الاثنين، 18 فبراير 2013

كرامة سلام الإمام الرفاعي على خير الأنام


 بسم الله الرحمَن الرحيم

الحمد لله الذي نزَل الكتاب وهو يتولى الصالحين , والصلاة والسلام على السيد الأعظم أبي القاسم النبي الأمين , أشرف المرسلين , سيدنا ومولانا ونبينا وشفيعنا محمد حُجة الله على العالمين , وعلى آلهِ وأصحابهِ الطيبين الطاهرين , وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين , آمين.

أما بعد ؛ سأل موسى عليه الصلاة والسلام ربهُ عن أدنى أهل الجنة منزلة فأجابهُ , ثم سألهُ قائلاً: ((.. فأعلاهم منزلة , قال : أولئك الذين أردت : غرستُ كرامتهم بيدي ، وختمتُ عليها ، فلم تر عينٌ ، ولم تَسمعْ أذنٌ ، ولم يخطرْ على قلب بشر)) ، ومصداقه في كتاب الله :{فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } السجدة 17.

وثبت عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- أنهُ قال: {ما من مُسلم يُسَلِم عليَ, إلا ردَ الله عليَ روحي فأرُد عليه}.

أحمد يا حبيبي سلام عليك .. يا عون الغريبِ سلام عليك

[ذكر الشيخ الجليل الكامل جامع المعالي والفضائل الإمام الهُمام قاسم بن محمد بن الحاج رحمهم الله في كتابه ِ (أم البراهين في تصحيح اليقين بإشارات الصالحين) ما نصهُ : إنَ قُطب الزمان السيد الجليل الشيخ الكبير السيد أحمد بن أبي الحسن الرفاعي الحسيني قدسَ الله سره العزيز , كان من أجل القوم إمكاناً وأتمهم أخلاقاً وإحساناً , وقد روى لنا الشيخ الجليل والهمام الفضيل أبو حفص عمر الفاروثي رحمهُ الله قال :
كُنا في مجلس الشيخ الكبير أحمد بن أبي الحسن الرفاعي وحولهُ جماعة من فحول الأبطال وأكابر الرجال وهم يتحادثون في حضرة الشيخ بعلوم غريبة وأسرار عجيبة وهو جالس بينهم يرد جوابهم , فبينما هم كذلك إذ قام الشيخ الكبير السيد أحمد على قدميهِ كاشفاً رأسهُ وقال :{اللهُ أكبر الله أكبر. ظهر الحق وبان الصدق. نوديت من الحضرة العلية أن يا أحمد قم وزر بيت الله الحرام وزر النبي عليه السلام فإن هناك دعوة من الرسول يوصلها إليك} , فقال كل من في المجلس سمعاً وطاعة وأنشد بعضهم يقول في حضرة الشيخ:

مُرنا بأمرٍ فإنا لا نخالفه     وحد حداً فإنا عندهُ نقف

فتأهب للسفر فطلع معه جمٌ غفير ومحفلٌ كبير وساروا طالبين مكة المشرفة والمدينة المنورة , فلما وصلوا المدينة مدينة النبي (صلى الله عليه وسلم) وقف تجاه حجرة النبي عليه الصلاة والسلام وأنشد:

في حالة البعد روحي كنتُ أرسلها    تقبل الأرض عني وهي نائبتي
وهذه دولة الأشباح قد حضرت    فامدد يديك لكي تحظى بها شفتي

ثم قال : السلام عليك يا جَداهُ , فقال لهُ من داخل الحُجرة : وعليك السلام يا ولدي وانشق تابوت الرِسالة ومدَ يدهُ الشريفة (صلى الله عليه وسلم) فقبَلها وبايعهُ بيعة كليةً وأمرهُ بلبس الشاش الأسود , وأن يصعد على المنبر وأن يعظَ الناس , وقال لهُ ثانياً : لقد نفع الله بك أهل السماء وأهل الأرض وهذه البيعة متصلة بك وبذريتك إلى يوم القيامة. والحاضرون يشهدون بأبصارهم ويسمعونهُ بأسماعهم رضوان الله عليهم أجمعين , وكان ممن حضر في تلك السنة من الحجاج وشاهد ذلك بعينهِ من فحول الرجال سيدي حيوة بن قيس الحراني, وسيدي علي بن خميس, وسيدي عبد القادر الجيلاني وغيرهم قدس الله أسرارهم , وكان بقية من حضر من الناس تسعينَ ألفاً انتهى.

وقلت وفي هذه القصة بعد الكرامة من شهادة الرسول - صلى الله عليه وسلم- لسيدي أحمد بصحة النسب ما يكفي شرفاً وفخراً, ولا يخفى ما صرحَ به الإمام الصفوي في نزهتهِ في باب الزيارة من أن إنكار هذه الكرامة يؤدي إلى سوءِ الخاتمة والعياذ بالله لما فيهِ من إنكار معجزة النبي - صلى الله عليه وسلم- وكرامة الولي قدس سره العزيز] (1).

وقد ذكر هذه الكرامة كثير من المؤرخين الثقات وفقهاء الإسلام , وقد ألفوا فيها الكتب المعتبرة , كالإمام السيوطي ولهُ كتاب (الشرف المحتم فيما منَ اللهُ بهِ على وليه السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنهُ , من تقبيل يد النبي صلى الله عليه وسلم) , والإمام عبد الكريم الرافعي في كتابهِ (سواد العينين في مناقب الغوث أبي العلمين) , والعلامة محمود الألوسي في كتابه (الأسرار الإلهية في شرح القصيدة الرفاعية) , وغيرهم من مشاهير العلماء الكبار. 

قال تعالى: {إذ قال الله يا عيسى إني مُتوفيك ورافِعُكَ إلي ومُطهرُكَ من الذين كفروا وجاعلُ الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة, ثُم إلي مرجِعُكم فأحكم بينكم فيما كُنتم فيه تختلفون 55} سورة آل عمران.
وقد وقعت هذه الكرامة الكبيرة للإمام الرفاعي الكبير في حَجِهِ الأول عام (555) هجرية, وكان عمرهُ حينها 43 عام , وأمضى سيد الأولياء أحمد الرفاعي بعد هذه البيعة المباركة (23) عام من عُمرهِ في خدمة العِلْم والدين وأُمة المسلمين حتى توفاهُ الله عن عمرٍ يُناهز (66) عام, مُشابهاً في ذلك سُنة جَده سيد الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي قضى نحو (23) عام بعد بعثهِ الشريف في الدعوة إلى الله الواحد الأحد إلى أن اختار الرحيل إلى الرفيق الأعلى, حيثُ كان عُمرهُ (عليه الصلاة والسلام) عند نزول الوحي عليه في غَار حِرَاء نحو (40) عاما , وكانت وفاتهُ عن عُمرٍ يُناهز (63) عام.

