‏إظهار الرسائل ذات التسميات أشراط الساعة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أشراط الساعة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 16 مارس 2013

الأعور الدجال بالصورة والمثال


بسم الله الرحمَن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد ؛  بتوفيق من الله الواحد الأحد, الفرد الصمد, تمكنا في الجزء الأول من بحث (فتنة الديجيتال العظيمة) من وضع النقاط على الحروف في سبيل بيان أسرار العلاقة والارتباط بين النظام الرقمي (الديجيتال) وبين المسيح (الدجال), وبعون الله فقد تم إخراج (الدجال) ومن معه من شيطان ٍ ومحتال من مخبئهم الخفي خلف سِتار (الديجيتال) , وقد رأيتُ أنه من الواجب عليَ أن أضرب بعض الأمثال ليتسنى لنا من خلالها التأكد من صحة ما قد قيل عن العلاقة بين (الدجال) و (الديجيتال).
 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : {ما من نبي ٍ إلا أنذر أمته الأعور الكذاب , ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور ومكتوب ٌ بين عينيه كافر , ثم تهجاها ك ف ر يقرأهُ كلُ مسلم} أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.  

المثال الأول: دعوة الدجال
قال تعالى : {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا 103الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا 104 أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً 105} من العشر الأواخر من سورة الكهف .

 تعتبر شركة إل جي إلكترونيك (LG Electronics) , واحدة من أشهر الشركات المنتجة للأجهزة الإلكترونية في العالم وأكثرها انتشارا.
ولو قمت بتدقيق النظر في الشعار الرسمي لهذه الشركة في أسفل الفقرة , فإنك سوف ترى صورة وجه إحدى عينيه ممسوحة – تحديداً العين اليُسرى-, وقد سُمي الدجال ڊ (الأعور أو بالمسيح) لأن إحدى عينيه عوراء أو ممسوحة , هذا على المستوى الحِسي, ومن الناحية المعنوية فقد سُمي بذلك لأن الله اقتلع الإيمان ومسحهُ من قلبه, فهو ميت القلب شأنه شأن هذه الآلات الصماء التي لا قلب لها ولا حس.
قال تعالى: {ومَثلُ كلمةٍ خبيثة كشجرة خبيثة اجتُثت من فوق الأرض ما لها من قرار 26} سورة إبراهيم.
ثم إنك لتقرأ بين عينين هذا الوجه الحروف الثلاثة (د ج ل) والمكتوبة باللغة الإنجليزية (d G L  ), حيث يبرز حرف اللام (L) بوضوح على شكل أنف بين كلتا العينان السليمة والممسوحة. ويظهر بمحاذاته من الأسفل  حرف الدال (d) الحرف الأخير من كلمة (Good) والذي يتمركز في الوسط تماماً بين العينين. وأخيراً حرف الجيم (G) الذي يبرز على شكل إطار يبدأ من فوق العين السليمة, ماراً من أسفل الأنف, إلى تحت العين الممسوحة.
وبهذا تُكشف ملامح وجه (الدجال) ويتحقق كلام المصطفى خير الرجال , وينطبق الوصف على المثال, ويحق الابتهال لنجعل لعنة الله على كل كافرٍ مُتعال .
عن حذيفة بن اليمان , رضي الله عنه , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : {لأنا أعلم بما مع الدجال منه , … , وإن الدجال ممسوح العين , عليها ظَفَرةٌ غليظةٌ – المراد أكبر فتنة وأعظم شوكةمكتوب بين عينيه كافر , يقرأُهُ كلُ مؤمن كاتب وغير كاتب}. أخرجه الإمام أبو الحسين مسلم في صحيحه .
قال تعالى : {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينِات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير  72} سورة الحج .

ثم لنتأمل بعد ذلك في جملة الشِعار المكتوبة حول هذا الوجه تطوقه تطويق الأغلال للأعناق , (Life’s Good) والتي تعني أن (الحياة جيدة وملائمة), فإننا نجد أن هذه الجملة بتحليل وتحوير بسيط في حروفها , وذلك باستبدال الحرف (F ) الذي في كلمة (Life’s ) بالحرف (K ) لتصبح (Likes), وبالمناسبة فإن الحرف (K ) الذي قمنا بإضافته يعادل حرف الكاف (ك) باللغة العربية والذي يستخدم في التشبيه, مثلاً : (أحمد كمحمد في حُسن خُلقه).
ثم إننا إذا قمنا بحذف إحدى حرفي (O) من كلمة (Good) فإنها تصبح (God) بمعنى (إله), وهكذا فإن جملة (Life’s Good) بعد إجراء هذه التعديلات الطفيفة على حروف كلماتها تصبح (Likes God), وفي قاموس اللغة الإنجليزية (1) ثمة كلمة مركبة بمعنى هذه الجملة وهي: (Godlike), وتعني: شبيه الإله, له صفات الإله, إلَهي.
سبحانه الواحد الأحد, الفرد الصمد, تعالى عما يشركون علواً كبيراً, {… ليس كمثله شيء وهو السميع البصير 11} سورة الشورى.

وإن هذه الكلمة (Godlike) لحقاً هي شعار دعوة (الأعور الدجال), وهو شعار يحمل معاني الشرك والكذب والعار, تصديقاً لما جاء في حديث أبي أُمامة الباهلي , قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم , فكان أكثر حديثاً حدثناهُ عن الدجال , وحذرنا , فكان من قولهِ أنه قال : {… فإني سأصفه لكم صفةً لم يصفها إياهُ نبي قبلي , إنه يبدأ فيقول : أنا نبي . لا نبي بعدي , ثم يثني فيقول : أنا ربكم , ولا ترون ربكم حتى تموتوا , وأنه أعور وأن ربكم ليس أعور ,…} رواه ابن ماجة في سننه.

وإن من جُملة سيئات هذه التقنيات والوسائل الحديثة بصورةٍ عامة, أنها صارت معبودة كثيرٍ من البشر , وضربت على قلوبهم بالغفلة عن الذكر , وألهتهم آلاتهم عن طاعة إلَههم, وصارت عندهم هذه (الآلات) الصماء بمنزلة أصنام (اللات) عند قريش, وشغلتهم هذه الآلات عن الشريعة والدين, وأُشْرِبوا حبها في قلوبهم كما أُشرب بني إسرائيل حب العجل الجسيم , و أدمنوها فظلوا لها عاكفين. قال تعالى: {أرأيت من اتخذ إلههُ هواهُ أفأنت تكون عليه وكيلاً 43} الفرقان.
وإني أقول لمثل أصحاب الهوى هؤلاء بحرفي (F) و (O) اللذان حُذفا من جملة (Life’s Good) قوله تعالى في كتابه الكريم:{أُفٍ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون} سورة الأنبياء.
وفي ختام هذا المثال نكون قد عاينا صورة الأعور (الدجال), وعرفنا شعار دعوته الكاذبة, وذلك من خلال إحدى صور وشعارات شركة إل جي الشهيرة في صناعة أجهزة (الديجيتال).  

المثال الثاني: اسم الدجال
قال تعالى : {الذي خلق سبع سماواتٍ طباقاً ما ترى في خلق الرحمَن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور 3 ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصرُ خاسئاً وهو حسير4} سورة الملك .

ثم أننا إذا قمنا بأخذ المزيد من النماذج للشعارات الخاصة بشركة (إل جي) التي تعتبر علامة تجارية بارزة في إنتاج الأجهزة الإلكترونية على مستوى العالم , فإننا سوف نزداد يقيناً بأن هذه العلامة التجارية في صورتها الخلفية ذات دلالات وإسقاطات (دجالية), حيث أننا نجدُ مكتوباً في الشعار أدناه أسفل صورة الوجه ذو العين الممسوحة كلمة (Digitally), وإن لفظ هذه الكلمة الإنجليزية (ديجيتالي) بعد حذف حرفي (الياء والتاء) منها يصبح (دجال).
وبهذا تتطابق الكتابة مع الصورة المرسومة فوقها, ليُعبرا معاً عن ذات الرمز والشخصية وهو (الأعور الدجال).

المثال الثالث: جنس الدجال وصفته
قال تعالى : {قال عفريتٌ من الجن أنا آتيك بهِ قبلَ أن تقومَ من مقامك وإني عليه لقويٌ أمين 39} سورة النمل .

 وأخيراً وليس آخراً , فإن الدجال حتى وإن لم يكن جنياً كاملاً في خَلقِه , فهو من الجن في خُلُقه وتصرفاته في الأرض , فهو أخو الشياطين والولد المطيع لإبليس اللعين.
عن جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {يخرج الدجال في خفقة * من الدين} وذكر الدجال, ثم قال: {ثم ينزل عيسى, فينادي من السَحَر, فيقول: يا أيها الناس, ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذاب الخبيث؟
فيقولون: هذا رجلٌ جني.
فينطلقون, فإذا هم بعيسى ابن مريم -عليهما السلام- فتقام الصلاة, فيُقال لهُ : تقدم يا روح الله.
فيقول: ليتقدم إمامكم فليُصل بكم. فإذا صلوا صلاة الصبح خرجوا إليه.
قال: فحين يراه الكذاب ينماثُ * كما ينماث الملح في الماء} أخرجهُ الإمام أحمد بن حنبل في (مُسنده).
* خفقة: أي في حال ضعف من الدين وقلة أهله, من خفق الليل: إذا ذهب أكثره, أو خفق: إذا اضطرب, أو خفق: إذا نعس. * ينماث: يختلط ويذوب.

وقد جاء في الأحاديث الصحيحة الدالة على فتنته , أخباراً عن تسخيره للجن والشياطين التي تسعى بين يديه ومن خلفه , تجر وراءه كنوز من ذهب وتتشكل حسب الطلب, كما جاء في الحديث الطويل الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه , عن النواس بن سمعان - رضي الله عنه-: { … ويمر بالخربة – أي الدجال – فيقول لها : أخرجي كنوزك , فتتبعه كنوزها كيعاسيب النخل...} .
 وفي الحديث الآخر عن أبي أُمامة الباهلي { .. إذ أن من فتنته أنه يقول لأعرابي : أرأيت إن أبعث لك أباك وأمك أتشهد أني ربك ؟ فيقول نعم , فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه , فيقولان يا بني اتبعه فإنه ربك ..} سنن ابن ماجة.

ومرة ثالثة سوف نكون على موعد متجدد مع إحدى شعارات شركة (إل جي), لنستنبط من خلاله المزيد من الدلالات والإشارات الخفية, التي تؤكد وجود علاقة وشراكة سرية بين الأعور (الدجال) وعالم (الديجيتال).

