُ عن كثب لاستطلاع السبب.

- قال تعالى : {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ 31}.
(ليس الخبرُ كالمعاينة) حكمةً نبوية أرادت امرأة العزيز تطبيقها بإحكام على النسوة اللواتي استهجنَ حبها وانزلاقها وراء رجل من العبيد , فأعدت العُدة للانتقام لكبريائها المجروح, ودعت النسوة لضيفاتها وقدمت لهُنَ أطباق الفاكهة التي تحتاج إلى التقشير والتقطيع بالسكين , ثم طلبت من يوسف -عليه السلام- الدخول عليهن في المجلس وهو في أبهى حُلة من الثياب والزينة, لتفاجئهن برؤيته وقد أتاهُ اللهُ كمال الحُسن, وهو في ذلك الحين شابٌ فتي مُفعم بالحيوية ونور النبوة يشعُ من طلعته البهية, فلما رأت نسوة مصر ما لا يتوقعن رؤيته من الحُسن والبهاء وهيبة الرجال, أُصبن بالذهول والانفعال, وغمسوا السكاكين بأيديهن عِوضاً عن الفاكهة والبرتقال. 
         واثق الخطوةِ يمشي مَلَكاً      ظالم الحُسنِ شجي الكبرياء
وفي نهاية المسرحية الساخرة, صارت لكل سيدةٍ من الحضور علامةً في يدها تُعيرهُا بها امرأة العزيز, وصارت جروح أيديهُنَ بلسماَ شافياً لجرح كرامتها وخدش سيادتها.

- قال تعالى: {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ 32}.
إن الدهشة والإعجاب الشديد الذي بدا على مُحيا نسوة مصر ساعة خرج عليهن يوسف –عليه السلام-, كانت بمثابة سلاح ذو حدان, فهي من ناحية أراحت قلب امرأة العزيز بعدما اتضح للجميع أنها مغلوبة على أمرها في حب فتاها, ومن الناحية الأُخرى, فإن ردة فعل نسوة مصر قد أكدت لصاحبة المكيدة –امرأة العزيز- أنها تملك في قصرها جوهرة نادرة وثمينة, الأمر الذي ولدَ في نفسها الإصرار, و دعاها إلى مواصلة المشوار في محاولة الاستئثار بيوسف –عليه السلام- لنفسها, وتعهدت بسَجنهِ وإذلاله لإجباره على مُبادلتها الحب, حتى وإن كان ذلك من باب طاعة العبد لسيدته.

- قال تعالى : {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ 33 فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ 34}.
التجربة اليوسفية: رجُل مؤمن دفعتهُ الظُروف قصراً إلى الحياة والعمل في مدينة من مدائن الكفر والإلحاد, ولم يكُن لهذا الرجل المؤمن في تلك البلاد عوناً له على دينه, من زوجة صالحة, أو إخوان في الدين, ومساجد لعبادة الله الواحد, بل إنه لم يكن يستطع حتى إظهار دينه والمجاهرة بمعتقده على الملأ, خشيةٍ مما قد يلحق به من جهل القوم وأذيتهم.
وفي نهاية المطاف وفي ضوء عدم قدرة هذا الرجل المؤمن مغادرة المدينة التي يسكنها إلى مدينة أخرى يأمن فيها على نفسه ودينه, فإنهُ يقف أمام خيارين لا ثالث لهما, الخيار الأول هو أن يتنازل عن مبادئه وينجرف في تيار الكفر والفسوق الذي يُحاصره في كل حركاته وسكناته, والخيار الثاني يكمُن في أن يجعل الله لهذا الرجل مخرجاً فينجو بدينه من وسط زحام الكُفر, وأن يُؤيده سبحانه بسلطان ينتصر به على من يُعاديه ويسعى في أذيته.
وقد كان نبي الله يوسف –عليه السلام- ولا ريب هو ذلك الرجل المؤمن الذي نجا بدينه وأيده الله على بسُلطانٍ عظيم, بالرغم من أن الثمن الذي دفعه كان باهظاً, بدخوله إلى السجون المُعتمة, ومُقاساتهِ فيها مرارة العيش والغُربة.

وهكذا فقد رضي الكريم يوسف -عليه السلام- بالسجن على أن يُطيع امرأة العزيز بالمعصية والإثم , وكان رجائه الوحيد هو أن يكفَ اللهُ أيدي امرأة العزيز ونسوة مصر عنه, فلا يبلغون منهُ ما يتمنون ويُأَمِلون, وفي ذلك حفظ حيائه وحياته, إذ أن إطاعة سيدة القصر ونسوة مصر فيها هتكُ سترهُ وضياع هيبتهُ -لا قدرَ الله- وهو من أنبياء الله, كما أنهُ سوف يُعرض نفسه لسُخط سادات مصر وشعبها عليه, والذين لن يتوانوا عن قتلهِ انتقاماً لشرفهم المهدور.

لطيفة العدد ستة
أُعيد من جديد هذه اللطيفة الخفيفة عن العلاقة الخاصة بين النساء والرقم ستة , والتي كُنت قد أوردتها في الأجزاء الثلاثة السابقة, ومفادها هو أن الرقم (ستة) يحتوي في أول حرفين منه على كلمة (ست) , وهي لفظ عامي لامرأة وجمعها (ستات) , والتاء المربوطة الباقية من كلمة (ستة) تستخدم للتأنيث أيضاً .
ومن ناحيةٍ أخرى فإن اللفظ الإنجليزي للرقم ستة هو Six , و لفظ هذا الرقم (Six) يشبه تماماً لفظ كلمة (Sex) الإنجليزية أيضاً, والتي تعني جنس وإثارة,أي أن (النساء = ستة = Sex = Six = جنس).
ولو قمنا بنقل  الحرف الأخير من كلمة (جنس) إلى أولها,  فإنها تصير (سجن), وهذا هو بيت القصيد في تلك المرحلة من حياة يوسف –عليه السلام- في مصر.

* فبعد أن تعاهدت امرأة العزيز وصاحباتها على مواصلة استفزازاتهم (الجنسية) ليوسف, كان بديله الوحيد للهروب من هذا الفحُش البعيد هو دخول (السجن), وكما يقول المثل الشعبي: (البعيد عن العين بعيد عن القلب) , والتقوى هي سَجنُ النفس عما تُحب وتهوى .

* وعند استعمالنا للغة الأرقام, فإننا نجد أن عدد حروف كُلاً من كلمتي (سجن) و(جنس) يساوي ثلاثة, ومجموع عدد حروف الكلمتين هو (ستة), وهو نفس مجموع أرقام الآية 33, (3  + 3 = 6), والتي فَضَلَ فيها يوسف –عليه السلام- دخول (السجن) على أن يُلبي دعوات نساء مصر لهُ بممارسة (الجنس) .

* وردت كلمة (كيد) بألفاظها المختلفة مثل (كيدِكُنَ , كيدهُنَ) في الآيات التي سردت أطوار قصة حب امرأة العزيز ليوسف -عليه السلام- (ستة) مرات , مرتين منها على لسان عزيز مصر في الآية 28 , ومرة على لسان يوسف -عليه السلام- في الآية 33 , ومرةً بقول الله سبحانه وتعالى في الآية 34 , ومرة على لسان ملك مصر في الآية 50 , والمرة الأخيرة على لسان امرأة العزيز في الآية 52 .
وأصل الكيد كما مر معنا في هذه القصة هو امرأة العزيز وجواريها ومجتمع نسوة أهل مصر وسادتها, وكل ما كان من مكرٍ وخيانة واستفزاز ليوسف -عليه السلام- كان من فعل النساء . وبالتالي فإن ورود كلمة الكيد في هذه القصة ستة (6) مرات جاء متوافقاً مع صانعاتهِ, وهُنَ النساء –السِتات- صاحبات الرقم .
 قال تعالى : {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ 51}.

إن قبول يوسف عليه السلام في الآية رقم 33 النفي إلى السجن, كان حلاً وقائياً لعزله عن امرأة العزيز التي كانت تطلُبهُ لنفسها بما يُسخط الله والناس عليه. 
والسجن في شريعةِ محمد -عليه الصلاة والسلام- كان حداً وعقوبةً من الله على من يثبُت عليها فعل الزنا من النساء , وذلك قبل أن يُنسخ هذا الحُكم بالجَلد لغير المتزوجة والرجم حتى الموت للمرأة المتزوجة.
قال تعالى : {واللاتي يأتين الفاحشة من نساءِكم فاستشهدوا عليهنَ أربعةً منكم , فإن شَهِدوا فأمسِكوهنَ في البيوت حتى يتوفاهُنَ الموت أو يجعل اللهُ لهنَ سبيلا 15} سورة النساء.
ومن اللطائف الرقمية بين هاتين الآيتين , هو أن مجموع أرقام آية السجن الوقائي من الفاحشة وهي الآية رقم 33 من سورة يوسف, يساوي ستة  (3 + 3 = 6) , ومجموع أرقام آية السجن العقابي لمن تفعل الفاحشة, وهي الآية رقم 15 من سورة النساء, يساوي ستة أيضاً (5 + 1 = 6).
وقد جاءت آية السجن الوقائي  لنبي الله يوسف -عليه السلام- في سورته (سورة يوسف) , وكذلك فإن آية السجن العقابي للنساء جاءت في سورتهُنَ (سورة النساء).