ومن اللطائف الرقمية, أننا إذا قمنا بحساب أعداد حروف اسم (أحمد) استناداً إلى قاعدة حساب الجُمل المشهورة بين المشتغلين بحساب الأوفاق, فإننا نجد في مجموع أعداد حروف (أحمد) إشارة رقمية تدل على تاريخ السنة الهجرية (555) التي حدثت فيها تلك المعجزة والخارقة المُحمدية, وتالياً طريقة حساب اسم (أحمد) بناءً على الرمز العددي لحروفه: [أحمد = أ: 1 + ح: 8 + م: 40 + د: 4 =53].
ويكمُن سر هذه الإشارة الرقمية في أن حاصل ضرب أرقام عدد اسم أحمد (53) يساوي مجموع أرقام عدد السنة الهجرية (555), [53= 3 * 5 = 15] , [555= 5 + 5 + 5 = 15], أي أن عدد حروف اسم أحمد (53) يُمثل (الثلاث خمسات) التي في عدد السنة الهجرية (555).
قال تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر, إن قرآن الفجرِ كان مشهوداً 78 ومن الليل فتهجد بهِ نافلةً لك عسى أن يبعثك ربُك مقاماً محموداً 79} سورة الإسراء.
ومن ناحيةٍ أُخرى فإن عدد اسم أحمد (53) يُمثل عدد أعوام الفترة ما بين ولادة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهجرتهُ المُباركة التي كانت في العام الثالث عشر (13) بعد بعثه الشريف, وهذا يعني أن النبي (عليه وآله الصلاة والسلام) كان في مقام (الأحمدية) منذ ولادته وحتى هجرتهِ, ثم انتقل (عليه الصلاة والسلام) إلى مقام (المُحمدية) بعد هجرتهِ إلى قيام الساعة, ثم يبعثهُ الله في يوم القيامة المشهود المقام (المحمود) الموعود خالداً فيه أبداً.
وقد كانت جدتي مريم ابنة عيسى (رحمهما الله) تُنشدُ بيتاً جميلاً من الشعر بلغتها العامية في وصف هذه المقامات الثلاثة:

 أحمد مُحمد اسْمُو في السَمَا محمود .. بأيدو ثُريا تِضْوي على الجبالِ السُود .. سبحان مين حَنن الوالدة على المولود.
وباللغة الفصحى:
أحمد مُحَمد اسمهُ في السماء محمود .. بيدهِ ثُريا تُضيءُ على الجبال السُود .. سبحانَ منْ حَنن الوالدة على المولود.

 البِشارة الكُبرى
قال تعالى : {وإذ قال عيسى ابن مريم يا بنى إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسولٍ يأتي من بعدى اسمهُ أحمد .. 6} سورة الصف.
وكما بَشَرَ عيسى ابن مريم بميلاد وبعث نبي الإسلام (أحمد) المصطفى العدنان (عليهم الصلاة والسلام), فقد بشرَ الجدُ محمد (عليه وآله الصلاة والسلام) بميلاد حفيدهُ (أحمد) الرفاعي سيد الأولياء الكرام, حيثُ بشر النبي (خَال) سيدنا الرفاعي العارف الكبير الشيخ منصور الأنصاري بولادته, يقول السيد الشيخ منصور: [رأيتُ النبي (صلى الله عليه وسلم) قبل ولادة ابن أختي السيد أحمد الرفاعي بأربعين يوماً في الرؤيا, فقال لي : يا منصور! أبشرك أن الله يعطي أختك بعد أربعين يوماً ولداً , يكون اسمهُ أحمد الرفاعي, مثل ما أنا رأسُ الأنبياء , كذلك هو رأسُ الأولياء,.. ] (2). 
وإذا قمنا بحساب الفترات الزمنية الفاصلة بين ميلاد روح الله عيسى ثم حبيبهُ محمد  ثم وليهُ أحمد الرفاعي (عليهم الصلاة والسلام) على التوالي, مُستخدمين التقويم الشمسي في حساب الفترة ما بين ميلاد السيد المسيح ومولد النبي محمد, والتقويم القمري في حساب الفترة ما بين مولد نبينا محمد ومولد الإمام أحمد الرفاعي (عليهم الصلاة والسلام جميعاً), فإننا نجد أن هذه الفترات تكاد تكون متساوية بعدد السنوات, مختلفة بوحدة القياس المستخدمة لحساب هذه السنوات, حيث أن الفارق الزمني في عدد السنوات الشمسية بين ميلاد عيسى ومولد محمد هو تقريباً (574) سنة, حيثُ اتفقت كتب السيرة على أن مولد النبي محمد كان في سنة (570م), وميلاد السيد المسيح (عليهما الصلاة والسلام) كان حقيقةً قبل هذا التقويم الميلادي بأربع (4) سنوات تقريباً باعتراف الباحثين القائمين عليه, قال تعالى : {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشيرٍ ولا نذير فقد جاءكم بشيرٌ ونذير. والله على كل شيءٍ قدير 19} سورة المائدة.
أي أن الله بعث محمد بعد مدة متطاولة من إرسال عيسى ابن مريم (عليهم الصلاة والسلام), [قال قتادة : كانت ستمائة سنة , ورواه البخاري عن سلمان الفارسي وعن قتادة : خمسمائة وستون سنة]. (تفسير ابن كثير).
وأما الفارق الزمني في عدد الأعوام القمرية بين ولادة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وولادة حفيدهُ السيد أحمد الرفاعي فإنهُ يبلغ نحو (565) عام, حيثُ كانت ولادة الإمام الرفاعي في عام (512) هجرية في أم عبيدة بواسط العراق, وبعد مرور نحو (565) عام على ولادة النبي العدنان (عليه وآله الصلاة والسلام).