فلو نظرنا إلى الجملة المكتوبة حول العين الممسوحة: (Life’s Genie), والتي تعني لفظياً أن (الحياة جني وعفريت). ولعل المعنى الذي ترمي إليه شركة (LG) من خلال هذه الجملة هو أن الاستفادة من تقنيات وأجهزة الديجيتال الحديثة تجعل حياتك سريعة ومريحة , لأن هذه التقنيات المتطورة تشبه العفريت الذي يحقق لك أمنياتك , ويُلبي لك طلباتك, ويخفف عنك أزماتك , ويجوب بك العالم وأنت في مكانك لا تزال قائم , تبيع وتشتري , تحب وتزدري.

وأما المعنى الذي قد نستشفه نحن من جُملة الشعار هذه, فإنه يتمركز على محورين , المحور الأول هو أن صورة الشعار كما ذكرنا ترمز إلى صورة وجه (الأعور الدجال), والمحور الثاني هو أن الجملة المكتوبة على يسار الصورة (Life’s Good) كما في تحليل المثال الأول تصبح ( Godlike أو Likes God) وتعني (شبيه الإله), وبالتالي فإننا عند جمعنا بين هذه القرائن الثلاثة المستخرجة من الشعار, وهي: أولاً كلمة (جني) الواردة في جملة (Life’s Genie) , وثانياً كلمة (Godlike) المستخرجة من جملة (Life’s Good), وأخيراً صورة الوجه ذو العين الممسوحة أسفل هذه الجُمل, فإننا نجد أن هذه القرائن جميعها تجتمع في شخصية واحدة وتدل عليها, وهي بكل تأكيد شخصية (الدجال الأعور), الذي كأنما هو شيطانٌ من الجآن, يدعي الإلوهية, وهو أعور العين.
 
وإذا ركزنا على موضوع هذا البحث وهو تقنيات (الديجيتال), فهي كما وضحنا في الجزء الأول من البحث, بابٌ واسع وجد (الدجال) وأعوانهُ مدخلاً لهم على بني آدم من خلاله, وآثارهم وفِعالهم الرديئة واضحة في كل مثال , ولعل سبب هذا الوضوح هو اقتراب ساعة خروج الدجال , أعاذنا الله والمؤمنين من فتنته ورزقنا تعالى قربه ومحبته. ومما لا يخفى عليكم ما تم فتحه مؤخراً على الستلايت من قنوات تختص بمسائل الجآن والسحر وقراءة الطالع والتنجيم, فُتح معها على الأمة بابٌ للفتنة عظيم, بالإضافة إلى ما لا يخفى عليكم من قنوات البغاء والإغراء والرقص والغناء, وقنوات الثقافات الإلحادية والشطحات الفكرية والمذهبية, والانحرافات الأخلاقية والسلوكية, وحدث ولا حرج.      

من ناحيةٍ أخرى …
 لو أننا أثرنا فضولنا قليلاً حول صورة الوجه المُبين في الشعارات أعلاه , فإننا سوف نجد أن هناك ثمة فرق بسيط بين هذه الصورة وبين صورة الدجال كما جاء وصفها في الأحاديث النبوية وروايات الصحابة والتابعين -رضوان الله عنهم أجمعين- , فعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما- قال :  قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : {إن الله لا يخفي عليكم إن الله تعالى ليس بأعور , وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى , كأن عينه عنبة طافية} متفق عليه.
والفرق هو أن صورة الوجه الذي في الأمثلة السابقة ممسوحة العين اليُسرى , بينما هي ممسوحة العين اليمنى كما في هذا الحديث وغيره من الروايات الأخرى.
وأنا أقول : هذا كلام صحيح, إذ أن الصورة البادية في الشعارات المبينة في الأمثلة السابقة لا تمثل صورة طبق الأصل للأعور الدجال, ولكنها مُجرد علامةً ودلالة ملحوظة يسرها الله سبحانه وتعالى بحكمته ولطفه إلى عباده المؤمنين, لعلهم يهتدون من خلالها إلى استشفاف أمر الدجال الأعور وأعوانه الفاسقين, وليستبينوا سبلهم في الدخول على بني آدم من باب تقنيات (الديجيتال), وليأخذوا حذرهم ويستعدوا لمواجهتهم بحفظ سورة الكهف العشرة الأوائل منها الأواخر.

ومن هنا, لعلنا نجد في هذا الاختلاف البسيط بين تركيبة هذه الصور وبين الكلام الذي جاء في وصف صورة (الدجال الأعور), مخرجاً لنا من الوقوع في الحرج مع هذه الآلات الصماء , التي صنعتها أيدي بني الإنسان , ثم عَمدَ الجاهلون منهم إلى تحريف لفظها فجعلوها تقنيات (الدجال) بدلاً من (الديجيتال), واختاروا بجهلهم وشقاوتهم أن يوظفوها في سبيل الشيطان , وانصاعوا فيها لأمر غرائزهم وشهواتهم حتى تحولت هذه الوسائل إلى نقمتهم وفاقتهم.
وأما عباد الله الصالحين وأصحاب الفطرة السليمة والمتفكرين , الذين صبروا على الأذى الصادر إليهم عبر هذه الوسائل والآلات , وخالفوا نفوسهم وما تشتهيه من فتن ٍ وملذات , فقد شرح الله صدورهم وكف أيدي المارقين عنهم , فدرسوا آثار الفتنة , وكشفوا حنادس الظلمة , وحولوا المحنة إلى منحة , واللأواءُ إلى نعمة , وسخروا هذه الآلات في طاعة الله والدعوة إلى سبيله , واستعملوها في قضاء حوائجهم وتحقيق غاياتهم دون سَرفٍ أو تبذير , فصار (الديجيتال) عندهم على غير الحال , منابر من نور , ونبراساً ينير لهم الطريق, ويفتح أمامهم أبواب العلم والمعرفة , والكسب والمنفعة , والتسلية والترويح عن النفس, فلا بأس .
قال تعالى : {إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا} سورة الإنسان . 

 وقد صح عن حذيفة بن اليمان , صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  أنه كان يقول : {كان الناس يسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الخير , وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه} .
ولهذا تجدني قد ركزت على مكامن الفتنة والشر في هذا الأمر – أي وسائل الديجيتال-  وذلك خشيةً على نفسي وعليكم إخواني من الوقوع في المحظور , ولا يخفى علي ما في هذه الوسائل والمخترعات من منفعة ونعمة لم ينعُم بها الناس من قبل , منحةً من الله لكل صاحب عقل .
وقد صار العَالِم في هذه النعمة محظوظ كأنما فُتِح له اللوح المحفوظ , وذلك لما يسرتهُ  من سُبل جمع العلم والمعرفة والوصول إليها باسها الطُرق.
ولقد أجاب الخليفة الفاروق -رضي الله عنه- حين سُئل: (أتوشك القرى أن تخرب وهي عامرة ؟ قال إذا علا فجارها على أبرارها وساد القبيلة منافقوها) رواه أحمد .
وللأسف وكما تعلمون فإن الفساد الذي أصاب الأمة الإسلامية والمجتمع الإنساني عامة عبر هذه الوسائل والتقنيات الحديثة, يفوق الفائدة والمنفعة التي ترتبت على ظهورها, قال تعالى: {وما أكثر الناس ولو حَرصت بمؤمنين 103} يوسف. وقال تعالى: {وإن تُطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله. إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون 116} الأنعام. يخرصون: يكذبون.
ولطالما كان هذا هو حال الدنيا في مُعظم الأوقات, نجدها يكثرُ فيها المفسدون ويقلُ المصلحون, إلى أن يأتي زمان لا يبقى على ظهرها إلا شرار الخلق, يتهارجون فيها تهارج الحُمر الوحشية, ولذلك جعل الله هذه الدنيا دار فناء, وحكم عليها سبحانه وأهلها بالزوال وعدم البقاء.  
 وبالرغم من هذا الفساد والاستبداد الغالب على طبائع كثيرٍ من الخلق, فإن ثمة هناك بوارق أمل تُصنع بأيدي خيار البشر, قال تعالى:} وإن جندنا لهم الغالبون{173   سورة الصافات.
وها نحن قد بدأنا نلمس الآثار الحسنة لتسخير الأدوات التقنية الحديثة في سبيل رفعة ومنفعة الفرد والمجتمع, وعلى الرغم من قلة عددها وإمكانياتها, فها هي قنواتنا الفضائية الإسلامية ومواقعنا الالكترونية قد شرعت بالانطلاق, وها هم روادها الصالحين ودعاتها المهديين قد رفعوا سيف العدالة لإحباط مخططات الخائنين , ينشرون الفضيلة بين رُكام الرذيلة , ويطمسون البدعة فاضحين لكل خدعة .
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : {لا تزال طائفةً من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم , حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال} . قال معاذ بن جبل : {وهم بالشام} . أخرجه البخاري ومسلم , في صحيحيهما .
وأقول : وهو بالشام أيضاً , إذ أن قبره- معاذ بن جبل رضي الله عنه- في غور الأردن في بلاد الشام .

* تنبيه : هذا البحث ليس تعريضاً بشركة (إل جي إلكترونيكس) , وأنا لا أدعوا إلى مقاطعتها, فهي واحدة من أفضل الشركات المنتجة للأجهزة الإلكترونية في العالم , ومنزلي يحتوي على أجهزة كهربائية عديدة من منتجات الشركة , وأغلب الظن هو أن أصحاب هذه الشركة والقائمين عليها لا يعون حقيقة ما يحملهُ شعار شركتهم من دلالات عقائدية وأخبار غيبية لها علاقة ڊ (الأعور الدجال), إذ أن الدأب عند هذه الشركة وغيرها من الشركات التجارية هو تحقيق الأرباح والرواج في الأسواق , أما الجوانب الأخلاقية والاجتماعية فهي من تخصص جهات ومؤسسات أخرى .

الهوامش:
(1)  قاموس (المورد) إنجليزي – عربي, الطبعة الثامنة عشرة 1984, لمؤلفه : منير البعلبكي.