يوسف حبيس النساء وعيسى حبيس السماء 
توافق وتشابه رقمي نجده بين صاحب الهيئة الملائكية يوسف عليه السلام,  وصاحب الروح الملائكية عيسى عليه السلام , ونستشفُ هذا التناغم الرقمي بين أول أنبياء بني إسرائيل يوسف ابن يعقوب, و آخرهم عيسى ابن مريم -عليهم السلام-, من خلال أرقام الآيات التي تحكي خيارات نجاتهم من كيد المعتدين.
حيث أشارت الآية الكريمة رقم 33 من السورة التي تحمل اسمه, إلى أن السجن كان هو المخرج الوحيد أمام يوسف -عليه السلام- للفرار بجسدهِ الطاهر من دنس وكيد نسوة مصر بقيادة امرأة العزيز .
بينما أشارت الآية رقم 55 من السورة التي اسم عائلته – آل عمران-, إلى أن توفي الله لعيسى –عليه السلام- ورفعِهُ إليه وحفظ جسده في السماء, كان هو المخرج الوحيد أمامهُ للفرار بدمائه الزَكِية وجسده الطاهر من كيد الخائنين وبطش الكافرين الذين أرادوا صلبهُ وقتله.
قال تعالى : {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ 55} سورة آل عمران.

ونلاحظ أن أرقام الآيات التي نزلت في نجاة كلٍ من يوسف وعيسى –عليهما السلام- قد تشكلت من منزلتين ضمتا رقم فردي مُكرر, وهو الرقم ثلاثة (3) في آية يوسف رقم (33), والرقم خمسة (5) في آية آل عمران رقم (55).
وكذلك فإن الفارق بين رقمي الآيتين – (55-33 = 22)- يساوي 22, والعدد اثنان وعشرون يتشكل أيضاً من منزلتين تحتويان على رقم مُكرر, وهو الرقم (2).

* ومن اللطائف الرقمية التي يمكن استشفافها من آيتي خلاص يوسف وعيسى –عليهما السلام- من الكيد والخيانة, هي:
- أن مجموع أرقام آية يوسف –عليه السلام- يساوي ستة (آية 33 = 3+3 =6), وإن الرقم ستة أولهُ (ست), وهو كما ذكرت لفظ بمعنى (امرأة) بالعامية, وقد كان الكيد ليوسف –عليه السلام- يتأتى من قِبَل (الستات) –نسوة مصر-.
- وعلى الناحية الأُخرى, فإن مجموع أرقام آية عيسى –عليه السلام- يساوي عشرة (آية 55 = 5+5 = 10), وبحسب قاعدة حساب الجُمَل المشهورة فإن الرمز العددي لحرف (الياء) هو (عشرة).
فإذا أضفنا حرف الياء إلى وسط (عشرة) فإنها تصير (عشيرة), والعشيرة هي القبيلة. وقد كان الكيد لعيسى –عليه السلام- يتأتى من قِبَل طائفة من أبناء عشيرته من بني إسرائيل, من الذين كفروا به وناصبوه العداء و وشواْ به عند الملك الروماني.

وختاماً لهذه الفقرة, فقد كانت خاتمة محنة يوسف –عليه السلام- هي خروجه من سجنه, وتمكين الله له في الأرض, وجعلهُ أميناً على خزائنها وثرواتها.
وكذلك الأمر لروح الله عيسى -عليه السلام-, الذي ستكون خاتمة ابتلاءه هي أن يؤتى مثل ما أوتي يوسف من المُلك والاستخلاف في الأرض, وذلك بعد نزوله من السماء في آخر الزمان, وتحديداً في الأيام الأخيرة من ولاية الإمام المهدي عليه السلام, حيث يعقبه عيسى ويرثُ عنهُ خلافة أمة الإسلام, وينصر الله نبيه عيسى –عليه السلام- ويبارك لهُ بركةً عميمة ما بقي لهُ من أيام. 

يوسف حبيس الجدران ويونس حبيس الحيتان
 تناقض وتعاكُس رقمي نجدهُ بين الكريم يوسف ابن يعقوب, والغضوب يونس ابن متة -عليهم السلام- , وإن محور هذا التناقض الرقمي هو العدد ثلاثة وثلاثون.
حيثُ حملت الآية رقم )33( من سورة يوسف خبر استقرار رأي نبي الله يوسف -عليه السلام- على دخول السجن . فبعد مظلمة كيد الإخوان التي أبعدتهُ عن أبيه يعقوب عليه السلام , ثم مظلمة بيعهِ لعزيز مصر بأبخس الأثمان قياساً لعظيم قدْرهِ –عليه السلام-, حيثُ صارَ السيد الكريم عبداً في قصر قومٍ فاسقين , جاءت مظلمة كيد النسْوان التي دخل على إثرها نبي الله يوسف إلى سجون مصر المُظلمة, حيثُ صار نسياً منسياً في تلك السجون ليس لهُ أنيساً سوى الله الواحد الأحد الذي لا يترك عبدهُ يبيتُ محزون. 

وعلى الجانب الآخر فإن الرقم 33 يحمل سر خروج يونس -عليه السلام- من الظُلمات الثلاثة العِظام , ظلمة بطن الحوت الذي ابتلعه, وظُلمة قيعان البحار والمحيطات, وظُلمة الليل بعد زوال النهار , حيثُ كان التسبيحُ هو مفتاح نجاة يونس -عليه السلام- وتفريج كُربتهُ بإذن العزيز الرحمَن .
 قال تعالى : {وإنَ يُونُسَ لمِنَ المرسلين 139 إذ أبَقَ إلى الفُلك المشحون 140 فساهم فكان من المدحضين 141 فالتقمهُ الحُوتُ وهو مُليم 142 فلولآ أنُ كان من المُسَبِحِين 143 للبثَ في بطنهِ إلى يومِ يُبعثون 144} سورة الصافات.
المُسبحين: الذاكرين الله كثيراً بالتسبيح.

وكما هو معلوم فإنه يُسَن ذكر الله وتسبيحهُ بالعدد ثلاثة وثلاثون 33, وذلك كما أُثر عن النبي المعصوم في روايات عديدة , منها رواية الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رضي اللهُ عنه- , عن رسول الله -صلى اللهُ عليه وسلم- أنه قال : {من سبحَ الله في دُبُرِ كلِ صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين , وحَمدَ الله ثلاثاً وثلاثين , وكبرَ الله ثلاثاً وثلاثين , وقالَ تمامَ المِائةِ : لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له ، له المُلك وله الحمد ، وهو على كلِ شيءٍ قدير , غُفرت خطاياه وإنْ كانت مثلَ زَبدِ البحر}.
وهكذا فإن الرقم 33 الذي حملَ نبأ قرار يوسف -عليه السلام- بالدخول إلى السجن في الآية التي بسورته , كان هو نفس الرقم الذي حمل سر خروج وليد الحيتان يونس -عليه السلام- من سجنه ومُستقره في بطن الحوت, وذلك بالذكر والتسبيح الذي حددهُ الحديث النبوي الشريف بالعدد ثلاثة وثلاثين33 .

لطيفة : اليونيسف و اليونسكو
قال تعالى :{وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ 31  قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ 32 قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ 33} سورة البقرة .
إن اسمي نبيي الله يوسف ويونس -عليهما السلام- قد انطويا حرفياً وبحسب ترتيب الحروف في اسميْ منظمتين عالميتين شهيرتين من منظمات الأمم المتحدة, وهُما منظمة الأمم المُتحدة للطفولة أو ما يُعرف اختصاراً بمنظمة (اليونيسف), ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة أو ما يُعرف اختصاراً بمنظمة (اليونسكو), وعلى النحو التالي:

* اليونيسف
 نلاحظ أن اسم (يوسف) قد تخلل اسم (اليونيسف) بحسب ترتيب حروفه, وإذا حذفنا الحرفين الأوسطين من (يونيسف) وهما النون والياء, فإنها تصبح (يوسف).
ومن المصادفات الغريبة أن نبي الله يوسف -عليه السلام- كان قد تعرض للاضطهاد هو طفل صغير, وقد سَطَر القرآن الكريم في سورته – يوسف- هذه المأساة التي لم يتعرض لمثلها أي نبي ٍ في طفولته.
وكما هو معلوم فإن الهدف الرئيسي لمنظمة اليونيسف التي انطوى اسم يوسف في أول وآخر حرفين من اسمها, هو حماية حقوق الطفل والدفاع عنه, وكأن الله عُظُم سلطانهُ وخَفَت ألطافه قد جعل من انطواء اسم نبيه يوسف بن يعقوب -عليهما السلام- في اسم هذه الجمعية الطفولية, هو من باب الإشارة الخفية التي تُخَلد ذكرى المأساة التي تعرض لها يوسف –عليه السلام- وهو طفل صغير, حيث جابه وهو في كنف أبيه في فلسطين أرض كنعان أذى وعدوان أبناء إسرائيل * الإخوان, الذين كادوا أن يقتلوهُ, ثم بلطف الله في البئر ألقوه, ثُم بعد ذلك ادعوا عليه العبودية وباعوهُ, وأبعدوهُ عن فلسطين أرض الكنعانيين ليصبح عبداً عند المصريين.
وها هو التاريخ يُعيد نفسه ولكن على شريحةٍ أوسع من البشر, حيثُ يتعرض أبناء المسلمين من أطفال فلسطين لأذى وعدوان يهود دولة إسرائيل, من تقتيل وتشريد وإبعاد, وحرمان من القوت والعلاج والتعليم والعيش الكريم, في مأساة تتكرر صورها عاماً بعد عام على مرأى ومسمع من العالم, دون أن تجد الصدى المرجو والمساعي الحثيثة عند المنظمات العالمية من أجل إيجاد حلٍ ومخرجٍ دائم لإيقافها والحيلولة دون وقوعها.
{وحمزة لا بواكي له} صدق رسول الله.
وإن مما يزيد أسى الفلسطينيين وأطفالهم هو ازدواجية المعايير الطاغية في هذا العالم, والذي يهتز كيانه لمقتل أو إصابة طفلٍ إسرائيلي واحد, وفي المقابل فإنهُ لا يُلقي بالاً ولا يُحرك ساكناً لمقتل أو إصابة عشرات الأطفال الفلسطينيين, ليُجسد هذا الموقف المُؤسف واحدة من أبشع صور العُنصرية في هذا العصر.
قال تعالى: { وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ } يوسف.