وقد تُوفي الإمام أحمد الرفاعي عن عمرِ يُناهز (66 عاماً و 6 أشهر) قمرية , وهذا الرقم يُشكل ضِعف عُمر عيسى عليه السلام عندما توفاهُ الله ورفعهُ إليه وهو (33 سنة و 3 أشهر) شمسية, مع مُراعاة اختلاف التقويم المستخدم في حساب السنوات.
وتدلُنا هذه النصوص والحسابات على أن الإمام أحمد الرفاعي الكبير هو بمثابة انعكاس لِنور عيسى ابن مريم في أمة الإسلام (عليهم الصلاة والسلام), وقد أيَدَ اللهُ السيد أحمد الرفاعي بخوارق وكرامات الأولياء, كما أيَدَ عيسى ابن مريم المرفوع إلى السماء بعجائب ومعجزات الأنبياء (عليهم صلوات الله وسلامهُ جميعاً), ومن الحِكم الربانية في كون الإمام المُجدد أحمد الرفاعي على قلبِ عيسى ابن مريم, هو أن يكون علاج مرض الأُمة من جنس الداء الذي أصابها, حيثُ كانت الدولة الإسلامية في ذلك الوقت تتعرض لحملات صليبية شرسة تمخضت عن احتلال بيت المقدس وتدنيس المساجد ودُور العبادة فيه , وقد كان حَمَلت تلك الراية الصليبية المهزومة يُسَخِرون الدين باسم السيد المسيح (عليه السلام) من أجل تحقيق مطامعهم في الحصول على حُطام الدنيا وغنيمتها, لذا فإن الله أمدَ الإمام أحمد الرفاعي بمدد عيسى ابن مريم (عليهم السلام) ونوره الحق, الذي تم صدقاً وعدلاً وسرى في روح الأمة حتى تطهرت من هذا الدخيل المسيحي الكَذاب.

الرضيع الصائم
إن أخت سيدنا أحمد الرفاعي – قَدَسَ اللهُ سِره-  تقول عن رضاعته في رمضان: {إن السيد أحمد لم يشرب اللبن في نهار رمضان المبارك , فظننا أولاً أن في المُرضِع شيئاً يكرهه , وأبى أن يقبَل غيرَها منهُن , وأما في الليل فقد قَبِلَ المُرضِع , وشرب لبنها} (3).

نسبهُ الطاهر
هو الدُرة الوُسطى في سلسلة آل محمدٍ المُبجلة الكُبرى, وهو سليلُ تلك النسبة من الأشراف والأئمة الأعلام, الذين هم مصابيحُ الهداية وشموس الوصلةِ والولاية:
لولا بنو الزهراء ما عُرِفَ التُقى فينا .. ولا عَرفَ الهُدى الأقوام
وباختصار لذكر هذه السلسلة من الأبرار: هو سيدنا أحمد الرفاعي الكبير ابن السلطان علي بن يحيا المكي , ابن ثابت بن علي , ابن السيد أحمد المرتضى , ابن علي الأشبيلي, ابن السيد رِفاعة الحسن المكي (وقد سُمي الإمام أحمد بالرفاعي نسبةً إلى هذا الجد) , ابن المهدي ابن أبي القاسم محمد بن الحسن بن الحسين , ابن السيد أحمد الصالح ابن موسى الثاني , ابن إبراهيم المُرتضى , ابن السيد موسى الكاظم , ابن السيد جعفر الصادق , ابن السيد محمد الباقر , ابن السيد علي زين العابدين بن السيد الحسين , بن سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
وأم الإمام الحسين السِبط / سيدتنا البتول المرضية, السيدة فاطمة الزهراء النبوية, رضي الله عنها.

عن أُمِ سَلمة, رضي اللهُ عنها, قالت : سمعتُ رسولَ الله (صلى اللهُ عليه وسلم) يقول : {المهدي من عِترَتِي , من ولدِ فاطمة} رضيَ اللهُ عنها.
أخرجهُ الإمام النَسَائي في سُننه.

ولا جَرمَ أن السيد الرفاعي هو أحد الأولياء المهديين,وأنهُ من نسل فاطمة بنتُ سيد المرسلين.

وعن حذيفة رضي الله عنهُ قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكَرَنا بما هو كائن , ثم قال : {لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم واحد لطَولَ اللهُ عز وجل ذلك اليوم , حتى يبعثَ فيهِ رجُلاً من ولدي اسمهُ اسمي}. فقام سلمان الفارسي , رضي الله عنه , فقال : يا رسول الله , من أي ولدك؟ قال : {هو من ولدي هذا} , وضرب بيده على الحسين عليه السلام. (4).
{لو لم يبقى من الدنيا إلا يومٌ واحد}: هذه العبارة تستخدم عند وصول الأمة لحالة من اليأس تكادُ لا ترى منها مخْرجاً.

وعن عبد الله بن مسعود , رضي اللهُ عنه , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : {لا تقوم الساعة حتى يَلي رجلٌ من آل بيتي , يواطىءُ اسمهُ اسِمي} أخرجهُ الإمام أحمد في مُسنده.
يُواطىءُ : يُشابهُ. واسم (أحمد) ولي الله هو أشبه الأسماء ڊِ (مُحمد) رسول الله.
والمعنى القريب لقولهُ عليه الصلاة والسلام: {لا تقوم الساعة حتى يلي رجلٌ من آل بيتي}, هو تلك الهجمة التتارية البشعة على العراق ودول الجوار بعد نحو قَرْن من بيعة وولاية الإمام الرفاعي رحمهُ الله, حيثُ أن الحُروب الطاحنة هي بمثابة قيامة بشرية مُصغَرة تُزلزَلُ فيها الأرض, ويَهلكُ فيها الخَلق الكثير, وتَجِفُ فيها الصُحف كما جففَ الَتتار الكُتب والمراجع العِلمية حرقاً وغرقاً, وقد كان للعراق وهي بلدُ الإمام أحمد الرفاعي نصيب الأسد من هذه الهجمة والزلزلة العظيمة.

فضلهُ ومنزلتهُ العظيمة
بحسب التوجيهات النبوية التي كان يُلقَنُها الإمام محمد مهدي الرواس عند رؤيتهِ عليه الصلاة والسلام , قال : {قُلت ُدُلني على الحق يا رسول الله. قال : القرآن الكريم فيه مطلُوبُك. قُلت : دُلني على الطريق إلى الله تعالى. قال : تمسك بولدي أحمد الرفاعي وتصل إلى الله تعالى, فهو سيد أولياء أمتي, بعد أولياء القرون الثلاثة, وأعظمهم منزلة, ولا يجيءُ مثلهُ إلى يوم القيامة غير سَمِيك المهدي بن العسكري (المهدي المنتظر), وكيف لا, وأحمد الرفاعي قطب أهل بيتي, وخزانةُ فقهي, وتِحفُ عِلمي وصندوقُ أذواقِ أحوالي} (5).

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : {يا أيها الناس اسمعوا واعقلوا، واعلموا أن لله عز وجل عباداً ليسوا بأنبياء، ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء على منازلهم وقربهم من الله، فجثى رجل من الأعراب من قاصية الناس، وألوى بيده إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم ، وقربهم من الله، أنعتهم لنا جلهم لنا – يعني صفهم لنا, شكلهم لنا- فسُرَ وجه النبي (صلى الله عليه وسلم) بسؤال الأعرابي ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): هم ناس من أفناء الناس، ونوازع القبائل لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا يضع الله يوم القيامة منابر من نور فيجلسون عليها، فيجعل وجوههم نوراً، وثيابهم نوراً، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون, وهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (6).