شاهد الجزء الأول على الرابط التالي:

فتنة الديجيتال العظيمة


* نُشر لأول مرة في مدونة المسبار السحري بتاريخ 19-7- 2007
فكرة وإعداد: م. وليد القراعين 

فتنة الديجيتال العظيمة

  بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
  
أحمد الله تعالى – جل جلاله – وأصلي وأسلم على خاتم أنبيائه وخير خلقه , سيدنا محمد بن عبد الله النبي الأمي , الذي جعل الله له من دعوته حجة على نبوته , وبرهاناً ساطعاً على صدق رسالته , حيث أخبر عن الغيب الماضي فصدق , وأنبأ بالغيب المستقبل فتحقق.
أما بعد ؛ فإنه بالربط  بين العلم الحديث الذي عرفه الإنسان مع ما جاءنا من العلم القديم الذي أوحى به الرحمَن , نستطيع أن نعرف سر الأشياء وحقيقتها, فما هو يا ترى السر في الانعكاسات الخطيرة للتقنيات الحديثة على المجتمع الإنساني عامةً ؟

قال الشاعر: إن عصر العشرين ظنوك عصراً نير الوجه مُسْعِدَ الإنسان ... لست نوراً بل أنت ناراً وظلم منذ جعلت الإنسان كالحيوان.
   
ويتناول هذا البحث ما يُعرض للأمة في هذا الوقت من فتن وتقلبات , خاصةً تلك الفتنة الشعواء التي جرت في دماء الأمة عبر الوسائل والتقنيات الحديثة التي أنتجتها الحضارات الأجنبية, موضحاً بأمثلةٍ ونماذج عملية أسرارها الخفية وآثارها السلبية , ساعياً إلى كشف مساعي الشياطين الحثيثة في فتنة بني آدم عبر هذه الوسائل الحديثة, راجياً من الله الولي الحميد أن يجعل فيه السداد والتوفيق.

المقدمة
تقنيات متنوعة فمن الأطباق اللاقطة (وصورها اللائطة) إلى الخلويات (وكلامها الخلاوي) ثم الانترنت والكاميرات , بإضافاتها المختلفة التي تزيدها فتنةً وإغراءً , تنوع يوازي تنوع وسائل الشيطان في فتنة الإنسان , فدله بغرور إلى التلاعب في هذه التقنيات الصماء , فاتبعه الإنسان الجهول وبدل حروف (التقنيات) وحولها إلى (قينات) - الإماء المغنيات وغير المغنيات- , ينسى فيها كل شيء ويلهث وراء الفاتنات و الفاتكات.
 
قال تعالى :{ قال فبمآ أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم 16 ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين 17} سورة الأعراف . 
تشير الآيات الكريمة إلى أن الشيطان قد قعدَ لابنِ آدم في جميع طُرِقه ,قال قتادة: ((أَتَاهُمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا بَعْث وَلَا جَنَّة وَلَا نَار, وَمِنْ خَلْفهمْ مِنْ أَمْر الدُّنْيَا فَزَيَّنَهَا لَهُمْ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهَا, وَعَنْ أَيْمَانهمْ مِنْ قِبَل حَسَنَاتهمْ بُطْأَهُمْ عَنْهَا, وَعَنْ شَمَائِلهمْ زَيَّنَ لَهُمْ السَّيِّئَات وَالْمَعَاصِي وَدَعَاهُمْ إِلَيْهَا وَأَمَرَهُمْ بِهَا, آتَاك يَا اِبْن آدَم مِنْ كُلّ وَجْه غَيْر أَنَّهُ لَمْ يَأْتِك مِنْ فَوْقك لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحُول بَيْنك وَبَيْن رَحْمَة ربك)) .
وقد وجد الشيطان له في طريق التكنولوجيا الحديثة خيرَ مقعد , أراحَ عليه وأناخ , باضَ فيه وفرَخ , فمنذ اختراع الراديو والتلفون فُتِح مجالٌ جديد لسماع أصوات واستفزازات إبليس الملعون , ثم جاءنا بعد ذلك الفيديو والتلفزيون فتمثل لنا على شاشته أبناء وبنات إبليس الملعون بثوب الخلاعة والمجون , ثم الكاميرات والستلايتات والموبايلات التي فتحت علينا باباً واسعاً للويلات , ونهايةً بالإنترنت والحاسوب الذي أدمن الناس عليه القعود , ومنذ بداية هذه الثورة العظيمة في عالم الصوتيات والمرئيات ونار الفتن لا تزداد إلا تضرماً واستعاراً , ولا يزدادُ الأمرُ إلا شدةً ولا الأدبُ والأخلاقُ إلا إدبارً , لذلك سأُحاول في هذا البحث أن أضع النقاط على الحروف لفضح مخبئ الشياطين ومقعدهم خلف ستار أجهزة الديجيتال الحديثة.

 فتنة الديجيتال
 قال تعالى : {إنها لإحدى الكُبَر 35 نذيراً للبشر 36 لمن شاءَ منكم أن يتقدم أو يتأخر 37} سورة المدثر.

عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : {ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمرٌ أكبر من الدجال} رواه مسلم .

الديجيتال (Digital) كلمة لاتينية تعني نظام رقمي, ويعتبر الديجيتال (التقنية الرقمية) هو الرائد في التطور التقني المذهل والسريع لوسائل الاتصالات والالكترونيات الحديثة بأنواعها وأشكالها المتعددة , والتي تعتبر من أعظم ما اخترعه الإنسان وجعل زمانه الماضي في طي النسيان, وقد أصبحت هذه الوسائل بمتناول كافة شرائح المجتمع, الكبار والصغار , الأغنياء والفقراء , في المدينة والصحراء على حدٍ سواء , وقد ساهم هذا الانتشار الواسع لأجهزة الديجيتال بكافة أشكالها في تغذية ميول النفس الإنسانية الأمارة بالسوء , مما أدى إلى نشوء اضطراب اجتماعي صاحبه فوضى سلوكية وأخلاقية ملحوظة , وتبعهما انهيار سياسي وتسلط للأعداء , وظهرت في الأمة أحوال كريهة المنظر صعبة المراس , وأهوال أليمة المخبر وفتن الأحلاس -الفتن الدائمة- التي لم يسمع بمثلها من قبل.  
 
ولقد دفع عِظم هذه المُخترعات الحديثة وشدة خطورتها على ثقافة الناس وسلوكياتهم , العلماء الاجتماعيين ورجال الدين ودعاة الفضيلة في كافة الأرجاء وخاصةً في الدول الإسلامية, إلى صرف أعنَة العناية لتدارك الاستعمال الشيطاني لهذه الوسائل والأدوات الإلكترونية, التي وصل تطورها إلى حدٍ يصعب معهُ السيطرة عليها وضبط حدود استخدامها.

ولو تأملنا في لفظ كلمة (ديجيتال) هذه الكلمة التي صارت تقترن بجميع الأجهزة الإلكترونية المصنوعة حديثاً, فإننا نلاحظ أنها تواطئ -تشابه- كلمة (دجال), ولو حذفنا حروف (الياء والتاء) من كلمة (ديجيتال) فإننا نقرأها على هذا المنوال (دجال) ونتهجاها (د ج ل) , وهذه الحروف هي المكونة للجذر اللغوي (دَجَل) ومعناهُ كذب وهزل , وهذا هو لسان حال (الديجيتال) الذي خرج إلينا من بلادٍ لا تكاد تعرف الحرام من الحلال, وما تسبب به من فتنٍ وأوْجال.
وتصديقه لمقولة دوام الحال من المُحال, وإذا كان الدجال أعور العين فإن أجهزة الديجيتال قد أبدت العورات لكل عين , فهي مادتها الدسمة التي أدخلتها كثيراً من البيوت , وأطلقت العنان للإنسان ليكسر كل القيود , فصارت أجهزة الديجيتال مرآةً للأعور الدجال , مُمَهدةً الطريق لخروج هذا المحتال , بعد أن ضرب للناس كل الأمثال بالفساد والانحلال .

وقد أخبرنا سيد البشر محمد -عليه الصلاة والسلام وآله البررة الكرام- عن فتنة شر غائب يُنتظر, حيث لا يكاد ينجو أحد من شر هذه الفتنة في نفسه وأهله وولده وماله إلا من عصم الله , تأكلنا أكل النار في الهشيم , وتجري بنا مجرى السيل الجارف وتقطع منا الوتين .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : {ما من نبي إلا أنذر أمته الدجال الأعور الكذاب , ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور ومكتوب بين عينيه كافر , ثم تهجاها ك ف ر , يقرأه كل مسلم } . أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.

وإنه من النادر أن نجد في أحاديث النبي –عليه الصلاة والسلام- تهجي لكلمة من الكلام ولفظها بشكل متقطع, وباعتقادي فإن تهجي النبي -عليه الصلاة والسلام- لكلمة (كفر), ونطقها بشكلٍ مُتقطع (ك ف ر) ليس مجرد صدفة, بل إنهُ يؤكد ما ذهبت إليه في ربطي بين كلمتي (ديجيتال) و (دجال) ومطابقتهما لبعضهما في اللفظ والحال, وذلك أن الديجيتال (النظام الرقمي) هو نظام يستخدم الأرقام كقيم مُستقلة وغالباً ما يُشير إلى نظام العد الثنائي المعتمد على القيمتين (0) و (1), وكما هو معروف فإن الأرقام تختلف عن الحروف بأنها تكتب مُستقلة ومُنفصلة عن بعضها البعض (4321), بينما يمكن دمج الحروف وكتابتها في كلمة واحدة دون فاصل بينها (ك ل م ة = كلمة).
كذلك فإن النظام الرقمي (الديجيتال) يتميز عن الأنظمة الأخرى التماثلية بأنهُ يأخذ القيم في أزمنة متقطعة, والإشارة الرقمية هي إشارة متقطعة تأخذ قيم منفصلة فقط.
وبالتالي فإن تقطيع النبي – عليه الصلاة والسلام- لكلمة (كفر) وفصل حروفها (ك ف ر), يتشابه من حيث الدلالة مع النظام الرقمي (الديجيتال) الذي يستخدم الأرقام والإشارة المتقطعة ويتعامل مع القيم بشكل منفصل, وكأنه –عليه الصلاة والسلام- يريد أن يرسل رسالة إلى أهل الذكر والفكر في هذا الزمان, ينبئهم من خلالها بأن عصر (الدجال) ووقت خروجه واستعار فتنته يتزامن مع العصر الرقمي (الديجيتال) ويواكب تطوره وانتشاره.

ورغم هذا الإثبات والربط اللفظي والعلمي بين (الديجيتال) و (الدجال), إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن التقنية الرقمية (الديجيتال) والأجهزة التي تدخل في صناعتها هي (الدجال) ذاتهُ, وإنما هذه لعلها تكون مجرد إشارة ولمحة نورانية نبوية تُنبهنا إلى الفتنة المشهودة واليد الشيطانية المُمدودة من خلال هذه التقنيات والأجهزة الصماء, لعلنا نحذر عند استعمال هذه الوسائل الحديثة من الوقوع في مصائد ومكائد الشياطين والدجالين, نعوذ منهم بالله السميع العليم.