اليونسكو 
نلاحظ أن اسم نبي الله (يونس) -عليه السلام- قد انطوى حرفياً ودون فواصل في اسم منظمة (اليونسكو), فإذا حذفنا الحرفين الأخيرين من (يونسكو) وهما الكاف والواو فإنها تصير (يونس).
وإن الهدف الرئيسي لمنظمة اليونسكو هو المساهمة بإحلال السلام والأمن عن طريق رفع مستوى التعاون بين دول العالم في مجالات التربية والتعليم والثقافة, لإحلال الاحترام العالمي للعدالة ولسيادة القانون ولحقوق الإنسان ومبادئ الحرية الأساسية, وإحدى مهام اليونسكو هي أن تعلن قائمة مواقع التراث الثقافي العالمي, هذه المواقع هي مواقع تاريخية أو طبيعية وحمايتها وإبقاءها سليمة هو أمر يطالب به المجتمع الدولي وليس من مهام المنظمة حماية هذه الأماكن.

ومن المفارقات الغريبة أن نبي الله يونس -عليه السلام- الذي انطوى اسمهُ في اسم هذه المنظمة (اليونسكو), هو من أهل نينوى وبُعث فيها, وهي قرية من أرض الموصل في العراق, ولا يخفى عليكم ما يتعرض لهُ العراق اليوم بأيدي القوى والتحالفات العالمية من إخلال بأمنه, وتشريد لشعبه, وشلل في تربية وتعليم أبنائه, إضافةً إلى تخريبه واستنزاف طاقاتهُ وطمس المعالم الثقافية والتاريخية والحضارية فيه, أي أن منظمة اليونسكو صارت اسمٌ على غير مسمى فليس لمن سُميت مجازاً على اسمهِ منها نصيب, وكأن الله جَلت قدرتهُ وخَفَتْ لطائفهُ قد جعل من انطواء اسم نبيه يونس بن متة العراقي في اسم هذه الجمعية (اليونسكو), سبباً لكشف ما ينطوي عليه عالمنا المُعاصر من زيف وتناقض ونِفاق. 

لطيفة: بين يوسف و وليد
إن (يوسف) و (وليد) اسمين رباعيين يشتركان بحرفيْ الياء والواو [(يو)سف, (و)ل(ي)د], والياء هو أول حرف من يوسف, بينما الواو هو أول حرف من وليد.
وإذا أخرجنا ياء – يوسف- من اسم (وليد) فإنه يصبح (ولد), وإن لفظ (ولد) يحمل في طياته دلالات نقطة البداية في رحلة نبي الله يوسف –عليه السلام- إلى أرض مصر خارجاً من كنعان, وعلى النحو التالي:
- ولد: هو الصبي والغلام.
وقد كانت بداية رحلة يوسف –عليه السلام- إلى مصر لتحقيق الرؤيا (حلم العمر) وهو لا يزال صبي صغير.

- إن أول حرفين من ولد وهما (ول), يمثلان بحسب اللغة الإنجليزية لفظ كلمة (Well), وتأتي هذه الكلمة في قواميس اللغة الإنجليزية بمعنى : بئر.
وبعد أن امتلأت قلوب الأخوة حقداً وغيرة من أخيهم يوسف, وأرادوا أن يحُولوا دون تحقق رؤياه بولاية الأمر و وراثة النبوة, هموا بقتله, ثم استقر رأيهم بعد ذلك على أن يلقوه في بئر الماء المالحة.
قال تعالى: {اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ 9 قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ 10} يوسف. غيابة الجب: قعر البئر المظلمة.

- وإذا قرأنا (ولد) بالعكس من الآخر إلى الأول فإنها تصبح (دلو), والدلو هي التي يُستقى بها, وأدلا (الدلو) أي أرسلها في البئر لجمع الماء.
قال تعالى: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَه قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ 19} يوسف.
ومن هنا وبعد إخراجه بدلو الماء من البئر, غادر يوسف عليه السلام مع القافلة التي أشترته إلى مصر, ليبدأ من هناك تحقيق رؤياه بعلو القدر والرفعة بين أخوته وأهله وسائر الناس.

 وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى الله على خاتم المرسلين, سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

 الهوامش:
* إسرائيل: هو لقب نبي الله يعقوب عليه السلام.

المراجع:
- مختصر تفسير ابن كثير.
- تعريف اليونيسف واليونسكو, (موقع ويكيبديا).


مواضيع ذات صلة على هذا الرابط :

براهين على فتنة النساء والشياطين

  
* نُشر لأول مرة في مدونة المسبار السحري بتاريخ 29-11-2007
فكرة وإعداد : م.وليد القراعين






براهين على فتنة النساء والشياطين


 بسم الله الرحمَن الرحيم

الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على أكرم المرسلين , محمد وآله وصحابته الطيبين . أما بعد ؛ هذا هو الجزء الثالث من بحث "النساء في ظلال الرقم 6" والمُخصص لمعالجة مسألة الفتنة النسائية ومداخلها الشيطانية , يقول الباري عز وجل : {كلُ نفسٍ ذائقةُ الموت. ونبلُوكُم بالشر والخير فتنة, وإلينا ترجعون 35} سورة الأنبياء.
تدلنا الآية الكريمة على أن الفتنة لا تأتي بالضرورة من أحوال الشر فقط , حيث أن أحوال الخير قد تكون كذلك سبباً في فتنة الناس وزحزحتهم عن جادة الصواب, وإن الشر والخير ضدان, وهذه من سنن الخلق والكون, والذي بناهُ سبحانهُ وتعالى بتوازن ودقة مثاني كل شيء ولهُ ضد , فخلق النار والجنة, وجعل الحياة والموت, والشيء نفسهُ مثاني مُتضاد مع ذاتهُ , فخلق الحديد فيهِ بأسٌ شديد ومنافعُ للناس, ونجدُ هذه الظاهرة أيضاً في حقيقة إبليس الذي عاشَ ناسِكاً طائعاً مع الملائكة, ثم تحول إلى ضالاً عاصياً وصار إماماً للشياطين, وكذلك فقد خَلَقَ سبحانهُ خليفتهُ الإنسان لهُ عقلٌ يأمرهُ بالطاعة ونفسٌ تأمرهُ بالمعصية , وهذا التضاد الذي عليه الخلق هو مناط التكليف والاستخلاف والامتحان في الحياة التي منحها اللهُ لجميع مخلوقاته , فهو أساس الصراع الداخلي في نفوس المخلوقات , ومن هذا الصراع تتولد الطاقة الدافعة لإرادة الفعل في هذا الكون , فإن كان المخلوق من أهل السعادة غلبت طِباع  الخير على نفسهِ , وإن كان من أهل الشقاوة غلبت عليه طِباع الشر .

وقد وصف اللهُ في الآية الكريمة الشر والخير بأنهما فتنة على حدٍ سواء , إلا أنهُ قدم الشر على الخير في ذلك, لأن الناس على الأغلب يُبتلون بشرور الفتن, فالشدائد والجوائح  والآفات والأسقام شرٌ قد يوقع الناس في فتنة إساءة الظن بالله ونفاذ الصبر على بلواه, وإلى طلب الرزق بما حرمهُ سبحانهُ من الطرق والوسائل. كما أن الرخاءُ والصحة والغنى خيرٌ قد يُوقِع بعض الناس في فتنة الغفلة عن شكر الخالق المانح لهذهِ النعم , وإلى التكبر على الآخر وظُلمهِ.