وعن معاذ بن جبل, أن عمر - رضي الله عنهما- خرج إلى المسجد فوجد معاذاً عند قبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يبكي ، فقال : ما يبكيك ؟ قال : حديث سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال : {اليسير من الرياء شرك ، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة, إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إن غابوا لم يفتقدوا ، وإن حضروا لم يُعرَفوا . قلوبهم مصابيح الدجى يخرجون من كل غبراء مظلمة} إسنادهُ صحيح (7).

تبحُرُهُ العِلمي
[حتى لقبهُ الناس ڊ (الكبير).  قال صاحب الرموز: لقبهُ الناسُ بالكبير, لدراسته ومهارته العلمية. كان يكشف عن الحقائق , ويأتي بالعجائب , ويُظهر الدقائق العلمية بما لا يخطر على بال أحد , فاشتهر بهذا اللقب الشريف , حتى صار جُزءاً من اسمه.
كانت لهُ يدٌ طُولى في التدريس , ومهارة عظيمة في الإفهام والتفهيم , يحلُ المعضلات , ويأتي بما لم يأتِ به أحد غيرُه من الأدلة القوية والبراهين القاطعة على مذهبهُ ومسلكه. يتكلم سيدنا الرفاعي في درسه والتلامذة ومن حضر فيه يلقون إليه سَمعْهم مبهوتين بالتعجب من أسلوبه البديع الفريد.
يقول سِبطهُ السيد عزُ الدين أحمد الصياد الرفاعي عن أسلوب كلامه : .. فإذا ابتدأ الكلام أخرس المتكلمين , وأبهتَ الجاحدين , وحيرَ العارفين , وأطربَ السالكين , وأبكى الخاشعين , وأتى بجوامع الكَلِم , وراثةً عن جده (صلى الله عليه وسلم).
قال تعالى : {وإنكَ لَتُلَقَى القرآن من لدُنْ حكيم عليم 6} سورة النمل. ولا شكَ أن سيدنا الرفاعي كان عَلاَمَة كبيراً في جميع العلوم العقلية والنقلية , ولكنَ اللهَ حَبَاهُ وخصهُ وأفاض عليه بالعلم اللَدُني كذلك , فهو عالم رَبَاني لهُ مكانتهُ في العلوم الوهبية.
يقول صاحب الرموز: ألفَ سيدنا الرفاعي (662) كتاباً , فُقِدَ معظمها إما بواقعة التًتًر أو بالتلف , ومن مؤلفاته القيمة : [البَهجة , تفسير سورة القدر , السر المَصون , البرهان المُؤيد] (8).

وينزلُ شيخ الإيمان الإمام أحمد الرفاعي من علوم ومنهاج المدرسة الصوفية بمنزلة شيخ الإسلام الإمام أحمد ابن تيمية من علوم ومنهاج مدرسة الفقه والعقيدة.

بين المُلك والعبودية
عن أبي هريرة رضي الله عنه , عن أم المؤمنين عائشة , رضي الله عنها قالت : قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : {أتاني ملك جرمهُ يساوي الكعبة فقال‏:‏ اختر أن تكون نبياً ملِكاً أو نبياً عبداً، فأومى إلي جبريل أن تواضع لله، فقلت‏:‏ بل أُحب أن أكون نبياً عبداً، فشكر ربي عز وجل ذلك فقال‏:‏ أنت أول من تنشق عنه الأرض وأول شافع} رواهُ أبي يعلى في مُسنده.‏

لقد ألزمَ الله عز وجل وليهُ وعبدهُ أحمد الرفاعي أدب وتواضع نبيهُ وعبدهُ محمد (عليه وآله الصلاة والسلام), فاختار لهُ الدخول من باب العبودية والانكسار لهُ سبحانهُ وتعالى الواحد القهار, وهو بابٌ قل رُوادهُ وعزَ طُلابهُ إلا من شاء الله أن يدخلهُ فيه من أحبابهُ, والداخل إلى الله من هذا الباب يصير شديد القريب من ملكوت الله ومعرفته, وأبعد ما يكون عما سِواه من زينة الدنيا ومشاغلها ومناصبها وشُهرتها.
وإذا كسر العبدُ شموخ نفسهِ وكبرياءها طاعةً للمعبود, أعزهُ الله ورفعهُ مكاناً علياً في هذا الوجود, وقد قامَ بٌنيانُ هذه الأُمة ومُلكها العظيم على أكتاف رجالٍ عابدين زاهدين قلوبهم خاشعة مُنكسرة لرب العالمين, وإن ما تهدم من بنيان هذه الأمة بعد أن مضى عهد الأوليين, لم يكن ليُرمم ويُعاد بناءهُ إلى على طريقتهم في العبادة الخالصة والتجرد لرب العالمين, وهذا ما تحقق في عهد الإمام أحمد الرفاعي, حيثُ استعادة الأمة الريادة والرياسة والزمام بعد نوبةٍ طويلةٍ من الزيغ والزيف والأوهام.  

دورهُ في إصلاح الأمة
روى أبو داود في سُننه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال : {إنَ اللهَ يبعثُ لهذه الأمة على رأس كل مَائة سنة من يجدد لها دينها}.
[والتجديد يشمل أمراء العدل , وقادة الجهاد والفتح , وأوفرهم حظاً منه العلماءُ بالله تعالى الذين تنقلب بهم أحوال العبد من الغواية إلى الهداية, ومن البعد إلى القرب, ومن القطع إلى الوصل, وتُفرَغُ بسبب عَوالي هِمَمِهم مكارمُ أخلاق النبي (صلى الله عليه وسلم) في الأمة فتنهض من البَطَالة إلى العمل الصالح, ومن الخزي والفشل إلى العزِ بالله والوِفاق فيه, ومن التمسك بصالح النفس وإهمال صالح المسلمين إلى التمسك بصالح المسلمين وإهمال صالح النفس.
وقد مثل الدور الذي قام به الإمام الرفاعي أنموذجاً راسخاً في الإصلاح والتجديد على مَرِ الزمان , وشكل بمنهجه التربوي النقي الجناح الأيمن للدولة الإسلامية , وكان لهُ ولمدرسته دورٌ فعال ظلت تذكرهُ كتب التاريخ, وتمثُل أهم أدوارهم بصد الغزو الفكري, والتمزق المذهبي, والتشرذُم الإقليمي, والتطرف الجاهلي, وساهموا بدفع عجلة العلم والعمل والجهاد بنوعية] (9).