الديجيتال القرآني في الوقاية من الدجال الشيطاني
قال تعالى: {الم1} سورة البقرة.
إن هذه الآية ليست كلمة واحدة كما هي مكتوبة ولكنها عبارة عن حروف متقطعة تُقرأ كُلاً على حِدا على النحو التالي:{ألف, لام, ميم}, وهناك نماذج عديدة من سور القرآن الكريم التي تبدأ بمثل هذه الحروف المتقطعة, كقوله تعالى: {ق}, {يس}, {حم}, {المص}, وغيرها.
وقد اختلف المفسرون في الحروف المتقطعة التي في أوائل السور, فمنهم من قال: هي مما استأثر الله بعلمهِ فردوا علمها إلى الله ولم يفسروها, حكاه القرطبي في تفسيره, ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها كلٌ حسب فقههِ واجتهاده.
وفي ظل وصول البشرية إلى ذروة الإنجازات العلمية والصناعية التي تعتمد على التقنيات الرقمية (الديجيتال), وفي ظل الهجمة الشيطانية (الدجالية) الشرسة من خلال هذه الوسائل التقنية على أسماع وأبصار وأفئدة سائر أمم البشرية, فقد اخترتُ أن أفسر بعض هذه الحروف المتقطعة القرآنية التي تُبرْز هذه المكيدة الشيطانية وتقي من شرها أبناء البشرية.

* قال تعالى: {كهيعص 1} سورة مريم.
وتُقرأ هذه الآية على النحو التالي: {كاف, ها, يا, عين, صاد}.  
وتتقاطع هذه الحروف المتقطعة مع الحديث النبوي الشريف الذي رواهُ الإمام مسلم في (صحيحه), عن أبي الدرداء, رضي الله عنه,أنهُ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): {من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصِم من فتنة الدجال}.
وإن أفضل تفسيرٍ لآيات القرآن هو تفسيرها بالقرآن نفسه ثم بأحاديث المصطفى العدنان (عليه وآله الصلاة والسلام), لذلك فإنني سوف أستعين بهذه الوصفة النبوية للوقاية من فتنة الدجال, في فك هذه الشِفرة القرآنية من حروف الديجيتال (الحروف المتقطعة).
وفيما يلي خطوات وإجراءات بيان نقاط التقاطع والتشابه بين حروف آية {كهيعص} وكلمات ومضمون الحديث الشريف:
أولاً: نقوم بقسم ألفاظ حروف آية {كهيعص} من المُنتصف تماماً, بحيث يكون الحرف المتوسط فيها (يا), نصفه الأول (ي) مع القسم الأول, ونصفه الأخير (ا) مع القسم الأخير:
{كهيعص}= {كاف, ها, يا, عين, صاد}
            = {كاف, ها + (يا) + عين, صاد}
            = {كاف, ها, ي} + {ا, عين, صاد}.

ثانياً: سوف نتوقف الآن مع النصف الأول ونجري عليه بعض التعديلات لنستخرج ما فيه من دلالات.
{كاف, ها, ي}: نجري عملية تبديل أماكن بين حرف الألف (ا) الذي في وسط (كاف) وحرف (ھ) الذي في أول (ها), لنحصل على النتيجة التالية: {كهف, اا, ي}. والآن أصبح هذا النصف من {كهيعص} جاهزاً لاستخراج الدلالات المنطوية فيه, على النحو التالي:
* كهف: هو اسم السورة المذكورة في الحديث الشريف أعلاه, وهي السورة التي تأتي في ترتيب سور القرآن الكريم مباشرةً قبل سورة مريم التي في مقدمتها هذه الحروف المتقطعة, ومن أسرار وكرامات (الكهف) أن الله جعلهُ مخبئاً ومبيتاً لِ (حفظ) الفتية المؤمنين الذي فروا من ظُلم وسطوة الكافرين, وعلى رأسهم الملك الكافر مُدعي الإلوهية (دقيانوس).
ومن ناحية أخرى فقد جعل الله (الكهف) سجناً للمسيح الدجال الذي أُثر أنه محبوس ومُقيد بالأغلال في جوف كهف في جزيرة في وسط البحار.
ففي الحديث الطويل,عن عامر بن شرحبيل الشعبي, عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أنه قال:{... إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميمة الداري كان رجلاً نصرانياً، فجاء فبايع، وأسلم، فحدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم عن المسيح الدجال، حدثني أنه ركب في سفينة بحرية، مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهراً، ثم أرفأوا إلى جزيرة في البحر، حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر، لا يذرون ما قبله من دبره.
فقالوا: ويلك ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة.
قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم، انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق.
قال: لما سمت لنا رجلاً، فرقنا منها أن تكون شيطانة.
قال: فانطلقنا سراعاً، حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقاً، وأشده وثاقاً، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد.
قلنا: ويلك، ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟.......
قال: ...، وإني مخبركم عني، أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة، هما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحداً منهما، استقبلني ملك بيده السيف صلتاً يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها "}. أخرجه الإمام مسلم، في صحيحه.

* اا: الألف الأولى هي أول حرف من كلمة (أول), والألف الثانية التي تسبق حرف الياء مباشرة {اا,ي} هي أول حرف من كلمة (آية) وتدل عليها. وهكذا فإننا نحصل من هاذين الحرفين على دلالة كلمتي (أول) و (آية).

* ي: إن الرمز العددي لحرف الياء بحسب قاعدة حساب الجُمل المشهورة هو 10 (عشرة). 

ومع نهاية هذا التفصيل نكون قد استخرجنا من النصف الأول من حروف {كهيعص} دلالات الشق الأول من الحديث النبوي الشريف:
{كاف, ها, ي} = {كهف, اا, ي} = {مَن (حفظ) (عشر) (آيات) من (أول) سورة (الكهف)..}.

ثالثاً: من النصف الثاني من حروف {كهيعص} سوف نستخرج دلالات الشق الثاني والأخير من الحديث النبوي الخطير.
{ا, عين, صاد}: نبقي هذه الحروف على ترتيبها دون تبديل في أماكنها, ولكن نعزل حرف (ص) عن كلمة (صاد) كما يلي: {ا, عين, ص, اد}.والآن أصبح هذا النصف الثاني والأخير من {كهيعص} جاهزاً لاستخراج الدلالات المنطوية فيه, على النحو التالي:
* ا: هذا هو النصف الثاني من حرف (يا) الذي قسمناه في بداية الشرح مناصفةً بين شقي {كه(يا)عص}, وهو حرف (ألف) غير مهموز, وعند كتابتنا للفظ (ألف) بدون همزة فإنها تصبح (الف), وحروف (الف) تتطابق مع الحروف الثلاثة الأولى من كلمة (الفتنة), حيثُ أن أل التعريف في كلمة (الفتنة) هي أل قمرية, حرف اللام (ل) يُكتب فيها ويُُلفظ.
[ا, عين: كذلك فإن حرف الألف (ا) مضافاً إلى لفظ (عين) الذي بعده مباشرة, هو أول حرف من كلمة (أعور) التي تقترن دلالتها الحسية ڊ (العين), وكما جاء في صفة المسيح الدجال فإنه (أعور العين)].    
* عين, ص: إن حرف الصاد (ص) الذي بعد لفظ (عين), كأنهُ هو نفسهُ حرف الصاد (ص) الذي بعد حرف العين (ع) في كلمة (عُصِم), ومعناها وُقِيَ وحُمِيَ.
[ص, اد: كذلك فإن حرف (ص) مع الحرفين الأخيرين اللذان بعده (اد), يُمثلان على الترتيب أول وآخر حروف كلمة (صياد), وقد جاء في بعض الأحاديث النبوية وأقوال الصحابة ما يُشير إلى أن الدجال هو (ابن صياد), وهو رجلٌ يهودي عاش في المدينة المنورة وأسلم في زمن النبي (عليه الصلاة والسلام) وتوفي في زمن التابعين الكرام, وهذه المسألة مثارُ خلاف ولستُ ها هنا في خِضَم مناقشتها وبيانها.
ومن ضمن ذلك ما روي عن محمد بن المنكدر -رضي الله عنه- أنه قال: (رأيت جابر عبد الله يحلف بالله أن ابن صياد الدجال.
قال: فقلت: تخلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم).
أخرجه البخاري ومسلم، في صحيحهما.
وعن نافع، قال: كان ابن عمر، يقول: (واللهِ ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد).
أخرجه أبو داود، في سننه].     
* اد: (الألف والدال) أول حرفين من لفظ (الدجال) ويُدلان عليه, حيثُ أن أل التعريف في كلمة (الدجال) هي أل شمسية لدخولها على حرف (الدال) في أول الكلمة, وحرف اللام (ل) في أل الشمسية يُكتب ولا يُلفظ, والحرف الذي يأتي بعده مُباشرة يُشدد, أي أن كلمة (الدجال) هي كما نلفظها تكون محذوفة (اللام) مُشددة (الدال) على النحو التالي: (ادﱠجال).
ومع نهاية هذا التفصيل نكون قد استخرجنا من النصف الثاني من حروف {كهيعص}, دلالات الشق الثاني والأخير من الحديث الشريف:
{ا, عين, صاد}={ا, عين, صاد}={..(عُصِم) من (فتنة) (الدجال)}.

وأخيراً, فإن ورود هذه الحروف المتقطعة التي دلت على حديث الدجال والوقاية منه في (سورة مريم) ليس بمحض الصُدفةً, وذلك أن سورة مريم مذكورٌ فيها تفاصيل حمل وولادة مريم للمسيح الصدوق عيسى (عليهما السلام), وكما جاء في الأحاديث الصحيحة فإن المسيح ينزل في آخر الزمان ويقتل الأعور الدجال ويُخَلص الناس من فتنته وشروره.

لا شك في أن هذا التحليل للحروف القرآنية المتقطعة {كهيعص} يبدو فيه شيئاً من الغرابة والتكلُف, ولكن هذا لا ينفي ما يتضمنه هذا التحليل أيضاً من إشارات ومعاني تستحق التوقف عندها والتأمل بها.