فتنة الشيطان لحواء وآدم عليهما السلام
وسوف ينصبُ تركيزنا في هذا البحث على الحديث عن المثاني المُتضادْين الزوجين الذكر والأنثى, ولفهمٍ جيد وصحيح لمَاهية العلاقة بين الزوجين, لا بد لنا من الرجوع إلى أصل هذه العلاقة والمُتمثلة بأول زوجين من البشر وهما آدم وحواء عليهما السلام, حيثُ أذن الله لآدم وزوجه حواء بسكن الجنة والاستمتاع بأكلها وشربها ولباسها, وهذه الجنة مختَلفٌ فيما إذا كانت في السماء أو في الأرض أو بينهما, وهو ليس موضوع بحثنا, والشيء المهم هنا هو أن آدم وزوجهُ قد أُخِرجا من الجنة وعيشها الرغيد بعد إصغاءهما لوسواس الشيطان إتيانهما الخطيئة, وأُهبِطا إلى ما هو دونها مقاماً من الأرض.
عن الربيع ، قال : وحدثني أبو العالية: ( أن منَ الإبل مَا كان أوّلها من الجن ، قال : فأبيحت له – أي آدم- الجنة كلها إلا الشجرة ، وقيل لهما : " لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " . قال : فأتى الشيطان حواء فبدأ بها ، فقال : أنُهيتما عن شيء ؟ قالت : نعم! عن هذه الشجرة فقال : ( مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ) [سورة الأعراف : 20] قال : فبدأت حواء فأكلت منها ، ثم أمرت آدم فأكل منها. قال : وكانت شجرةً من أكل منها أحدث. قال : ولا ينبغي أن يكون في الجنة حَدَث. قال : " فأزالهما الشيطان عَنها فأخرجهما مما كانا فيه "  ، قال : فأخرج آدم من الجنة) (1).
وكنتُ قد ذكرت و وضحتُ في الجزء الأول من هذه السلسلة من بحوث النساء, أن الله خلقَ حواء من ضلع آدم وجعلها أُنساً وسكناً لنفسه, وأنَ حواء عليها السلام إنسانٌ مخلوق من إنسان, وإنسانيتها المُضاعفة هذه تجعلها فريسةً سهلةً للضعف والنسيان, وقد وجد إبليس الخبيث في أمنا حواء كثيرة النسيان ضالتهُ المنشودة للانتقام من آدم عليه السلام, وجعلها مدخلاً لهُ للوصول إلى أملهِ وغايته, فتربص بها حتى إذا أحس منها الركون إلى ما هي فيه من رغد العيش, والاستعداد لتناسي أمر الله ونهيهُ لها, زيَنَ لها المعصية و وعدها وهو كذوب بمُلكٍ لا يفنى ولا يذوب, ولما نسيت حواء وسارت في ركب الشيطان, دعت آدم إلى المعصية فلحقها فكانت عاقبتهما الندم والخسران, ولولا أن آدم عليه السلام تعرض لإلحاح زوجتهُ حواء ومعها وسواس الشيطان لما نسي أمر الله وباءَ بالغضب والحرمان.

عن سعيد بن المسيب ، قال : (سمعته يحلف بالله ما يستثْني - ما أكل آدم من الشجرة وهو يَعقل ، ولكن حواء سقته الخمر ، حتى إذا سكر قادته إليها فأكل) (2).
 وكما جاء في تفسير ابن كثير عن ابن جرير عن ابن عباس أنهُ قال : (لما أكلَ آدم من الشجرة قيل لهُ : لما أكلت من الشجرة التي نهيتُك عنها ؟ قال حواء أمَرتني, قال : فإني قد أعقبتُها أن لا تحمل إلا كُرهاً ولا تضع إلا كُرهاً, قال : فرنت عند ذلك حواء, فقيل لها : الرنة عليك وعلى ولدك).
رَنَتْ حواء أي صَاحتْ وبكت اعتراضاً على أمر الله , فردَ اللهُ سبحانهُ وتعالى عليها بأن الصيحةَ عليك وعلى أبنائك من ذرية آدم , وقد حقت كلمة الله على الأم حواء وولدها, فنجدها يعلو صوتها بالصراخ عند المخاض والولادة, فإذا خرجَ وليدها من بطنها  استهل ظهورهُ الأول كذلك بالصياح والبُكاء, وكذلك فإن الصيحة بمعنى العذاب من ريح ٍ عاصف أو زلزال أو نحوه, حق على بني آدم من أهل القرى الفاسقة التي يأمر الله جندهُ بها, وأخيراً حق على بني آدم سماع صيحة الآخرة وهي نفخة بوق إسرافيل عليه السلام التي تقوم عليها القيامة. 

وأما عن حقيقة الشجرة التي أكل منها آدم وزوجهُ -عليهما السلام- فهي مما لم تُبينهُ السُنة والقرآن, وأظنُ أنها على خلاف ظاهر ما جاءت به روايات الأئمة والعلماء من أنها مجرد شجرة من الزرع, وإنما هي رمزٌ وكنايةٌ عن شيءٍ آخر لا يسعني المقام لذكره في هذا البحث القصير, وسأوضحهُ بإذن الله في بحثٍ ومقامٍ آخر بتفصيلٍ أكثر مع بيان الدليل, {ولتَعلَمُنَ نبأهُ بعد حين 88} ص.

وعلى كل حال فقد صدر قضاء الله الذي لا يُرَد بخروج آدم وحواء من رغد العيش وهبوطهما إلى مكانهما الطبيعي في الأرض, وألقى الله إلى آدم وحيهُ الأول بعد معصيتهِ لأمرهُ, ليعلم أن ربهُ إنما يُريد أن يُجازيه على معصيته ولا يريد أن يُبعدهُ ويطردهُ من رحمتهِ كعدوهِ إبليس, وذلك لأن معصية آدم عليها السلام كانت جهلاً ونسيان, بينما كانت معصية الشيطان كِبراً وحسداً للإنسان.
عن قتادة قال : (قال آدم عليه السلام : يا رب ، أرأيتَ إن تبتُ واستغفرتك ؟ قال : إذًا أدخلك الجنة . وأما إبليس فلم يسأله التوبة ، وسأل النَّظِرة ، فأعطى كلَّ واحد منهما ما سأل) (3).
ولولا أن آدم عليه السلام اعترف بخطئهِ وطلب المغفرة والرحمة لَمَا تاب الله عليه وألقى إليه الوحي, قال تعالى: {.., وناداهُما ربُهُما ألم أنهكُما عن تلكُما الشجرة وأقُل لكُما إن الشيطان لكُما عدوٌ مُبين 22 قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَ من الخاسرين 23} الأعراف. 

ولولا أن إبليس اعتذر بما هو أقبحُ من ذنبهِ وأصرَ على كِبره لَمَا لعنهُ الله وأنظرهُ ليكون فتنة لمن سواهُ من الجِنةِ والإنس أجمعين, قال تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ 75 قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ 76 قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ 77 وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ 78 قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ 79 قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ 80 إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ 81 قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ 82} من سورة ص.

لطيفة: إن اسمُ هذه السورة هو حرفٌ من حروف اللغة العربية يكتبُ هكذا (ص), ويُلفظ هكذا (صَاد), و(صَاد) هو اسم فاعل من الفعل (صَدَ) ومعناهُ المُعرض عن الأمر والمانع والصارفُ عنهُ, ولا عجب أن اسم هذه السورة يُطابق مضمونها, فأولها ذكرٌ للكافرين والمُكذبين الذين (صدوا) رسول رب العالمين وأعرضوا عنهُ وصرفوا عنهُ الناس, وآخرها ذكرٌ لسيد وأول (الصَادِين) عن أمر رب العالمين والصارفين لغيرهم عنهُ من الجنة والناس أجمعين وهو إبليس اللعين.  
قال تعالى: {فتلقى آدم من ربهِ كلماتٌ فتاب عليه. إنهُ هو التواب الرحيم 37} البقرة.  
وأما عن إلقاء الله كلماته وبيانه إلى آدم دون حواء, فهو لآن آدم – عليه السلام- هو أول الخلق, وهو الذي سيكون الخليفة القيم على حواء في الأرض ورسول الله إليها, ولأن آدم كان الأقل تَلَبُساً في الوقوع بتلك المعصية والأكثر ندماً على فعلها, فآثرهُ الله على حواء بما أنزلهُ عليه من كلماتٍ فيها إشعار بالتوبة عليه وطي صفحة معصيته.
ومنذُ ذلك الحين لم يزل الرجل هو نبي الله ورسولهُ الذي يتلقى وحيهُ, وهو القوام على المرأة يُخبرها بكلام الله ومُرادهُ من عباده, ويُبشرها برحمتهِ ويُنذرها من سخطهِ وعِقابه, وفي صلاح الرجل وهُداهُ صلاحُ حال حواء وهُداها, وفي ضلاله وفِسقهِ عن أمر الله ضلالها وفسوقها.
وقد خصصتُ هذا البحث لبيان مكائد ومصائد الشيطان في فتنة بني الإنسان, والتي تعتمدُ في غالبيتها على النساء كَطُعمٍ مُجرب وفعال في الإيقاع بالرجال, ليعلم الرجال في أي الأحوال تصير النساء اللواتي خلَقَهُن الله سكناً لنفوسهم فتنةً ووبال, ولتعلم النساء نقاط ضَعفِهنَ وكيفية استغلال الشيطان لهِنَ فلا تقعنَ فريسةً سهلة أمام هذا الضعف الإنساني والوسواس الشيطاني.    

وفيما يلي بعض الأمثلة على فتنة الشيطان والنسوان بأسلوبٍ مشوقٍ وفريد, مُستمد من آيات الرحمَن وأحاديث النبي العدنان عليه الصلاة والسلام, مع ذكر بعض اللطائف والفقرات المُستنِدة إلى لغة الأرقام.