وتأكيداً على هذا الكلام عن الدور المؤثر للأئمة الأكابر من السادة الصوفية وغيرهم في نهضة وتحرر الأمة أنقل لكم بعض ما جاء في كتاب (هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس) للمؤلف: د. ماجد عرسان الكيلاني، والذي قال في مقدمة الكتاب: "إن هذا الكتاب دعوة إلى اعادة قراءة تاريخنا واستلهام نماذجه الناجحه، ودعوة إلى فقه سنن التغيير وكيف ان ظاهرة صلاح الدين ليست ظاهرة بطولة فردية خارقة ولكنها خاتمة ونهاية ونتيجه مقدرة لعوامل التجديد ولجهود الامة المجتهدة، وهي ثمرة مائة عام من محاولات التجديد والإصلاح. وبذلك فهي نموذج قابل للتكرار في كل العصور.

هذا الكتاب هو فاتحة سلسلة جديده عن حركات الإصلاح في تاريخ الامة الإسلامية. وهو يتعرض اولا للتكوين الفكري للمجتمع الإسلامي قبل الحروب الصليبية، واثار اضطراب الحياة الفكرية على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في ذلك الوقت، ثم يتحدث عن مراحل الإصلاح فيبدا بالمحاولات السياسية للإصلاح ويخص منها دور الوزير في نظام الملك ثم مشروعات التجديد والإصلاح الفكرية والتربوية، ويستعرض منها ادوار عدد غير قليل من الائمة المصلحين كالإمام أبو حامد الغزالي، وعبد القادر الجيلاني وعدي بن مسافر، ورسلان الجعبري وعثمان بن مرزوق القرشي، ويبين الاثار العامه لهذه المحاولات والمشروعات الإصلاحية، ويحلل هذه الاثار ويقومها، ويخرج في النهاية بقوانين وسنن تاريخية مع بيان تطبيقاتها المعاصرة في الامة".

وقد ثبت في كتب التاريخ والسيرة أن السلطان الفاتح المجدد صلاح الدين الأيوبي كان مسلمًا متصوفًا اتبع المذهب السني والطريقة القادرية، وبعض العلماء كالمقريزي، وبعض المؤرخين المتأخرىن قالوا: إنه كان أشعريًا، وإنه كان يصحب علماء الصوفية الأشاعرة لأخذ الرأي والمشورة، وأظهر العقيدة الأشعرية (10).

وجاء في تعريف التصوف: "انتشرت حركة التصوف في العالم الإسلامي في القرن الثالث الهجري كنزعات فردية تدعو إلى الزهد وشدة العبادة، ثم تطورت تلك النزعات بعد ذلك حتى صارت طرقا مميزة متنوعة معروفة باسم الطرق الصوفية. والتاريخ الإسلامي زاخر بعلماء مسلمين انتسبوا للتصوف مثل النووي والغزالي والعز بن عبد السلام كما القادة مثل صلاح الدين الأيوبي ومحمد الفاتح والأمير عبد القادر وعمر المختار وعز الدين القسام" (10).

 قال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ. وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} [المدثر:31].
ولقد قَيضَ اللهُ تبارك في عُلاه لهذه الأمة ببركة وليهِ أحمد الرفاعي ودأبهِ الكبير على نهج جدهِ –صلى الله عليه وآله وسلم- في العلم والعبادة الخالصة البالغة عنان السماء الملوك والخلفاء العادلين المُجاهدين المُتطهرين , ولم يكد ينتهي قرنهُ المبارك وعهدهُ الميمون حتى كتب اللهُ للسلطان المُجاهد المُنجد (صلاح الدين الأيوبي) فتح بيت المقدس وتطهيرها من دَنسِ الصليبيين في عام (583) هجرية, أي بعد مرور نحو خمسة (5) أعوام على وفاة الإمام الرفاعي - رحمه الله- التي كانت في عام (578) هجرية في أم عبيدة بواسط العراق, عن عمر يُناهز ستة وستون (66) عام وستة أشهر.
والمصادفة القُدسية هي أن الفترة الزمنية بين وفاة الغوث أحمد الرفاعي وفتح بيت المقدس, تكاد تتساوى مع الفترة الزمنية التي كانت بين وفاة جدهِ الرحمة المُهداة محمد بن عبد الله (عليه وآله الصلاة والسلام) وفتح بيت المقدس, حيث كان انتقال النبي الكريم إلى رحمة الله الرحيم في بداية عام (11) هجرية, وبعدها بما يزيد عن أربعة (4) أعوام وتحديداً في العام الخامس عشر (15) للهجرة, جاء نصرُ الله المنان بسيف أبي سليمان (خالد بن الوليد) رضي الله عنه وجندهُ, الذين فتحوا بلاد العراق والشام ووقفوا على أسوار القدس بانتظار مجيء خليفتهم مُرقع الثوب قصير الإزار, الماشي على قدميه وغلامهُ راكب الحمار,  الفاروق العظيم (عمر بن الخطاب) الذي غاصت نعليه بالطين في سهول فلسطين, والذي دخل بيت المقدس واستلم مفاتيحهُ من القساوسة والرُهبان تصديقاً لوعد الرحمنَ الذي كُتب في صُحف التوراة والإنجيل قبل أن ينزل القرآن.

لطيفة: كما ذكرت فقد أتم الباري عز شأنهُ فتح بيت المقدس للمسلمين على يد القائد صلاح الدين على إثر بيعة الإمام أحمد الرفاعي وتبعاتها, ولعلها أكثر من مجرد صدفة, أن يكون الممثل الذي لعب دور (صلاح الدين) في الفيلم المصري الشهير (الناصر صلاح الدين) اسمهُ (أحمد), حيثُ قام الممثل القدير (أحمد مظهر) ببطولة الفيلم الذي أخرجه الراحل يوسف شاهين في سنة (1963م).