سِحر الديجيتال
قال تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا (مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ 102} سورة البقرة.
(الطلاق التكنولوجي) ظاهرة جديدة برزت وانتشرت في عالمنا العربي, وليس المقصود من مُصطلح (طلاق تكنولوجي) هو أنهُ صار بإمكانك طلاق زوجتك من خلال رسالة قصيرة أو زيارة لموقع المحكمة الشرعية الإلكتروني, ولكن هذا المُصطلح يُطلق بشكلٍ عام على حالات الطلاق التي تحدث بسبب التفاعل السلبي لأحد الزوجين مع الأجهزة الإلكترونية الحديثة, وبشكل خاص تلك الفعاليات والبرامج والمواد الرديئة المُنتشرة عبر الوسائل التكنولوجية المختلفة – الستلايت, الموبايل, الكمبيوتر, الإنترنت, .. الخ- والتي يتم استخدامها ومتابعتها من قِبل أحد الزوجين أو كلاهما.
وقد أكدت العديد من الدراسات والإحصائيات التي أجُريت في عدد من الدول العربية على ارتفاع مُعدلات الطلاق فيها على نحو غير مسبوق, وأن نسبة كبيرة من حالات الطلاق تندرج تحت مُصطلح (الطلاق التكنولوجي).
ومن ضمن ذلك, أن يكون الزوج مدمن على المشاهد والصور الإباحية بطريقة تثير اشمئزاز زوجهُ منه, أو أن يكون أحد الزوجين مُغرمْ ببعض المشاهير من أهل الفن والغناء بصورة تثير مشكلة تنتهي بالخلاف والطلاق.
وفي بعض الأحيان يكتشف أحد الزوجين المغامرات العاطفية للطرف الآخر من خلال جهازه المحمول أو كمبيوتره الشخصي أو نشاطاته على بعض المواقع الإلكترونية, وهناك قصص كثيرة معروفة ومنتشرة في مجتمعاتنا نحن بغنى عن ذكرها.
وفي بعض الحالات فإن (الطلاق التكنولوجي) يكون ثمرةً للشكوك والأوهام, دون أن يكون هناك سوء استخدام وذنب حقيقي ارتكبه أحد الزوجان, أو ربما يقوم بعض أعداء الزوجان في استخدام الأدوات التكنولوجية في ضبط وتصوير الزوج في وضعٍ حَرج وغير مرغوب به, ثم يقوم بنشر هذه الصور وإطلاع زوجتهُ عليها للتفريق بينهما.
وإن لم يكن الطلاق هو الثمرة النهائية للنزوات الإلكترونية والنزعات الشيطانية لأحد الزوجين, فإن ما تتسبب به من اهتزاز في الثقة وانهيارٍ في القيم الأخلاقية والاجتماعية الأصيلة من شأنهِ أن يُضعفُ بُنية الأسُرة ويُقوض دعائمها, وهذا من عظيم الفتنة الصادرة عن وسائل التكنولوجيا الحديثة وسحرها الفتاك, والتي إنما تقع بوسواس من شياطين الإنس والجن وتدبيرهم الخبيث, وهؤلاء الشياطين هم جنود (الدجال) وأعوانه من قراصنة وسائل (الديجيتال), وهم الفيروس الذي يتعدى خطرهُ ضرب برمجيات الأداة التكنولوجية إلى ضرب برنامج حياة مستخدم هذه الأداة, وهم من يجب اتخاذ كافة وسائل وبرامج الحيطة والحذر للوقاية من خطرهم الداهم, روى الإمام مسلم من حديث الأعمش عن جابر عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: {إن الشيطان يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه في الناس فأقربهم عنده منزلة أعظمهم فتنة ، يجيء أحدهم فيقول له ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئاً, ويجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فَرقتُ بينه وبين أهله قال: فيقربه ويدنيه ويقول: نعم أنت ذاك تستحق الإكرام}.
وما ذاك إلا لإدراك إبليس بأن الأسرة هي نواة المجتمع الإنساني, وأن في تشتيت شملها تنمو بذور الخلاف والقطيعة بين الناس, وتقوى شوكة شياطين الإنس والجن في النيل من ثمار الأسرة وأطفالها الصغار, وجرفهم في دروب الانحراف والضياع, ونجدُ هذا المعنى الشمولي لنتائج النزاع والتفرقة بين الزوجان في بلاغة الشيطان وقوله: {ما تركتهُ حتى فرقتُ بينهُ وبين أهله}, والأهل هم الزوجة خاصة, وكل ما يلتحق بها من أبناء وأصهار وأقارب عامةً, لذا فإن الفِراق لا يقتصر على الزوجة, وإلا لقال الشيطان: (حتى فرقتُ بينهُ وبين زوجه), ولكن فراق الرجل لزوجتهِ يتعداها ليشمل الأبناء وأهل الزوجة وعشيرتها, بل وحتى أهل الزوج وعشيرتهُ في حال كانت الزوجة من عشيرة الرجل وقرابته, أو كان الرجلُ خاطئ ومُتعدي في أسباب فراق زوجته على نحوٍ يجعلهُ منبوذٌ في أهله.

وإن هذه الفتنة التكنولوجية لا تختص فقط بهدم العلاقات الأُسرية وتفريق الأزواج, ولكن شرها يمتد لشمل فئاتٍ ومناحٍ مُجتمعية أخرى مثل العُمال والمُوظفين, حيثُ يتسبب الاستعمال السلبي للأجهزة والبرمجيات التكنولوجية الحديثة خارج إطار العمل بتسريح العاملين من وظائفهم وحرمانهم من لُقمة عيشهم, وذلك عندما يُضيع الموظف وقت العمل في استخدام برامج مثل (المسنجر) و (فيسبوك) وغيرها, أو في إشباع نهمه من المشاهد الإباحية القبيحة خلال أوقات الدوام الرسمي, مما يدفع بمديريه إلى معاقبته وفصله, وللأسف فإن هذه القيود والعقوبات يتم فرضها وتطبيقها غالباً في الدول المتقدمة والشركات الكُبرى, وأما في دولنا العربية وكثيرٍ من مؤسساتنا الخاصة والرسمية فحَدِث ولا حرج, بل إنهُ ربما – من باب الدُعابة- يتم تسريح الموظف الذي لا يتعاطَ مع هذه البرامج والمواد, لاعتباره موظف شديد التحفظ وشاذ عن القاعدة وضعيف التفاعل مع التقدم التكنولوجي.
ورغم أننا لا نمتلك قاعدة تجارية وصناعية راسخة وقوية, إلا أننا نمتلك ثقافة دينية وأخلاقية أصيلة وتاريخية, يجب أن تكون حافزاً ومُحركاً لنا لضبط وتقيد سلوكياتنا ولجم شهواتنا, والذي لا يُقدِر ويحترم ربهُ ورسولهُ هيهات لهُ أن يُقَدر ويحترم رب عملهِ ومسئولهُ.

وإذا كان للسحرة والدجالين أسالبيهم في ابتزاز أموال الناس ومعرفة أسرارهم والولوج إلى خصوصياتهم, فإن لِسَحَرة الديجيتال أسالبيهم في استدراج الناس وإحراجهم وتهديد أمنهم المادي والاجتماعي, وذلك عندما يتم تسجيل أصواتهم وصورهم في ظروف وأوضاع غير لائقة, والأمثلة على ذلك كثيرة وتطال شريحة واسعة من عوام الناس ومشاهيرهم.
وقد تسببت الكاميرات وآلات التصوير بإحراجٍ كبير لمنظمي الحفلات غير المختلطة وخاصةً في منطقة الخليج العربي, وبرزت هذه المشكلة مع ظهور أجهزة الموبايل المتضمنة لتقنية التصوير والتسجيل, والتي يقوم باستخدامها بعض الحاضرات خلسةً في تصوير النساء المتبرجات بالزينة.  

قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 53} سورة الأنفال.     
وإن تطور الأدوات والوسائل التكنولوجية التي فتحت باب الفتنة والشهوات على مصراعيه, لم يَسْلب الناس استقرارهم النفسي والاجتماعي والوظيفي فحسب, ولكنهُ أدى إلى سلبهم وحرمانهم من الكثير من المُتع المُباحة التي كانوا يحصلون عليها مجاناً عبر هذه الوسائل فيما مضى.
وأبسط الأمثلة على ذلك, هو حرمان الشباب والجمهور العربي من المُشاهدة المجانية للبطولات الرياضية العالمية والمحلية, وذلك بعد أن تم شراءها وتشفيرها من قِبل الشبكات التلفزيونية والمحطات الفضائية.
فبعد أن اسْتَحَلت واستباحت شريحة واسعة من المُشاهدين رؤية ما حَرَمهُ الله من أعمال الزنا والفواحش وملئوا أعينهم من متعة المشاهد والصور الإباحية, حُرموا من متعة مُشاهدة ما كان متاحٌ لهم سابقاً من مُسابقات ودورات رياضية شهيرة ومحلية.
ولم تقتصر العقوبة الربانية على الحرمان, ولكنها تعدتها إلى المساواة بين كفتي الميزان, فبقدر ما ملأت الجماهير العربية أسماعها وأبصارها من الطرب والغناء ومشاهد الأجساد العارية واللقطات الإباحية على الشاشات الفضائية, بقدر ما ملأ الله هذه الشاشات بأصوات الصُراخ والبُكاء ومشاهد شلالات الدماء التي تنزف من أجساد أبناء الأمة العربية, وعلى أصداء الليالي الحمراء تأتي الليالي المُظلمة الدهماء, وبعد الفرح ونشوة الشهوات تأتي الأحزان والحسرات.
قال تعالى: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كُفرا وأحلوا قومهم دار البوار 28} سورة إبراهيم.

فبعد أن يُنهي الجناح الاجتماعي لتقنيات الديجيتال (الدجال) مهمتهُ بنجاح في تخريب  الدين وهدم طهارة وأخلاق المجتمعات وإفساد النفوس, يأتي دور الجناح العسكري لهذه التقنيات لتخريب الدنيا وهدم البيوت واقتلاع المزروعات وتخريب الممتلكات وقتل النفوس, وذلك باستخدام الطائرات الحربية والدبابات الأرضية وغيرها من الأسلحة والوسائل الذكية ذات التقنية, وهكذا تتكامل المعادلة الشيطانية من خلال تفاعل كافة عناصر التخريب (التقنية) المعنوية والمادية, وبمساعدةٍ من وسائل (الديجيتال) يتحقق الهدف الأسمى والكبير لكتيبة (الدجال) وهو إفساد دين ودنيا بني آدم وتحويلها إلى أسوء حال.