 ما بقي للشيطان بعد اندثار عبادة الأصنام 
 قال تعالى في سورة النساء : {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا 117 لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا 118 وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا 119} .
جاء في كتب التفاسير أن المقصود بالإناث هم الملائكة , لقول المشركين إن الملائكة هم بنات الله , وقيل هي أصنام اللات والعُزى ومناة سبحانهُ وتعالى عما يشركون. [قَالَ الْحَسَن البصري : الْإِنَاث كُلّ شَيْء مَيِّت لَيْسَ فِيهِ رُوح إِمَّا خَشَبَة يَابِسَة وَإِمَّا حَجَر يَابِس] تفسير ابن كثير .

وبعد أن ساد العلم و الدين على حياة وأفكار الناس وخاصةً المسلمين, فقد صارت عبادة الأصنام وما يسكنها من جن ٍ وشيطان فتنةٍ عفا عنها الزمان , وقد بشرنا بهذا النصر خير الأنام محمد -عليه الصلاةُ والسلام- في خِطبة وداعه قائلاً : "أيها الناس اسمعوا قولي ، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا ، .. , أما بعد أيها الناس فإن الشيطان قد يئس من أن يُعْبد بأرضكم هذه أبدا ، ولكنه إن يُطَعْ فيما سوى ذلك فقد رضي به بما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم .." من رواية ابن اسحاق.

لذلك فإن دعوة الإناث في زمان الإسلام ليست ملائكةً ولا أصنام, وإنما هي قد تدل فيما تدل عليه من الفتن على جنس الإناث نفسه, فقد علمت الشياطين أن سلطانها العظيم في البلاد التي غلب عليها المسلمين قد ذهب عنها بعدما ولى عهد المشركين, إلا أنهم – أي الشياطين-  رضوا بقليل الزاد في ربوعها مما يُفَرط بهِ ويَذهل عنهُ أهلها من أمور الشريعة والدين, وقد رأت الشياطين أنهُ ما من سبيلٍ أفضل للتربع على قلوب المُفرِطين من مدخلهم القديم, وذلك عندما أغرى إبليس أمنا حواء واستعملها في غواية زوجها آدم –عليهما السلام- كما شرحت في الفقرة السابقة,
فكانت دعوة الإناث هي سبيل إبليس وحزبه للخلاص وفتنة الناس, ودعوة الإناث التي انتهجها الشيطان ليس المقصود منها أن يعبد الناس الإناث ويتخذوهُنَ أرباباً, ولكن القصد منها هو شَغل قلوب الرجال وجوارحهم بِهنَ فينهمكوا بحبهن والسعي لإرضائهن, فيركنُ فريقٌ منهم إلى الدنيا ويزدادُ طلباً لها ولِمتاعها, وينسى آخرتهُ ويقلُ طلباً لها ولنعيمها الخالد, بالإضافة إلى وقوعهم في فخ المعاصي والفواحش والانسياق وراء الشهوات والرغبات, وإذا كَثُرَ مثل هؤلاء الرجال في الأمة وهنت وسقطت وتجلى عليها الشيطان ونال منها عدوها غاية المرام, وهذا هو – وللأسف- واقعُ حالها في هذه الأيام.   

 أخرج الإمام مسلم من حديث أبي سعيد في أثناء حديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : " .. واتقوا النساء ، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء".

* وتشمل خيوط هذه الفتنة الخطيرة عامة النساء وخاصَتهنَ من نساء المؤمنين, قال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفِروا فإن الله غفور رحيم 14} سورة التغابن .
والأزواج هنا قد يكونوا رجالاً أو نساءً , ولكن مناسبة نزول الآية وعامة القصص والروايات دلت على أن معظم فتنة الأزواج تأتي من قِبَل الزوجات (النساء) .
[قالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : هَذَا يُبَيِّن وَجْه الْعَدَاوَة ; فَإِنَّ الْعَدُوّ لَمْ يَكُنْ عَدُوًّا لِذَاتِهِ وَإِنَّمَا كَانَ عَدُوًّا بِفِعْلِهِ . فَإِذَا فَعَلَ الزَّوْج وَالْوَلَد فِعْل الْعَدُوّ كَانَ عَدُوًّا ,وَلَا فِعْل أَقْبَح مِنْ الْحَيْلُولَة بَيْن الْعَبْد وَبَيْن الطَّاعَة. 
قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية الكريمة : أن عوف بن مالك الأشجعي أراد الغزو مع النبي عليه الصلاة والسلام فبكت زوجته وولده ورفَقوهُ , حتى رقَ قلبهُ وأقام معهم وترك الخروج للغزو , وقال فيها أيضاً : أن هَؤُلَاءِ رِجَال أَسْلَمُوا مِنْ أَهْل مَكَّة وَأَرَادُوا أَنْ يَأْتُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَبَى أَزْوَاجهمْ وَأَوْلَادهمْ أَنْ يَدَعُوهُمْ أَنْ يَأْتُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا أَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَوْا النَّاس قَدْ فَقِهُوا فِي الدِّين هَمُّوا أَنْ يُعَاقِبُوهُمْ (زوجاتهم وأولادهم) ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى الآية]  تفسير الطبري .

 وفي آخر الآية إذنٌ من الله بالعفو والصفح عن هذا الخُذلان غير المقصود من النساء والأولاد , إن هم لم يُصِروا على موقفهم القديم بالخوف من الموت والركون إلى الدنيا, وترك أوامر الدين ومصلحة المسلمين.
وقد سَطَرَ القرآن الكريم هذه العداوة الثانوية بين الأزواج في قصة آدم وحواء وذلك في قولهِ تعالى : {قال اهبطوا بعضُكم لبعضٍ عدو ولكم في الأرضِِ مُستقرٌ ومتاعٌ إلى حين 24} سورة الأعراف . قيل المُراد بالخطاب في {اهبِطوا} آدم وحواء وإبليس, والعداوة الأساسية هي بين آدم وإبليس , وحواء تبعاً لآدم في عداوتهما لإبليس. وأما العداوة الثانوية فهي بين آدم وحواء, وهي عداوة مؤقتة ومرحلية وسببها هو شعور آدم عليه السلام أن حواء كانت عاملاً مُساعداً في نيل الشيطان مأربهُ منهُ بدفعهِ إلى معصية الرحمَن, وقد تعلم آدم عليه السلام مما حصل درسين هامين وهما, أن لا يُطيع أي مخلوق في معصية الخالق حتى لو كان زوجتهُ وأحب الناس إليه, كما عَلِم آدم أن حواء مخلوق ضعيف فيه اعوجاج يجب مراعاتهُ والانتباه إليه.

وبعد أن تاب الله على آدم, واطمئنَ آدم إلى قضاء الله وقَدَره, وعَلم ما لهُ وما عليه في سَكنه الجديد على الأرض, فتح صفحة جديدة مع زوجته التائبة معه حواء, واستأنفا معاً مرحلةً جديدة من حياتهم يتنافسان فيها على طاعة الرحمَن ونبذ الشيطان, وقد ضرب الله في قصة آدم وحواء مثلاً مفيداً للأزواج من بعدهم, بأن الطمع واستعجال النِعم وقلة القناعة بما قدرهُ الله لهم من رزق, سبباً في زوال النِعمة وفقدان السكينة ومحق البركة.

 فتنة النساء والشيطان
لقد حذرت آيات القرآن وأحاديث النبي العدنان -عليه الصلاة والسلام- من فتنة النساء والشيطان أيما تحذير , قال عليه الصلاة والسلام : {ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء} .
ومن عموم البلوى وشِدة الأثر الذي يدخل إلى نفوس الرجال عند وقوع أعينهم على النساء, فقد شَبَهَ -عليه الصلاة والسلام- هيئة المرأة حين إقبالها وإدبارها في الطُرقات والأسواق بهيئة الشيطان, كما جاء في صحيح مسلم عن جابر أنه قال : {‏أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏رأى امرأة فأتى امرأته ‏‏زينب ‏‏وهي ‏تمعس ‏‏منيئة ‏‏لها ‏‏فقضى حاجته ‏ثم خرج إلى أصحابه فقال ‏: ‏إن المرأة تُقْبل في صورة شيطان ‏وتُدْبر ‏في صورة شيطان فإذا أبصر أحدكم امرأة ‏‏فليأت أهله ‏‏فإن ذلك يرد ما في نفسه} . تمعس منيئة : تدلك جلد مدبوغ .
[قال العلماء : معناه : الإشارة إلى الهوى والدعاء إلى الفتنة بها لما جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء , والالتذاذ بنظرهن , وما يتعلق بهن , فهي شبيهة بالشيطان في دعائه إلى الشر بوسوسته وتزيينه له . ويستنبط من هذا أنه ينبغي لها ألا تخرج بين الرجال إلا لضرورة , وأنه ينبغي للرجل الغض عن ثيابها , والإعراض عنها مطلقا] ‏شرح النووي .