المهدي الأوسط
عن أبي جعفر محمد بن علي , عن أبيه, عن جده, أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: {أبشروا أبشروا, إنما أمتي كالغيث, لا يُدرى آخرهُ خيرٌ أم أولهُ, أو كحديقةٍ أُطعمَ منها فوجٌ عاماً , لعل آخرها فوجاً يكون أعرضها عرضاً , وأعمقها عُمقاً, وأحسنها حُسناً, كيف تهلك أُمةٌ أنا أولها, والمهدي أوسطها, والمسيحُ آخرها, ولكن بين ذلك ثبجٌ أعوج , ليس مني, ولا أنا منهم} أخرجهُ الإمام أبو عبد الرحمَن النسائي, في (سُننه). 
عند ذكر الإمام المهدي (عليه السلام) فإن الأفكار والأذهان  تذهب إلى الإمام المنتظر الذي يخرج في آخر الزمان قبل نزول المسيح عيسى ابن مريم (عليهم السلام), وهذا حق وهو الأصل, إلا أن هناك ثُلة معلومة من رجال الآل (عليهم صلوات الله وسلامه) يشابهون الإمام المنتظر في هِدَايتهِ وبعض أحواله, وإن السامع الواعي لبواطن الأخبار, يستطيع معرفة الرجال الذين تنطبق عليه الصفات التي جاءت بها الأحاديث والآثار بالاشتراك مع الحُجة المُنتظر (عليه السلام).
ومن ضمن ذلك هذا الحديث, الذي نستدل منهُ بشكل كبير على أن المقصود ضمناً بقوله (عليه الصلاة والسلام): {والمهدي أوسطها}, هو الإمام الغوث أحمد الرفاعي (قَدَسَ الله سِرَه).
- حيث أن زمان بعث الإمام الرفاعي في القرن السادس الهجري هو مائل إلى الوسط تقريباً بين زمان بعث النبي محمد, وزمان نزول المسيح عيسى ابن مريم - عليهم الصلاة والسلام - في هذا القرن الخامس عشر هجري بإذن الله تعالى, وهذا الترتيب الزماني يوافق قوله (عليه الصلاة والسلام): { كيف تهلك أُمةٌ أنا أولها, والمهدي أوسطها, والمسيحُ آخرها }.
- إلا أن الشيء الأهم من هذا هو وجود عِلة وقضية مصيرية مشتركة بين أزمان بعث كلاً من النبي وحفيده الرفاعي والمسيح -عليهم الصلاة والسلام-, وهي ضياع بيت المقدس وأسرهُ وسقوطهُ في أيدي أهل الكفر والطغيان.
فكان نبينا محمد (عليه الصلاة والسلام) هو أول الغيث الذي مهد الله بهديهِ الطريق لفتح بيت المقدس وتطهيره واسترجاع هيبته وقدسيتهُ المفقودة, ليعود بيتاً مُعظماً للمؤمنين كما كان في زمان أنبياء بني إسرائيل (عليهم السلام).     
ثم كان إمامنا أحمد الرفاعي هو الولي الغوث الذي جدد الله به ما فتحه على جده -عليه وآله الصلاة والسلام- من أسباب القوة والنصر, فأذاب أخيار هذه الأمة بهذا النور الرباني الجديد جبال الجليد التي حالت بينهم وبين دخول بيت المقدس طوال نحو 9 عقود.
وأخيراً, وبعد عودة بيت المقدس إلى الظُلمةِ والأحزان, فإنهُ كما هو ثابتٌ في الأثر فإن المسيح عيسى (عليه السلام) ينزلُ في آخر الزمان من السماء كالغيث على أهل الإيمان, فيقتل المسيح الدجال ومن تبعهُ من الكافرين على ثرى فلسطين, وينصرهُ الله بعد ذلك على قوم يأجوج ومأجوج العُلوج الشرهين, وترفرف بعد ذلك راية السلام والدين, وينهزم الكفار والمعتدين.
   
في بيان أنهُ أبو الأئمة وأن المهدي المتتظر وريثهُ المُباشر
عن سالم الأشَل , قال : سمعتُ أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام يقول: {نظرَ موسى عليه السلام في السِفْر إلى ما يُعطى قائمُ آل محمد , (صلى الله عليه وسلم) , فقال موسى : ربِ اجعلني قائمَ آلِ محمد. فقيل له: إنَ ذلك من ذرية أحمد. فنظرَ في السِفْر الثاني, فوجد فيه مثل ذلك, فقالَ مثلَ ذلك, فقيل لهُ مثلَ ذلك. ثُمَ نظر في السِفْر الثالث, فرأى مِثلَه, فقال مِثلَه, فقيل لهُ مِثلُه} (11).
{قائم آلِ محمد}: هو أحد أئمة آل البيت الكرام (عليهم السلام), والمقصود من القائم في هذا الحديث على وجه الخصوص هو الإمام المهدي المنتظر.  
إن أمنية موسى ابن عمران في أن يكون هو قائم آل محمد (عليهم الصلاة والسلام), قد سَرتْ عبر الأزمان حتى لَبِسَ قائم آل محمد عباءة موسى بن عمران (عليهم السلام), وإن كان الله لم يؤتي موسى ابن عمران سؤلهُ بجعلهُ قائماً مُباشراً لآل خير الأنام محمد (عليهم الصلاة والسلام), فقد عوض الله موسى عن سؤله القوامة لآل محمدٍ ثلاث, بأن جعل ثلاثة من أئمة آل بيت محمد يقومون بيومهُ واسمهُ وسُنتهُ, فكان قدرُ الإمام الثالث الحسين بن علي (عليهما السلام), وهو القائم المُنطَوي تحت السِفر الأول, أن يقوم لقتال أعداءه في يوم العاشر من مُحرم, وهو اليوم الذي خرج فيه موسى (عليه السلام) من أرض مصر تنفيذاً لمشيئة الرحمَن, الذي أنجاهُ وأغرق فرعون وهامان.
بينما كان قدرُ الإمام السابع موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام), وهو القائم المنطوي تحت السفر الثاني, أن يحمل اسم موسى ابن عمران (عليهما السلام).
وأخيراً, فقد قَدرَ الله للإمام الثاني عشر محمد المهدي المنتظر, وهو القائم المنطوي تحت السفر الثالث, أن يسير على سُنة موسى بن عمران (عليهم السلام) في إهلاك الظالمين وقصم الجبارين بعد خوفٍ وضياعٍ يدوم سنينٍ. عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: {... ويبعث السفياني بعثاً إلى المدينة، فينفر المهدي منها إلى مكة فيبلغ أمير جيشه السفياني أن المهدي قد خرج إلى مكة، فيبعث جيشاً على أثره، فلا يدركه حتى يدخل مكة خائفاً يترقب، على سُنة موسى بن عمران، عليهما السلام. وينزل أمير جيش السفياني بالبيداء، فينادي منادٍ من السماء: يا بيداء أبيدي القوم. فيخسف بهم، فلا يفلت منهم إلا ثلاث نفر، يحول الله تعالى وجوههم إلى أقفيتهم، وهم كلب, ...} (12).
وكما بعثَ اللهُ السيد أحمد الرفاعي على قلبِ نبي النصارى عيسى (عليه الصلاة والسلام)  في زمن احتلال الصليبيين لبيت المقدس وتخْرِيبه , فإنهُ سيبعث المهدي المنتظر على قلبِ أنبياء اليهود وبشكلٍ خاص نبيهم العظيم وإمامهم المُبين موسى بن عمران (عليهم الصلاة والسلام أجمعين), في هذا الزمان الذي نزلَ فيهِ اليهود بيت المقدس وأسروهُ والتفوا حولهُ كالأفعى التي ما أن تنتهي من خنق فريستها حتى تهِم بابتلاعها.