رؤية مُشتركة بين مُشاهدي (التلي في جن) والجن
استعمل بعض أهل اللغة كلمة (تلفاز) كاسم للآلة, على وزن "مفعال" , وذلك لعلاقة هذه الكلمة الاشتقاقية بكلمة (تلفزيون) إنجليزية الأصل, واستخدم غيرهم كلمة عربية بديلة, ليس لها علاقة لفظية بالكلمة الأصل, هي "الرائي" , وهي اسم فاعل بمعنى اسم المفعول, أي "المرئي" , غير أن "الراني" أدق في الاستعمال من "الرائي" لأن الراني تعني "المسموع المرئي" في آن واحد, أما التسمية الأصلية لهذا الجهاز فهي "Television" التي أُخذ منها بالعربية كلمة (تلفزيون), وهي كلمة إنجليزية معناها التفصيلي هو "خيال الشيء المرئي من بعيد" .
قال تعالى :{يا بني آدمَ لا يفتنكمُ الشيطانُ كمآ أخرج أبويكم من الجنة ينزعُ عنهما لباسَهُما ليُريَهُما سوءاتِهِمَآ. إنهُ يراكم هو وقَبِيلُهُ من حيثُ لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أوليَآءَ للذين لا يؤمنون 27} سورة الأعراف.
لقد أنعمَ الله على آدم وذريتهُ وأكرمهم بخلافته في الأرض, وجعل الله من البشر الأنبياء والرسل والأولياء الذين يهتدي بنورهم سائر المخلوقات من الجن والحيوان والشجر والحجر, وكما ورد في الآية الكريمة فقد منح الله الجن إمكانية رؤية وسماع بني آدم, بينما ليس للإنسان أن يرى أو يسمع أحاديث الجآن, وإن الغاية الأسمى من رؤية وسماع الجآن للإنسان, هي أن يسمعوا منهم كلام الله ووحيه الذي تتنزلُ به الملائكة على أنبياءه, وليكون نوراً وبُرهاناً وحُجةً لهم أو عليهم, قال تعالى: {قُل أوحي إليَ أنهُ استمعَ نفرٌ من الجنِ فقالوا إنا سمعنا قُرآناً عجباً 1 يهدي إلى الرشدِ فآمنا بهِ, ولن نُشرك بربنا أحداً 2 وأنهُ تعالى جدُ ربنا ما اتخذَ صاحبةً ولا ولداً 3 وأنهُ كان يقولُ سَفِيهُنا على الله شططاً 4} سورة الجن. سفيهنا: جاهِلَنا إبليس اللعين.
ويعتبر جهاز (التلفزيون) مثالاً تقريباً جيداً على قدرة الجن على رؤية الإنسان, دون أن يتمكن الإنسان من رؤيتهم, وذلك أن مُشاهدي شاشات التلفاز يستطيعون رؤية وسماع مَنْ خلف الشاشة, والعكس غير صحيح, وفي هذه الحالة فإن الجآن مثلهم كمَثَل من يشاهد شاشات التلفزيون (التِلِفِ.جن), وبني آدم مثلهم كمثل الذين تذاع أصواتهم وصورهم عبر هذه الشاشات.

والجنُ كما مر معنا في الآيات منهم الصالحين ومنهم الجاهلين وهم الشياطين, والجن الصالح بطبيعة الحال يكونون حريصين على تتبع ومتابعة القنوات والفئات الإنسانية التي يكثُر فيها صالحي البشر وأخيارهم, ليثبُتوا على الحق ويزدادوا نوراً وهُدىً وصلاحاً, وأما الجن الكافر فإنهم يحرصون على تتبُع ومُتابعة القنوات والفئات الإنسانية التي يكثُر فيها فاسدي البشر وأشرارهم, ليتمتعوا بهم ويتعرفوا عليهم, ثُم ليُمِدوهم في غيهم ويستخدموهم في غواية الناس.
   
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, ونستعيذ به سبحانهُ من فتنة الشياطين, وصلى الله على من تفرُ الشياطين من نور وجوههم محمد وآله وصحبه أجمعين.  

شاهد الجزء الثاني أيضاً على هذا الرابط : 

* نُشر لأول مرة في مدونة المسبار السحري بتاريخ 17- 7- 2007
فكرة وإعداد: م.وليد القراعين







الجمعة، 15 مارس 2013

مراحل الصراع بين الشياطين والصالحين


بسم الله الرحمَن الرحيم
  
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبي آخر الزمان محمد وعلى آله وصحبه الكِرام, ونعوذ بالله السميع العليم من همزات ولمزات الشياطين, ونعوذ به سبحانهُ من شرور الفتن ما ظهر منها وما بطن.

أما بعد ؛ يعجُ آخر الزمان بالأحداث والفتن العظيمة الجِسام, فهو حصيلة لخبرات وتجارب البشرية منذ أن اهْبَطَ الله أبوانا آدم وحواء وعدوهما الشيطان من ربوة الجِنان, ورغم التكاثر الهائل في أعداد الذرية الآدمية, والتغير والتعدد الكبير في الألوان والألْسُن والمذاهب والأديان, إلا أن العقدة الأساسية لوجود الإنسان في هذه الدنيا لم ولن تتغير أبداً, وهي امتحانه من العزيز المنان بخلافته في الأرض, ليعلمَ سبحانهُ من يتبع هديه ويعبدهُ ويُقيم الحُجة لنفسه, ومن يزغ عن هديهِ ويعبد غيره ويُقيم الحُجَة عليها, وعلى الجهة المُقابلة فإن العقدة الأساسية لوجود الشيطان في هذه الحياة لم ولن تتغير أبداً, وهي غواية البشر وفتنتهم عن دين الله وأوامره ونواهيه.
والزمان منذ بدايته بأبينا آدم وأُمنا حواء (عليهما السلام) شاهدٌ على الصراعات الدائمة والمريرة بين الإنسان والشيطان, قد تختلف الشخوص وتتغير الأسماء والأماكن والأزمان, وتختلف معها أساليب وطُرق الشيطان في الولوج إلى قلب وعقل الإنسان, وكلما قام من حزب الرحمَن إماماً وخليفةً صالحاً يدعو إلى طريق الله وإتباع هُداه, قام من حزب الشيطان من يتربصوا به ويُثبطوا الخَلْقَ عن تصديقهِ وإتباعه.
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ 112} سورة الأنعام.

وفي إطار مساعيه الحثيثة لفتنة بني الإنسان, فقد نجح الشيطان في حين وفشل في أحيان, ويتمثل النجاح الأول للشيطان في استغلال غفلة الأبوان آدم وحواء (عليهما السلام), فأوعز إليها بدوره أن يأكُلا من الشجرة ويتذوقا طعمها, فأصغيا إلى قوله وأطاعوه فأُهْبطا من الجِنان, ونجحت بذلك الخطوة الأساسية للشيطان.

ثم جاء النجاح الثاني للشيطان عن طريق إيغار صدر قابيل على أخيه هابيل, حتى دفعه الحسد والحقد الأعمى إلى قتل أخيه, وليُفتح بهذه الجريمة الحمقاء باب القتل على أبناء البشرية جمعاء.
ومن جحود الأخ حق أخيه, إلى جحود الزوجة حق زوجها والابن حق أبيه, حيثُ نجح الشيطان في صرف قلب زوجة نوح (عليه السلام) وابنه عن دعوته فهلكوا وأُغَرِقوا بالطوفان.
ومن فشل الأب في دعوة ولده إلى الركوب في سفينة الإيمان والنجاة من الطوفان, إلى فشل إبراهيم (عليه السلام) في دعوة أبيه آزر إلى ترك الأصنام وإتباع دين الإسلام.
ثم شاءت ألطاف الرحمَن أن يستثني أخوة يوسف (عليه السلام) خيار القتل ويخرجوه من الأذهان, وأن يكتفوا من وساوس وخطوات الشيطان بإلقاء أخيهم في بئر غيرتهم وحِبال حيرتهم من سطوة جمالهِ وعظيم مكانته.

واستمر مسلسل معاناة خلفاء الله في الأرض على أيدي الشياطين وأتباعهم الكافرين من ملوك الفراعين الذين عذبوا وقتلوا المُستضعفين من الإسرائيليين.
ولولا رحمة الله وعنايته بمن والاه ما سَلِم روح الله وكلمته من غدر وخيانة الكافرين والفاسقين عن أمر رب العالمين.

وأخيراً وليس آخراً, فقد تجرع سيد المُرسلين محمد (عليه وآله أفضل الصلاة والتسليم) وأصحابه مرارة تكذيب أبناء قومهم وعشيرتهم القُرَشِيين, الذين آثروا في بادئ الأمر عدم مفارقة صحبة الأوثان والشياطين.

ونحن الآن في هذا الزمان نعيشُ مشاهداً وصوراً متكررة لما دار في سالف الزمان من نزاعاتٍ بين خلفاء الله الصالحين وأعداءهم من الشياطين والكافرين, وبالاستناد إلى ما تحقق من نبوءات القرآن وأحاديث النبي العدنان (عليه وآله الصلاة والسلام) فإننا نعيشُ في هذه الأيام أحداث وعلامات المراحل الأخيرة والحاسمة من آخر الزمان, وتتنوع هذه النبوءات القرآنية والنبوية التي تشير إلى علامات قيام الساعة وأحداث آخر الزمان بين الكوارث الطبيعية, والظواهر الكونية, والأحداث السياسية, والأحوال الاقتصادية, والسلوكيات الاجتماعية, إضافةً إلى التطورات العلمية والصناعية وكافة مناحي الحياة الإنسانية, وقد أفرد العلماء والباحثين من السلف والخلف والحاضرين كُتب ومُجلدات كثيرة في تفنيد وشرح وتحقيق هذه النبوءات, والتي تتسلسل بدايةً من بعث النبي (عليه وآله الصلاة والسلام), وتمتد إلى أن حين وقت ظهور الإمام المهدي, ثُم فيما يأتي بعده من علامات تسبق قيام الساعة وإسدال الستار على هذه الحياة.
والإمام المهدي (عليه السلام) هو أول علامات الساعة الكُبرى وآخر إمام من أمة الإسلام, وأمة المسلمين هي آخر الأمم الكتابية التي اختصها الله بالرسالات السماوية, والتي يكون بعد انقضاء عهدها ردة الناس إلى الظلام والجاهلية, وعلى مثل هؤلاء الأقوام تقوم قيامة الرحمَن وتنقضي دُنيا بني الإنسان.