فإذا أقبلت المرأة بوجهها أو أدبرت بظهرها من أمام الرجال , أقبل معها الشيطان وأدبر حتى يُلقي في نفس الرجل أن انظر إلى عورة كذا وكذا من جسمها وجمالها , وكلما زاد جمال المرأة وفسقها وتبرجها , زاد سلطان الشيطان على قلب من يوسوس إليه من بني الإنسان من الرجال ليفتنهُ عن الخير والحلال , وحتى إن قدر الله وقوع نكاحاً شرعياً من زائغ النظرات , فإن الأمر يبقى محفوفاً بالمخاطر وقلة البركات , فما بُني على الشهوات تهدمهُ السنوات , فالجمالُ يبلى مع مرور الأيام والأوقات ولا تبقى منهُ سوى الصُور والذكريات. 

وكما قال الشاعر:
كُل الحوادث مبداها من النظر ومُعظم النار من مُستصغرِ الشَررِ
والمرءُ ما دام ذا عينٍ يُقلبها في أعين الغيدِ موقوفٌ على الخطرِ
* الغيد:ِ الحِسَان.

- قال تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا 117}.
كما ذكرتُ سابقاً فإن اقتران لفظي (الإناث) و (الشيطان) معاً في هذه الآية الكريمة من سورة النساء, لعلهُ يدلنا على التداخل والتفاعل بينهم بما قد ينجم عنهُ فساد الذرية والدين والخُسران المُبين.

- { لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا 118}
[قال ابن كثير: أي مُعيناً معلوماً مُقدراً, قال قتادة: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار, وواحد إلى الجنة] مختصر تفسير ابن كثير.
وفيما يتعلق بالنساء على وجه الخصوص, فإن سِهام الشيطان مقدرٌ لها أن تُصيب تسعةٍ وتسعُون امرأة من كل مئة , لما رواهُ الطبراني من حديث أبي أُمامة عن رسول الله -صلى اللهُ عليه وسلم- أنه قال : {مثل المرأة الصالحة من النساء كمثل الغراب الأعصم في مائة غراب} . 
الغراب الأعصم : هو الذي أحد رجليه بيضاء , أو يكون أحمر المنقار والرجلين وهو نادر وقليل بين الغربان , ومنه سُميت المرأة "بالعصماء".
فإذا كان لا يصلُ إلى تمام الصلاح ويَسلم من سِهام الشيطان سِوى امرأة واحدة من كل مئة امرأة, فهذا يعني أن التسعة وتسعون امرأة المتبقيات يتعرضن وبدرجاتٍ متفاوتة إلى سِهام الشياطين ونصيبهم المفروض من الجِنة والناسِ أجمعين.

ومن اللطائف الرقمية التي يمكن استنباطها من الآية الكريمة 118, هو أننا إذا قمنا بفصل أرقام العدد 118 على هذا النحو: [(8)(1)(1)], ثم قمنا بجمع الرقم (8) مع كلاً من رقمي (1): [(8+1)(8+1)] =[(9)(9)] =[99], وإن العدد (تسعة وتسعون) الناتج عن هذه العملية يُمثل -كما أشار الحديث- القدر المعلوم من النساء اللواتي تُصيبهن سهام الشيطان من كل مئة, وذلك بموجب العهد الذي قطعهُ الشيطان في حضرة الرحمن, بقوله في الآية الكريمة 118 من سورة النساء: { لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا }.

- { وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا 119}.
[قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ في قولهٍ تعالى " وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْق اللَّه .. 119" يَعْنِي بِذَلِكَ الْوَشْم , وَفِي الصَّحِيح عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ قَالَ : "لَعَنَ اللَّه الْوَاشِمَات وَالْمُسْتَوْشِمَات وَالنَّامِصَات وَالْمُتَنَمِّصَات وَالْمُتَفَلِّجَات لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَات خَلْق اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ قَالَ : أَلَا أَلْعَن مَنْ لَعَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في كتاب الله " ] مختصر تفسير ابن كثير.
والملعونات في هذا الحديث هُنَ النساء خاصةً ومن فعلَ مثل فعلِهِنَ من الرجال أو مَن عاونهُنَ على هذا المنكر مثل أصحاب مراكز الوشم والتجميل والعاملين بها, وكذلك المجتمع الذي سَمحَ بتفشي هذه الأحوال الكريهةَ فيه, وكُلٌ بقدرِ مُساهمتهُ بالإثم من فعلهِ أو الدعوة إليهِ أو ترك النهي عنهُ تلحقهُ اللعنة.

لطيفة العدد ستة
كنت قد ذكرتُ في الجزأين السابقين من البحث لطيفة خفيفة عن العلاقة الخاصة بين النساء والرقم ستة , وهي أن الرقم (ستة) يحتوي في أول حرفين منه على كلمة (ست) , وهي لفظ عامي لامرأة وجمعها (ستات) , والتاء المربوطة الباقية من كلمة (ستة) تستخدم للتأنيث أيضاً .
ومن ناحيةٍ أخرى فإن اللفظ الإنجليزي للرقم ستة هو Six , و لفظ هذا الرقم (Six) يشبه تماماً لفظ كلمة (Sex) الإنجليزية أيضاً والتي تعني جنس وإثارة,أي أن (النساء = ستة = Sex = Six = جنس).
وقد شرحتُ في الجزء الأول من هذا البحث أسباب الخصوصية الجنسية للمرأة مقدماً نماذج وبراهين دينية وعلمية , وسوف اعتمد في هذا الجزء من البحث على التفصيل الحرفي لكلمة (جنس) الناتجة عن معادلة النساء السابقة , حيثُ أننا سنجد أن كلمة (جنس) في أولها جنس الشيطان (جن), وفي آخرها (س) طبيعة النسوان :
- جنس = جن + س .

 الجن
أول حرفين من كلمة (جنس), والجن جِنسٌ ضد الإنس, وقيل سُميت بذلك لأنها تُتقى ولا تُرى.
وأما تسمية الشيطان فإنها تعني الهالك المُحترق, الذي من شأنهُ دعوة غيره إلى الهلاك والاحتراق, وهو كذلك العدو المُبعد عن رحمة الله, وهذه هي صفات إبليس الناري أول الهالكين على الله الباري.
وإن لقب الشيطان وإن كان في الأصل والأساس يعود على إبليس سيد غواية الجِنة والناس, إلا أنهُ ينطبق على عامة الفاسقين من الجِنة والناس أجمعين.
قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون 112} سورة الأنعام.

وقد خلق الله الجن من النار, وخلق الإنس من الماء والتُراب, والماءُ والتراب يُطفآن النار.
وإن آدم -عليه السلام- هو أصلُ الإنس وأولهم, وكذلك فإن إبليس – لعنه الله- هو أصل الجن وأولهم, وكما أن الجن والإنس مُتضادين في الجنس, فإن أصلهما إبليس وآدم مُتضادين ومختلفين في مقامهما من الله, فآدم -عليه السلام- هو نبي الله وإبليس الشيطان هو عدو الله, وكما قَدَرَ الله لآدم أن يَخْرُج من ذريتهِ كُفار وفاسقين, فقد قَدرَ سبحانه لإبليس أن يَخْرج من ذريتهُ أتقياء وصالحين, وقد أخطأ إبليس اللعين إذ رفع مقام النار فوق الطين, {قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتُك, قال أن خيرٌ منهُ خلقتني من نار وخلقتهُ من طين 12} الأعراف.
فقد جعلَ الله أعلى الأرض طيناً وأسفلها وباطنها ناراً وجحيماً, كما جعل سبحانهُ الجنة خضراء يانعة مُثمرة كوجه الأرض, وهي مآلُ آدم -عليه السلام- وأتباعهُ من الإنس والجان, بينما جَعَلَ -عَزَ سلطانهُ- جهنم ناراً حارقة مُفنية كباطن الأرض, وهي مآل إبليس اللعين وأتباعهُ من الجِنةِ والناس أجمعين.
وإن المنحة الوحيدة التي منحها الله لإبليس بعد معصيته, هي أنهُ جعلهُ من المُنظرين المُمهلين إلى يوم الدين, والمُتعة الوحيدة لإبليس في حياته هي غواية بني آدم وإفساد معيشتهُم, كما أخرج أبويهم من الجنة وزرع بينهم بذور الفتنة والعداوة, عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : {إن الشيطان يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه في الناس فأقربهم عنده منزلة أعظمهم فتنة ، يجيء أحدهم فيقول له ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا فيقول إبليس : لا والله ما صنعت شيئاً, ويجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله قال : فيقربه ويدنيه ويقول : نعم أنت ذاك تستحق الإكرام} (4).
 