عن حُذيفة بن اليمان , رضي الله عنه , عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) , في قصة السُفياني , وما يفعلهُ من الفُجور والقتل , فقال : {فعندَ ذلك يُنادي مُنادٍ من السماء : يا أيها الناس , إن الله عز وجل قد قطعَ عنكم مُدة الجبارين والمُنافقين وأشياعهم. و ولاكم خير أمة محمد (صلى الله عليه وسلم), فالحقوا به بمكة, فإنهُ المهدي, واسمهُ أحمد بن عبد الله}. قال حُذيفة : فقام عمران بن الحصين الخُزاعي , فقال : يا رسول الله , كيف لنا بهذا, حتى نعرفه؟ قال : {هو رجُلٌ من ولدي , كأنهُ من رجال بني إسرائيل , عليه عباءتان قَطوانيتان , كأن وجههُ الكوكب الدُري في اللون, في خده الأيمن خالٌ أسود , ابن أربعين سنة}.
قطوانية: عباءة بيضاء قصيرة الخمل. (13).
قال تعالى :{وقال لهم نبيهم إن آية مُلكهِ أن يأتيكم التابوت فيه سكينةٌ من ربكم وبقيةٌ مما تركَ آلُ موسى وآلُ هارون تحملهُ الملائكة. إن في ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين 248} البقرة.
عن سليمان بن عيسى , قال : {بلغني أنه على يدي المهدي يظهر تابوت السَكينة من بحيرة طبرية , حتى يُحمل , فيوضع بين يديهِ ببيت المقْدس , فإذا نظرت إليه اليهُود أسلمت إلا قليلاً منهم} (14).
وفي هذا الحديث إشارة غيبية تحقق نصفها بنزول اليهود بيت المقدس وتمركزهم حوله , وبقي أن يتحقق النصف الآخر بخروج الإمام المهدي (عليه السلام) إليهم بعد أن يبعثهُ اللهُ غياثاً للمسلمين والإسلام.

قال تعالى في سورة البقرة : {وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون} آية 50.
عن كعب الأحبار رضي الله عنه, في قصة فتح القسطنطينية, قال : {فيركز لواءه - يعني المهدي عليه السلام - ويأتي الماء ليتوضأ لصلاة الصبح . قال : فيتباعد منه , فإذا رأى ذلك أخذ لواءه , فاتبع الماء حتى يجوز من تلك الناحية, ثم يركزه, ثم ينادي : أيها الناس, اعبُروا, فإن الله عز وجل قد فَرَقَ لكم البحر كما فَرَقهُ لبني إسرائيل. قال : فيجوز الناس, فيستقبلوا القسطنطينية, فيُكَبرون, فيهتزُ حائطها, ثم يُكبرون فيهتز, ثم يُكبرون فيسقط منها ما بين اثني عشر بُرجاً} وذكر باقي الحديث. (15).

وعودةً إلى حديث الإمام الباقر عليه السلام عن (قائم آل محمد) المذكور في أول الفقرة, ولنتوقف قليلاً عند جملة: {إن ذلك من ذرية أحمد}, والتي يُشير معناها الظاهر المباشر إلى أن قائم آل محمد إنما هو من ذرية محمد وعقبه (عليه وآله الصلاة والسلام), إلا أنني أود من خلال هذه الجملة بيان معاني وحقائق ربما تكون غائبةً عن ذوي العلم والأفهام:
أولاً: إن عقد الدُرر لأئمة آل محمد الإثنى عشر قد بدأ في أول هذا الأمر بأمير المؤمنين علي, وتتابع حتى انتهى عند الدُرة الحادية عشر وهو الإمام الحسن العسكري (عليهم صلاة الله وسلامه جميعاً), ثم توقف بعد ذلك تتابع دُرر هذا العقد الذي تبقى لاكتمالهِ دُوُرةً واحدة, ثُم أذن الله في وسط الزمان ببعث الإمام رفيع الشأن أحمد الرفاعي عليه السلام, وهو وإن كان من سُلالة أئمة آل محمد وأعلامهم المهديين في الطين والدين (عليهم الصلاة والسلام أجمعين), إلا أنهُ ليس الدُرة الأخيرة التي يكتملُ بها ذلك العقد النبيل من الأئمة, والتي يكون اكتمالها في آخر الزمان ببعث أبي عبد الله المهدي الذي يصلي خلفهُ عيسى الذي كلم الناسَ في المهدِ (عليهما الصلاة والسلام). ونستنتج من هذا التسلسل في أئمة آل محمد (عليه وآله الصلاة والسلام), والذي في أوله المُرتضى علي ووسطه أحمد الرفاعي وآخره الحُجة المهدي, المعنى الخفي الأول لجملة: {إن ذلك من ذرية أحمد}, وهو أن القائم الأخير المهدي المنتظر يأتي بعد الإمام أحمد الرفاعي ذو الباع الطويل ويعقُبهُ في الزمان والعلمِ والمقام.

ثانياً: إن الإثنى عشرية ليست مذهباً استحدثهُ الإسلام, ولكنها كانت موجودة في قديم السُنن والأديان كما جاء في القرآن, قال تعالى: {وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أُمماً} [160, الأعراف].
وقد كان إبراهيم الخليل هو المؤسس الأول لعقيدة وديانة أسباط بني إسرائيل (عليهم صلاة الله وسلامه), وعلى الجانب الآخر فإن الحبيب محمد (عليه وآله الصلاة والسلام) هو المؤسس الأول لعقيدة وديانة أئمة آل بيته الإثنى عشر.
  
قال تعالى: {وقالوا لا تذرُنَ آلهتكم ولا تذرُنَ وَداً ولا سُواعاً ولا (يغوث ويعوق) ونسراً 23} سورة نوح.
فإذا كان (يعقوب) هو أبو الأسباط الإثنى عشر ومن ضمنهم أخوهم النبي عظيم القَدر يوسف (عليهم صلاة الله وسلامه), فمن عساهُ أن يكون أبو أئمة الآل الإثنى عشر؟
ومن هذا التساؤل نستخلص المعنى الأكثر عُمقاً لجُملة: {إن ذلك من ذرية أحمد}, وهو أن الإمام (الغوث) أحمد الرفاعي الكبير هو بمثابة الأب الروحي لقائمي وأئمة آل محمد الإثنى عشر (عليهم صلاة الله وسلامه جميعاً), فهو شمسُ الآل الساطعة التي أضاءت بطلعتها ما قبلها وما بعدها.  