وقد جاء في الأثر أنهُ من كّذبَ بالمهدي فقد كفر, وإننا نجدُ في أحداث العقدين الماضيين من الزمان, تحقيقاً لمُعظم العلامات الدالة على ولاية وبعث الإمام المهدي عليه السلام, وقد أقرَ الكثير من العلماء بأن وقت بعث هذا الإمام قد حان, ويُتوقع ظهوره في غضون هذه السنين والأيام, وإن آية خروجه هي امتلاء الأرض بظلم وعدوان الجبارين وفساد وعبث الفاسقين, وهذا ما قد كان, ولا يزال الظلم والطغيان في زيادة, حتى يبلغ الغاية ويظهر صاحب السلطان والولاية.

وبعد ظهور المهدي عليه السلام وحُكمهِ للرعية بالعدل والإحسان, تأتي سنين وأيام يشتد فيها غضب الشيطان ويزداد الطُغيان, ويخرجُ حامل لواء الشيطان الأعور الدجال الذي حذر من فتنته الأنبياء على مر الأجيال.

ومع وصول صراعُ المهديين والصالحين وأتباعهم مع الدجالين والكافرين وأشياعهم إلى ذروته ومُنتهاه, ينزل المسيح عيسى (عليه السلام) ليكون مسك الختام لأمة الحق والإسلام, فيخرج بصحبة المهديين إلى قتال الدجالين, ويكون النصر والتوفيق حليف المؤمنين, والهزيمة والخيبة حليفة أتباع الشياطين.
وبهذا النصر الكبير فإن شجرة الصراع بين عدو الله الشيطان وخليفتهُ الإنسان, والتي غُرست بذورها في زمان الخليفة الأول آدم عليه السلام, تكون قد كُسِرت واجتُثت من جذورها في زمان الخليفة الأخير المهدي ومدده الكبير عيسى (عليهما السلام).

وبعد أن يُقتل الدجال بوقتٍ قصير يخرج قوم يأجوج ومأجوج ويفسدون في الأرض فساداً كبير, وبينما هم على هذا الحال والمعركة سُجِال, يأذن ذو الجلال بهلاكهم, وينجو الناس من شرهم الخطير في الزفير الأخير.
ويمكث عيسى عليه السلام وأصحابهُ بعد ذلك زمناً ليس بالكثير, ثم يُرسل الله ريحاً طيبة فتأخذ الناس تحت آباطهم فيقبض الله روح كل مؤمنٍ ومُسلم, ويبقى في الدنيا شرار الناس ومن ليس للشيطان به حاجة, فيتهارجون فيها تهارُج الحمير والدواب وعليهم تقوم الساعة.  

وفيما يلي حديثاً طويل يشرح جانباً من مُلابسات هذا الصراع النهائي والكبير, وتتركز غالبية هذا الحديث على ذكر صفات إمام الشياطين الأخير, الأعور الدجال الذي هو ببيان فتنته وكيدهِ جدير.

عن إسماعيل بن رافع أبي رافع، عن أبي زرعة الشيباني يحيى بن أبي عمرو، عن أبي أمامة الباهلي، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أكثر حديثاً حدثناه عن الدجال، وحذرنا فكان من قوله أن قال:{إنه لم تكن فتنة في الأرض، منذ ذرأ الله تعالى ذرية آدم عليه السلام، أعظم من فتنة الدجال، وإن الله تعالى لم يبعث نبياً إلا حذر أمته الدجال، وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم فأنا حجيجه، وإن يخرج بعدي فكل حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، وإنه يخرج من خَلَة بين الشام والعراق، فيعيث يميناً، ويعيث شمالاً، يا عباد الله أيها الناس فاثبتوا، فإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي، إنه يبدأ فيقول: أنا نبي، لا نبي بعدي، ثم يثني فيقول: أنا ربكم.
ولا ترون ربكم حتى تموتوا، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرأه كل مؤمن؛ كاتب، وغير كاتب، وإن من فتنته أن معه جنة وناراً، فناره جنة، وجنته نار، فمن ابتلي بناره فليستغث بالله، وليقرأ فواتح الكهف، فتكون عليه برداً وسلاماً، كما كانت النار على إبراهيم،وإن من فتنته يقول لأعرابي: أرأيت إن أبعث لك أباك وأمك أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم.
فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه فيقولان: يا بني اتبعه، فإنه ربك.
وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فيقتلها، وينشرها بالمنشار حتى تلقى شقتين، ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا فإني أبعثه الآن، ثم يزعم أنه له رباً غيري.
فيبعثه الله تعالى، فيقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدو الله، أنت الدجال، والله ما كنت بعد أشد بصيرة بك مني اليوم
}.
قال أبو الحسن الطنافسي: فحدثنا المحاربي، قال: حدثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): {ذلك الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة}.
قال: قال أبو سعيد: والله ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب، حتى مضى لسبيله.
قال المحاربي: ثم رجعنا إلى حديث أبي رافع، قال: {وإن من فنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت.
وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه، فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت.
وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، حتى تروح، مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه، وأمده خواصر وأدره ضروعاً.
وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة والمدينة، فإنه لا يأتيهما من نقب من نقابهما إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلته، حتى ينزل عند الظريب الأحمر – جبل صغير أحمر- ، عند منقطع السبخة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فتنفي الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعي ذلك اليوم يوم الخلاص
}
فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال: {هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقْدس، وإمامهم رجل صالح فبينما إمامهم قد تقدم يصلي الصبح، إذ نزل عيسى ابن مريم للصبح، فيرجع ذلك الإمام ينكص، يمشي القهقرى، ليتقدم عيسى ابن مريم ليصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول: تقدم فصل؛ فإنه لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم.
فإذا انصرف قال عيسى: افتحوا الباب. فيفتح ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلىً وساج – الطيلسان الاخضر, وقيل الطيلسان المُقور- ، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، وانطلق هارباً.
فيقول عيسى إن لي فيك ضربةً لن تسبقني بها، فيدركه عند باب لُدِّ الشرقي فيقتله. ويهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، ولا حجر، ولا شجر، ولا حائط - إلا الغرقدة، فإنها من شجرهم لا تنطق - إلا قال: يا عبد الله المسلم، هذا يهودي، فتعال اقتله
}. الغرقدة: ضرب من شجر العضاه وشجر الشوك.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وإن أيامه أربعون سنة، السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة، يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي }.
فقيل له: يا رسول الله، كيف يُصَلى في تلك الأيام القصار؟ قال: {تقدرون فيها الصلاة، كما تقدرونها في هذا الأيام الطوال، ثم صلوا }.
قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): {فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكماً عدلاً، وإماماً مقسطاً، يدق الصليب، ويذبح الخنزير، ويضع الجزية، ويترك الصدقة فلا يُسْعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض، وتنزع حُمَة – سُم- كل ذات حمة ، حتى يُدْخل الوليد يده في فم الحية فلا تضره، وتُنَفِرُ الوليدة الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتُملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة، فلا يعبد إلا الله عز وجل، وتضع الحرب أوزارها، وتُسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور – طست- الفضة، تنبت نباتها بعهد آدم، حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بدريهمات }.
قيل: يا رسول الله، وما يرخص الفرس؟ قال: {لا تركب لحرب أبداً }.
قيل: يا رسول الله، وما يغلي الثور؟ قال: {تحرث الأرض كلها }.
{وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد، يصيب الناس فيها جوع شديد، يأمر الله تعالى السماء السنة الأول أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها، ثم يأمر الله تعالى السماء في الثانية فتحبس ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتحْبِس ثُلثي نباتها, ثم يأمر الله تعالى السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض أن تحبس نباتها كله فلا تُنْبِت خضراء، فلا تبقى ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله تعالى }.
فقيل: وما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: {التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد، ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام }.
أخرجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني، في سننه.
وقال: في آخره: سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول: سمعت عبد الرحمن المحاربي يقول: ينبغي أن يُدفع هذا الحديث إلى المؤدب حتى يعلمه الصبيان في الكُتَاب.

وبعد هذا الحديث المأثور الطويل عن الأعور الدجال وفتنتهُ ونهايته, سأنتقل إلى بيان بعض الظواهر والمظاهر الشيطانية والعبثية التي انتشرت في واقعنا المُعاصر, والتي هي بمثابة حملة ترويجية وتمهيدية لخروج حامل لواء الشياطين, وإمام زُمَر الكافرين, الدجال أعور العين.

صيحات الشياطين
موضات وصيحات (صْرعات) عديدة وجديدة في اللباس وتسريحات الشَعَر وزينة البَشر, امتلأت بها الدنيا وانتشرت في مُعظم البلاد, وتأثرت بها عقول كثيرٍ من العِباد, صنعتها يد الإنسان وصممها خيال الشيطان صاحب السلطان في هذه الحقبة من الزمان, وذلك تنفيذاً لِقَسمهِ الذي كان في حضرة الرحمَن, قال تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا 117 لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا 118 وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا 119} سورة النساء. قال الإمام النووي رحمه الله: {إناثاً} أصناماً يزينونها كالنساء, {مريداً} متمرداً متجرداً من الخير, {مفروضاً} مقطوعاً لي بهِ, {فليُبتكُنَ} فليُقطعن أو فليشُقَن.
وإن الناظر بعين البصيرة إلى ظاهر وفحوى هذه الموضات والصيحات, يرى فيها آثار الشيطان الذي يعرف جيداً كيف يستحوذ على قلب وعقل الإنسان وبشكلٍ خاص النسوة والصبيان, وإن الشكل الخارجي للإنسان يعكِسُ حالته النفسية ومستوياته الفكرية والثقافية والدينية, ومن الأمثلة على الأحوال والتقليعات الشيطانية التي نراها في وجوه وهيئات أبناء البشرية:

* موضة ترك شعر الرأس دون حَلْقهِ أو تسريحهُ, بحيث يكون الشعر مُتَشَعِب ومُتجَعِد بطريقة عشوائية تُثير اشمئزاز الناظرين وكأنهُ شجرة الشياطين, قال تعالى: {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ 62 إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ 63 إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيم ِ64 طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ 65}  سورة الصافات.
وينطبق وصف (رؤوس الشياطين) أيضاً على بعض تسريحات الشعر العالمية الحديثة, والتي تُثير في نفوس الناظرين الكآبة والفَزع بدلاً من الارتياح والفرح.
ونجدُ مصداق ذلك في الحديث الصحيح المُرسل عن عطاء بن يسار قال: {كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية فأشار إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيده أن اخْرُج، كأنه يعني إصلاح شعر رأسه ولحيته، ففعل الرجل ثم رجع، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟}
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : {صنفان من أهل النار لم أرَهُما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات ، مميلات مائلات ، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة ، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا} . قيل إنها مسيرة خمسمائة سنة, البُخت: نوع من الإبل لها سنامان, بينهما شيء من الانخفاض والميلان, والمقصود هو أنهن حاسرات الرؤوس مُسرِحات لشعورهن بزينةٍ وطُرقٍ مُبرِزة لجمالهنَ ومُمَيزة لمظهرهنَ, كبروز وتميُز سنامان الإبل. وإن كان لكل زمانٍ لونهُ المُميز في فنون التبرُج والتزيُن, إلا أننا اليوم قد وصلنا إلى قمة الهرم في فنون التجميل والأزياء والزينة, وها نحنُ في هذا الزمان لا نفتأُ نرى في كل وقتٍ ومكان ما لم يرهُ نبينا المصطفى (عليه وآله الصلاة والسلام) من أصناف أهل النار, من طوابير الكاسيات العاريات, المائلات المُميلات, ذوات الرؤوس كأسنمة البخت.
* وبعد بيان جانباً من تسريحات الشيطان وأهل النيران, انتقل إلى بيان جانباً من تعاليمه وغوايته المرتسمة على الملابس والقُمصان, حيثُ تنتشر في أسواقنا العربية قُمصان وثياب قادمة من البلدان الأجنبية, مطبوعٌ عليها صُور وعبارات وشِعارات باللغة الإنجليزية, تُمَجِد الشيطان وتمتدح المعاصي والرذائل وتدعو إليها, أو أنها تُنقص من شأن الأنبياء وعباد الرحَمن, وتذُم الطاعات والفضائل وتنهى عنها.  