س
وهو الحرف الباقي من كلمة جنس (جن + س), وحرف (السين) فيه مدلول خاصية يتفرد بها الشياطين , حيثُ يتطابق لفظُ حرف (السين) مع لفظ كلمة (Seen) الإنجليزية , وهي اسم مفعول مأخوذ من الفعل (see) والذي معناهُ (يرى أو يدرك).
يُقال أصابهُ "رَئِيٌ" من الجن أي مَسٌ منهم .  
وقد أجرى الله العادة بأن جعل للجن القدرة على رؤية الإنس وإدراك تحركاتهم وانفعالاتهم, بينما لم يجعل سبحانه من عادة الإنسان القدرة على رؤية الجان إلا من أذِن له الرحمَن.
قال تعالى : {يا بني آدمَ لا يفتنكمُ الشيطانُ كمآ أخرج أبويكم من الجنة ينزعُ عنهما لباسَهُما ليُريَهُما سوءاتِهِمَآ. إنهُ يراكم هو وقَبِيلُهُ من حيثُ لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أوليَآءَ للذين لا يؤمنون 27} سورة الأعراف . 
وقد استعمل شياطين الجن هذه الخاصية في ترصُدِ آدم وذريته في كل حركاتهم وأفعالهم حتى وهم بين يدي الله , رغبةً في آذاهم وفتنَتَهم وصرفَهَم عن الحق, فقد صلى النبي (صلى الله عليه وسلم) صلاة ثم قال : {إن الشيطان عرض لي فشدّ عليّ ليقطع الصلاة علي ، فأمكنني الله منه ، فَذَعَتـّهُ ، ولقد هممت أن أوثقهُ إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه ، فذكرت قول سليمان عليه السلام : رب اغفر لي وهب لي مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ، فردّه الله خَاسِيا } (5).
ذعتّه : أي خنقته , خاسيا : خاسراً .
وكما هو معلوم فقد خص الله نبيه سليمان –عليه السلام- بتسخير الجن والشياطين, وكان بمقدور الناس في مملكة سليمان رؤية الجان والشيطان.
وبعد ختم النبوات ببعث محمد –عليه الصلاة والسلام- فإن مسألة رؤية الجن والشيطان صارت محدودة للغاية.

قال تعالى : {.. ينزعُ عنهما لِباسَهُما ليُريَهُما سَوءاتِهِمآ...}
تشترك النساء مع الرجال في وقوعهم جميعاً تحت تأثير الشيطان وتحريضهُ لهم على هتك ثياب النفس (التقوى والإيمان), وثياب الجسد (اللباس والزينة), وذلك لإقحامهم في ظُلمات ارتكاب المعاصي والفواحش التي تخزيهم وتهتك ستر نفوسهم واطمئنان قلوبهم .
 وإن النساء أكثر عُرضةً من الرجال في الوقوع بفخ المصائد الشيطانية , ومن ضمن ذلك مصيدة معصية الله بالتعري وهتك اللباس الذي يستر سوءاتهن – عوراتهن-, ونستطيع أن نستنبط من كلمة (سوءة) نفسها هذه الحقيقة. 
حيث أن كلمة "سوءة" تضمُ في حروفها نصف أحرف كلمة (نساء), وهما حرفي (س , ء), كما أن معنى كلمة "سوءة" وهو "عورة" يضم أيضاً حرفين من حروف كلمة (امرأة), وهما حرفي (ر, ة),
ولا عجب في هذا التداخل بين حروف كلمتي (سوءة) ومعناها (عورة), وحروف كلمتي (نساء) و(امرأة), حيثُ أن جسد المرأة كُلهُ عورة إلا وجهها وكفيها وما دون الكعب من قدميها , حيثُ أباح بعض أئمة المسلمين كشفهم إذا أمنت المرأة الفتنة والسوء.
وعلى الجانب الأخر فإن كلمتي (سوءة) ومعناها (عورة) لا تضمان أي حرف من حروف كلمة (رجل), ولا عجب في هذا الانفصام مع حروف الكلمتين, حيثُ أن جسد الرجل ليس فيه عورةً سوى السبيلين (القُبل والدُبر).

قال تعالى : {وإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ 28} سورة الأعراف.
[قَالَ مُجَاهِد كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاة يَقُولُونَ نَطُوف كَمَا وَلَدَتْنَا أُمَّهَاتنَا فَتَضَع الْمَرْأَة عَلَى قُبُلهَا (فرجها) النِّسْعَة (خِرقة) أَوْ الشَّيْء وَتَقُول : الْيَوْم يَبْدُو بَعْضه أَوْ كُلّه وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلّهُ فَأَنْزَلَ اللَّه الْآيَة . وَكَانَ هَذَا شَيْئًا قَدْ اِبْتَدَعُوهُ مِنْ تِلْقَاء أَنْفُسهمْ وَاتَّبَعُوا فِيهِ آبَاءَهُمْ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ فِعْل آبَائِهِمْ مُسْتَنِد إِلَى أَمْر مِنْ اللَّه وَشَرْع , فَأَنْكَرَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَقَالَ رَدًّا عَلَيْهِمْ " قُلْ " أَيْ يَا مُحَمَّد لِمَنْ اِدَّعَى ذَلِكَ " إِنَّ اللَّه لَا يَأْمُر بِالْفَحْشَاءِ " أَيْ هَذَا الَّذِي تَصْنَعُونَهُ فَاحِشَة مُنْكَرَة وَاَللَّه لَا يَأْمُر بِمِثْلِ ذَلِكَ" أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ " أَيْ أَتُسْنِدُونَ إِلَى اللَّه مِنْ الْأَقْوَال مَا لَا تَعْلَمُونَ صِحَّته] تفسير الطبري.

 لقد كان التعري في زمان الجاهلية هو طقسٌ من طقوس العبادة عند المشركين, ولقد أصبح التعري في زمان العِلم والمعرفة مظهرٌ من مظاهر الرُقيْ والتحضر ومواكبة مُستجدات العصر, وفي الحقيقة فإن كُلاً من عُري الجاهلية وعُري الزمان المُعاصر لا يعدو كونه مظهر من مظاهر الكفر بالله والفسوق عن أمره, وترك العمل بما دعت إليه الشريعة من وجوب اتخاذ اللباس والزينة الساترة للعورات, قال تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ 26} الأعراف.
وبعد أن كان الناس في الجاهلية يُسيئون الظن بالله وينسبون لهُ - جل في عُلاه- عُريهم وفساد أمرهم , صار الناس في هذه الأيام يُبررون عُريهم وانحلالهم بالموضة التي منشأها بلاد الكفر والإلحاد, إلا أنهُ بقدر ما تزدادُ مجتمعاتنا العربية الإسلامية إقبالاً على استيراد وتقليد مظاهر الزينة والموضات التي في تلك البلاد, والتي تُخالف جوهر عقيدتها وروح شريعتها, بقدر ما يجعلها الله تحت وطأة مظاهر قوتهم وبأسهم الشديد , وللأسف فإن مجتمعاتنا بعيدة كل البُعد عن الجوهر الحقيقي الذي يُستحبُ فيه الانقياد والتقليد.

س = مَرْأة
كما قلنا في فقرة الجن, فإن لفظ حرف السين الباقي من كلمة (جنس) بعد فصل (جن) عنها, يشبه لفظ كلمة Seen الإنجليزية, والتي تعني مرئي و منظور .
وإن الرؤية صفة مرتبطة بشخصية المَرْأة بشكل عميق وتتطابق مع اسمها, حيثُ أن كلمة (رأى) تكاد تكون بمثابة الأصل الخفي والغائب لتسمية (امرَأة) بلفظها ومعناها. فإذا كتبنا كلمة (امرَأة) كما تُلفظ فإنها تصبح امرَأى (ام + رأى), وهذا هو الأثر اللفظي لكلمة (رأى) في كلمة (امرأة).
وأما الأثر المعنوي لها فإنهُ يكمُن في طبيعة المرأة الجسدية والتي تجعلها في مرمى نظر الرجال على الدوام, فنفس الرجل تتوق بالفطرة والغريزة إلى النظر إلى وجه المرأة ورؤية سائر مواضع جسمها, وذلك لحُسن خلقتها ونعومتها وملاسة بشرتها.
ولعلمها بما يحبُ الرجلُ أن يراهُ منها, نجد المرأة كثيراً ما تستعين بأختها في شجرة رأى "المِرْآة" , لتتراءى بها وتختبر جمالها وتصل إلى الهيئة المناسبة التي تحبُ أن تكون عليها (مرئية) من الآخرين, ويُقال امرأة حَسنة (المَرْآة والمَرْأى) كما يُقال امرأة حسنة المنظر والمنظرة.
فإذا أنهت المرأة زيارتها لأختها المِرآة غيرت قبْلتها واتجهت نحو أختها الكبرى في شجرة رأى "الرياء", ورياء المرأة هو حبها لإظهار جمالها وزينتها أمام الناس, لتشتهر بينهم بجمالها وحُسن هندامها, وإن مثل هذا الرياء لا بأس به إذا كان في مجالس النساء ومحارم المرأة خاصة, وأما إذا كان في ما حرم اللهُ عليها من التبرج والسُفور العبثي والعشوائي في الطرق والأسواق وأماكن الاجتماع بالرجال , فلا شكل في أنهُ سيكون عليها شرٌ و وبال في دنياها وآخرتها, وذلك لما قد تُصاب به من أذىً من عيون المُعجبين أو الحاسدين الذين قد يتمنون زوال جمالها وذهاب زينتها, ولما يُحرض عليه هذا السفور من طلب ودها بما حرم الله وممن لا مأرب لهم سوى قضاء وطرهم وشهوتهم, إضافةً إلى ما يتسبب بهِ التبرج من تشتيت أنظار الرجال وصرف قلوبهم عما آتاهم الله من الحلال, وفي ذلك فسادٌ عظيم للمجتمع ربما تصبح المرأة السافرة نفسها إحدى ضحاياه, وذلك إذا ما وقع زوجها أو حبيبها في شركِ امرأةً سافرةً أخرى تفوقها جمالاً وشباباً.
وبالإضافة إلى ذلك فإن النساء المتبرجات تُلقِين الحسرة في نفوس الرجال, لرؤيتهم ما لا يملكون التمتع به , قال الشاعر :
              رأيتَ الذي لا كله أنتَ قادرٌ عليه    ولا عن بعضهِ صابر

ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" صنفان من أهل النار لم أرَهُما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات ، مميلات مائلات ، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة ، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا " . قيل إنها مسيرة خمسمائة سنة .
وقد جعل الله جزاء أولاء النسوة الكاسيات العاريات اللواتي أشعنَ الفاحشة هو المنع من دخول الجنة, وكما كُن يستعطرنَ في الطُرقات ليجد الرجال طيب رائحتهن, فقد حرم الله عليهِنَ شم ريح الجنة الطيب وعبيرها الفواح.
ويسبقُ هذا الحرمان العظيم والعذاب الأليم في الآخرة , حرماناً من العافية والصحة في الحياة الدنيا عقاباً عاجلاً من الله جل في عُلاه , فقد قرأت بخط بعض العلماء والباحثين تحت عنوان "مرض يصيب المرأة المتبرجة" ما نصهُ : [لقد أثبتت البحوث العلمية الحديثة أن تبرج المرأة وعريها يعد وبالا عليها حيث أشارت الإحصائيات الحالية إلى انتشار مرض السرطان الخبيث في الأجزاء العارية من أجساد النساء ولا سيما الفتيات اللآتى يلبسن الملابس القصيرة فلقد نشر في المجلة الطبية البريطانية : أن السرطان الخبيث (الميلانوما الخبيثة) والذي كان من أندر أنواع السرطان أصبح الآن في تزايد وأن عدد الإصابات في الفتيات في مقتبل العمر يتضاعف حاليا حيث يصبن به في أرجلهن وأن السبب الرئيسي لشيوع هذا السرطان الخبيث هو انتشار الأزياء القصيرة التي تعرض جسد النساء لأشعة الشمس فترات طويلة على مر السنة ولا تفيد الجوارب الشفافة أو النايلون في الوقاية منه .. وقد ناشدت المجلة أطباء الأوبئة أن يشاركوا في جمع المعلومات عن هذا المرض وكأنه يقترب من كونه وباء, وإن ذلك يذكرنا بقوله تعالى : (وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ 32 ) سورة الأنفال].  

وإن تاجُ هذا التبرج المشين هو أن تصير المرأة الخارجة عن الحشمة, المُظهِرة لزينتها ومحاسنها أمام الناس, إماماً وباعثاً لغيرها من النساء والفتيات على تقليدها في سلوكها الشيطاني, قال تعالى :{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ 19} سورة النور .

* وقد عرف إبليس اللعين وأتباعه الشياطين أن نقطة ضعف المرأة تكْمُن في الرياء وحب الظهور , وأن نقطة ضعف الرجل تكمن في حبه للنساء , قال تعالى : {زُينَ للناس حب الشهوات من النساء والْبَنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب 14} سورة آل عمران .
قال سعيد بن المسيب رضي اللهُ عنه : " ما أيِسَ إبليس من أحد إلا واتاهُ من قِبل النساء" .
 لذلك فإن الشيطان يبدأ في نسج خيوطه وحبال فتنته على النساء لتكُنَ مدخلهُ إلى الرجال, وإن من ثمار العلاقات غير المشروعة والمبنية على ما حرم الله, هو خروج الذرية الفاسدة من الأبناء وأولاد الزنا, وبذلك يتحقق وعد إبليس في الانتقام من ذرية آدم -عليه السلام- . قال تعالى : {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا 62 قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا 63 وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا 64} سورة الإسراء .

- {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} : قال العُلماء هو الغِناء, والغناءُ هو أشدُ فتنةً وبلاء عندما تمارسه النساء سواءً كُنَ راقصات أو مغنيات, لما يصحبهُ من تعري و مُيوعة وتحريض على إتيان الفواحش.
وقد نهى اللهُ المرأة عن لين القول مع غير أهلها من الرجال , كما نهاهُنَ عن الصراخ بصوت عالي يلفت الانتباه إليهن ويستفزز مشاعر الرجال.
  
- {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِك}وهم جنود الشيطان خَيْالتهم ومُشاتهم . وأما جَلَبة المرأة فتكون بالتبرج والزينة والمشي بخُيَلاء والتمايل بالطرقات. 

- {وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ}: إن كل مالٍ يُكتسب من حرام أو يُصرف في حرام, وكل ذريةً نبتت من نكاحٍ حرام أو مما لم يُذكر اسم الله عنده, إلا شارك به الشيطان.

رفقاً بالقوارير
بعد هذا الفاصل من الخوض في بيان وجوهاً مختلفة من فتنة النساء والشيطان , ربما يكون قد تسرب إلى نفوس بعض النسوة شيئاً من الإحباط والتحامل على الكاتب.
وبالنسبة لي فأنا لا أحمل عداء خاص للنساء, وذلك لأن منهُنَ الأمهات والأخوات المؤمنات والفتيات الصالحات , بل إن للنساء سهمٌ عظيم فيما أنا عليه من نعمة العلم والدين.
وأنا أعتذرُ سلفاً عن أي خطأ أو إساءة وردت في هذا المقال دون علمٍ مني.
وبرأي فإن ذكر الصفات والتصرفات السيئة التي قد تصدر عن النساء بشكل عام, هو مفيد لهُنَ من ناحيتان: الناحية الأولى, هي أنهُ إذا وجدت المرأة في نفسها خصلةً من هذه الخِصال والسلوكيات السيئة , فإن ذلك يجب أن يكون مدعاةً لها على تزكية نفسها وتنقيتها من هذه الشوائب والأمراض. ومن ناحيةٍ ثانية, فإنه إذا لم تجد المرأة في نفسها شيئاً من هذه الخصال والأحوال , فعليها أن تحمد الله وتسألهُ الثبات, وتعتبر هذه المقالة تذكير لها بِما يجب عنه الابتعاد.
وإذا كنتُ قد ذكرتُ في سطور هذا المقال أنَ لفظ الإناث قد اجتمع مع لفظ الشيطان في آيةٍ واحدة , فإنهُ قد تكرر ذكرهُ مع لفظ الملائكة في كتاب الله أربعة أضعاف هذا العدد منها : قال تعالى : {أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون 150} سورة الصافات , وقولهُ تعالى : {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليُسَمُونَ الملائكة تسميةَ الأنثى 27} سورة النجم.

وأما عن النصوص الثابتة المتواترة عن النبي وأصحابهُ الكرام في شأن النساء, والتي سردتُ بعضاً منها في هذا المقال, فواجبٌ على كل مؤمن ومؤمنة بالله ورسوله أخذها بالتسليم والتصديق , حتى وإن خالفت اعتقاده وهى قلبه,  فإن أشكل عليهم فهمها فليسألوا العلماء والذاكرين قبل أن يرتابوا وينسلخوا من الدين.    

وختاماً لهذا المقال أقول للرجال: إن المرأةُ مخلوقةٌ فيها ضعف واعوجاج بطبيعتها , وهي بحاجة إلى دوام النصيحة والإحسان من أولياءها, وإلى صِلتَها وتعليمها وتربيتها , وذلك حتى لا يتمكن هذا الضعف والعَوَج من نفسها فتطغى , عن أبي هريرة رضي الله عنهُ , قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : {استوصوا بالنساء خيراً , فان المرأة خلقت من ضلع أعوج , وإن أعوج ما في الضلع أعلاه , فإن ذهبت تُقيمه كسرته , وإن تركته لم يزل أعوج , فاستوصوا بالنساء} (6).
ورغم هذا العوج فلا يجوز للرجال أهانت النساء وإتباع الظنِ السيئ فيهنَ , عن جابر رضي الله عنهُ قال : {نهى رسول الله إن يطرق الرجل أهله ليلا , وأن يتخونهم , أو يلتمس عثراتهم}.
وعن سليمان بن عمرو بن الأحوص قال : حدثني أبي : إن رسول الله قال : {استوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عَوان عندكم , ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك , إلا إن يأتين بفاحشة مبينة , فان فعلن , فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح , فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا , ألا إن لكم حقا , ولنسائكم عليكم حق , فأما حقكم على نسائكم : فلا يوطئن فرشكم من تكرهون , ولا يأذنَ في بيوتكم لمن تكرهون , ألا وحقهن عليكم : أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن}.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى الله على خير المرسلين, نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الهوامش:
1- كتاب: جامع البيان في تأويل القرآن, المشهور بتفسير الطبري, الخبر 745.
2- تفسير الطبري, الخبر 749.
3- تفسير الطبري, الخبر 14411.
4- رواه الإمام مسلم من حديث الأعمش.
5- رواه البخاري ومسلم .
6- رواه البخاري ومسلم.


مواضيع ذات صلة على الروابط التالية:

معالجة رقمية للنجاسات النسائية

    
* نُشر لأول مرة في مدونة المسبار السحري بتاريخ 21-11-2007
 فكرة وإعداد : م.وليد القراعين.