* ونستطيع أن نرى مظهراً من مظاهر لوطية وانحراف هذا الزمان, مُتمثلاً في لِباس المراهقين من الفتيات والفتيان, والذي نراهُ من خلال إرخاء وإنزال بعض الفتيات والصبيان لسراويلهم حتى يبدو جُزءاً من ملابسهم الداخلية وأدبارهم, قال تعالى : {يا بني آدمَ لا يفتنكمُ الشيطانُ كمآ أخرج أبويكم من الجنة ينزعُ عنهما لباسَهُما ليُريَهُما سوءاتِهِمَآ. إنهُ يراكم هو وقَبِيلُهُ من حيثُ لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أوليَآءَ للذين لا يؤمنون 27} سورة الأعراف.
وإن هذا المظهر الكريه رغم سطحيته, إلا أنهُ يُخفي ورائه آثار العادات السيئة والشذوذ الجنسي المُتفشي في أوساط شريحة واسعة من الصبيان والبالغين, راغبين أو مُكرهين, والذي هو من أهم أسباب انعدام العافية النفسية والبدنية عند هذه الفئة الاجتماعية.
وعدا عن السلوكيات السيئة والعشوائية عند المراهقين والصبيان في هذا الزمان, فإن من مظاهر الترف والجاهلية في بعض البلدان والمجتمعات الإنسانية, أن الشذوذ الجنسي صار مُباحاً فيها ومُنظماً بموجب قوانينها المدنية, وهذا من الإشارات القوية الدالة على قرب خروج الأعور الدجال, فعن الإمام أبو الحسن الكسائي في (قصص الأنبياء) أنهُ قال:  قال وهب بن منبه: {عند خروج الأعور الدجال، تهب ريح قوم عاد، وسماع صيحة كصيحة قوم صالح، ويكون مسخ كمسخ أصحاب الرسِّ، وذلك عند ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويسفكون الدماء، ويستحلون الربات، ويعظم البلاء، وتشرب الخمر، ويكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء، فعند ذلك يخرج الدجال من ناحية المشرق، من قرية يقال لها درادس، يخرج على حمار مطموس العين، مكسور الطرف، يخرج منه الحيات، محدودب الظهر، وقد صور كل السلاح في يديه، حتى الرمح والقوس، يخوض البحار إلى كعبه، وتكون أجناده أولاد الزنا، وتجيء إليه السحرة، وإذا أتى ببلد يقول: أنا ربكم.
قال: يطوف الأرض جميعاً، حتى يدخل أرض بابل، يلقاه الخِضْر فقال: أنا ربكم.
فقال الخضر: كذبت يا دجال، إن رب العالمين رب السموات والأرض.
فيقتله الدجال، ويقول: قل لرب العالمين يحييك.
فيحيي الله تعالى الخضر عليه السلام فيقوم، ويقولك ها أنا يا دجال.
فيقول لأصحاب الدجال: يا ويلكم، لا تعبدوا هذا الكافر الملعون.
فيقتله ثلاث مرات، فيحييه الله تعالى...} إلى آخر الحديث.

وبالنسبة لأتباع الشريعة الإسلامية والمستمسكين بها, فقد حسمت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الوضعية الصحية والقانونية لهذا الشذوذ في الممارسات الجنسية, قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ 80 إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ 81 وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ 82 فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ 83 وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ 84} سورة الأعراف.
وروى أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم, عن ابن عباس أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: {من وجدتموهُ يعمل عمل قوم لوط , فاقتلوا الفاعل والمفعول به}, وفي الحديث الصحيح عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: {لا ينظر الله عز وجل إلى رجل أتى رجلاً أو امرأةٍ في دبرها}, وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال في الذي يأتي امرأتهُ في دبرها : {هي اللوطية الصُغرى}.
وروى أحمد ومُسلم وغيرهما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: {لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل, ولا المرأة إلى عورة المرأة, ولا يُفضي الرجل إلى الرجُل في ثوبٍ واحد, ولا تُفضي المرأة إلى المرأة في ثوبٍ واحد}.
وقد أثبت الطب أن للواط والسُحاق وغيرها من الممارسات الشاذة تأثيرات نفسية وبدنية مُدمِرة, وأنها تؤدي إلى أمراض عصبية واختلال في وظائف المخ, وتضر بالجهاز التناسلي, وتصيب فاعلها بالضعف البدني والهُزال ونقص المناعة.

* ورغم أن الرجل والمرأة يشتركون في تقُلد صيحات الزمان وتصاميم الشيطان في اللباس والتسريحات والسلوكيات, إلا أن للمرأة الحظ الأوفر في تَقَلُد هذه الصيحات, ومن خلال صورتها يأتي الخطر الأكبر, عن جابر أنه قال : أن رسول الله (‏صلى الله عليه وسلم) ‏رأى امرأة, فأتى امرأته ‏‏زينب ‏‏وهي ‏تمعس ‏‏منيئة ‏‏لها ‏‏فقضى حاجته ‏ثم خرج إلى أصحابه فقال ‏: {‏إن المرأة تُقبل في صورة شيطان ‏وتُدبر ‏في صورة شيطان فإذا أبصر أحدكم امرأة ‏‏فليأت أهله ‏‏فإن ذلك يرُد ما في نفسه} رواه مُسلم. {تمعس منيئة} : تدلك جلد مدبوغ.
 فجسد المرأة كلهُ عورة يحْرُم النظر إليه, وإن أي حركةٍ عفوية أو مقصودة تأتي بها المرأة أمام الناس, أو أي كشفٍ لجزءٍ من جسدها, يتسبب بفتنةٍ وإثارةٍ لشهوات الرجال من حولها, ولهذا فإن الشيطان أكثر التصاقاً بالنسوان ومتابعةٍ لهُنَ في شكلِهنَ وهيئتهنَ من الرجال, لكون الأثر والجدوى التي قد يجنيها من خلال صورهنَ تفوق بكثير ما قد يجنيه من خلال صور الرجال.

ونستطيع أن نلمس من خلال بعض التسريحات والألبسة النسائية صورة وخيال الأعور الدجال, وعلى سبيل المثال: موضة القميص القصير الذي يكشف بطن المرأة وسُرتها, والذي ينتشر بشكلٍ كبير في بلاد الشرك والوثنية – كما في بعض البلاد الشرق آسيوية- , وإن كشف النساء لبطونهن يعكس فساد باطن ومعتقدات مُجتمعاتهن, ولو تأملنا في صورة البطن والسُرة التي في وسطه, فإننا نجد أنها أشبه ما تكون بصورة الوجه بعينٍ واحدة وممسوح العين الأُخرى, وكما جاء في وصف الأعور الدجال في الحديث الذي أخرجهُ مُسلم في صحيحهِ, عن حذيفة بن اليمان , رضي الله عنه , قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : {لأنا أعلم بما مع الدجال منه , … , وإن الدجال ممسوح العين , عليها ظَفَرةٌ غليظةٌ – المراد أكبر فتنة وأعظم شوكة – مكتوب بين عينيه كافر , يقرأُهُ كلُ مؤمن كاتب وغير كاتب}.
ومن الانعكاسات الأُخرى لصورة وجه الأعور الدجال في لباس النساء, موضة القميص أو الفستان الذي يستر جانباً من جسد المرأة ويكشف الجانب الآخر, وهذه الموضة مُنتشرة كثيراً في لباس متبرجات هذا الزمان, وذلك كالقميص الذي يستُر أحد كتفي المرأة ويُعري كتفها الآخر, فيكون كتفها المستور كالعين السليمة, وكتفها العاري كالعين العوراء.

* وفيما يخُص تسريحات الشعر, فإننا كثيراً ما نُشاهد في صور النساء المتبرجات كالعارضات والفنانات ونحوهن, أن شَعرهُنَ يتدلى ويُسْبَل ليُغطي ويمسح إحدى العينين, فتبدو المرأة بهذه التسريحة عوراء وما هي بعوراء ولكن عذاب الله شديد.
وإنه ليس من المُحرم على المرأة أن تتزين بما تشاءُ من الثياب والتسريحات, وليس حراماً أن تكشف إحدى كتفيها أو كلاهما, أو أن تُسبل شعرها على خديها وإحدى عينيها, طالما أن الذي يراها على هذه الهيئة من التبرج هو زوجها أو نساءها ومحارمها, وفيما عدا هؤلاء فإنها تعمل على تحريك ثائرة الفِتن والشهوات, وتُطلق العنان لخيل الشيطان ومعصية الرحمَن, وتكون بشرها وفتنتها شبهاً وأختاً لدجال آخر الزمان, قال تعالى : {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير 72 } سورة الحج.

هذا غيض من فيض مما شاع وانتشر في هذا الزمان من زينة وصيحات الدجال والشيطان, عسى الله أن يُعين المسلمين على إماتة بدعتهِ ويكفيهم شرور فتنته.  

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى الله على خاتم الأنبياء والمُرسلين, محمد وعلى آله وأصحابهِ أجمعين.      
  

* نُشر لأول مرة في مدونة المسبار السحري بتاريخ 1-8-2007
 فكرة وإعداد : م.وليد القراعين