قال تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ 4} سورة يوسف.
إن كل إمام من قائمي الآل الإثني عشر الكرام يكون في زمانهِ وولايته بمنزلة يوسف الصديق (عليهم السلام), بينما يكون مصابيح الهُدى الأئمة الأحد عشر الآخرين بمنزلة الكواكب الدُرية التي تدور في فلك الإمام صاحب الزمان, ويكون الغوث أحمد الرفاعي الكبير بمنزلة الأب, والشمس التي لا تغيب عن أي إمامٍ في أي زمان, قال تعالى: {.. وأبونا شيخٌ كبير} [آية 23, القصص], وأما القمر المُنير فهو السيدة فاطمة الزهراء البتول ابنة الرسول, وزوجة الإمام علي, وأم بقية أئمة آل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
وسجود الأئمة الأحد عشر وشمسهم (أحمد) وقمرهم (فاطمة) للإمام صاحب الزمان (عليهم جميعاً من الله الرضوان), يعني أنهم يعترفون بفضلهِ ويُثنون عليه, ويعظمون شأنهِ ويرفعون مقامهِ, ويؤيدونهُ ويطلبون لهُ النصر والظُهور في الأرض. 

وآخر دعوانا أن الحمد لله ر ب العالمين, وصلى الله على محمد وآله وأصحابه والتابعين إلى يوم الدين.

الهوامش:
1- هذه الفقرة منقولة من كتاب (قلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعهُ الأكابر).
2- من كتاب (الإمام السيد أحمد الرفاعي) من تأليف السيد مصطفى الرفاعي الندوي.
3- من كتاب (رموز الفقراء) ص 8.
4- أخرجهُ الحافظ أبو نعيم في (صفة المهدي).
5- من كتاب (منشور البُشرى والهُدى) لفضيلة الشيخ ناصر الدين الخطيب.
6- رواهُ أبو مالك الأشعري , بإسنادٍ حسن (كتاب الترغيب والترهيب).
7- (كتاب الترغيب والترهيب).
8- من كتاب (الإمام السيد أحمد الرفاعي).
9- اقتباس من كتاب (منشور البُشرى والهُدى).
10- (موقع ويكيبديا).
11- من كتاب (عقد الدرر في أخبار المنتظر).
12- عقد الدرر, الفصل الثاني, وفيه الخسف بالبيداء وحديث السفياني.
13- أخرجهُ الإمام أبو عمرو المُقري في (سُننه).
14- أخرجهُ الحافظ نعيم بن حماد في كتاب الفتن.
15-  أخرجهُ الإمام أبو عمرو المُقري في (سُننه).


* نُشر لأول مرة في مدونة (ولي الدين والمسبار السحري) بتاريخ 20-1-2008
من فكرة وإعداد: م. وليد أحمد القراعين  



السبت، 16 فبراير 2013

الدخان آية وآفة آخر الزمان


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, وأصلي وأسلم على خير المرسلين محمد وآله وصحبه ومن تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.
 أما بعد ؛ عن النعمان بن بشير قال , سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: {إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ. أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ. أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مضغة، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ} رواه الشيخان.

بعد أن لفظت الحروب العالمية الكبرى أنفاسها في منتصف القرن الماضي, وبدأت الدول بالاستقرار والنماء التدريجي, انتقلت الشعوب مع هذا التغير في الاستراتيجية العالمية من مرحلة الموت السريع والمُريع بالأسلحة الحربية, إلى مرحلة الموت البطيء بالأمراض والآفات البيئية والإجتماعية, وفي الحقيقة فإن انتشار وتنامي ظواهر الفساد والتلوث الهوائي والغذائي والمائي والأخلاقي في العالم ككل, أدت إلى تحطيم المناعة الجسدية والنفسية عند شعوب العالم بنسبٍ وصورٍ متفاوتة ومتنوعة, وتفشت في أرجاء هذا العالم عددٍ من السلوكيات والعادات السيئة, ومن أبرزها وأكثرها خطورة وأسرعها انتشاراً آفة التدخين, حيثُ تتجاوز أعداد المُتعاطين لخمور الأنفاس – السجائر والتبغ المُعَتَق والمُشبع بالمواد الكيماوية والسامة- ما بين رجال ونساء وشيوخ وصبيان المليار إنسان, وبحسب الدراسات الشاملة التي تجريها منظمة الصحة العالمية عن الأحوال الصحية على الصعيدين العالمي والإقليمي,  فإن الأمراض التي يتسبب التدخين في إحداثها بشكل مباشر وغير مباشر تأتي في المقدمة وهي: أمراض القلب والسكتة الدماغية وسرطان الرئة والالتهاب الرئوي, وبالتالي فإن حالات الوفاة التي تنتج عن هذه الأمراض والتي تُقدر بملايين البشر سنوياً يُعتبر التدخين مُساهماً رئيسياً في إحداثها.

ومن حيث عبء المرض الاقتصادي اعتبرت الدراسة ان التدخين يكلف البلدان ذات الدخل العالي والمتوسط أموالا باهظة تتمثل في تقديم الرعاية الصحية للأمراض الناتجة عن التدخين. هذا عدا عن الأموال الطائلة التي تُنفقها الشعوب على شراء مُنتجات التبغ المختلفة جالبةً على أنفسها الضرر الصحي والخسارة المادية.

وإلى جانب آفة التدخين الإرادي, تبرز ظاهرة التدخين السلبي أو اللا إرادي, وهو استنشاق الأشخاص الغير مدخنين للدخان الناتج عن احتراق السجائر والتبغ وزفير ونفخ المدخنين, وإن استنشاق غير المدخنين للأدخنة المنبعثة عن الآخرين بشكل مباشر ومستمر, يجعلهم يتقاسمون أضرار هذه الآفة مع أقرانهم المدخنين ولو كان ذلك بدرجة أقل نسبياً, وحتى إن قُدرَ لأجسادهم النجاة من أضراره الصحية فإن أنوفهم حتماً لن تنجو من اشتمام رائحته الكريهة.

وإلى جانب التبغ والسجائر, فإن المدخن وغير المدخن عُرضة لما تتسبب به عوادم المركبات التي تضيق بها شوارع وزقاق المدن الكبرى من تلوث بيئي كبير, ولم يعد بالإمكان السير بالشوارع على الأقدام أو حتى فتح نوافذ المركبات أثناء السير, لأنك لن تستنشق سوى الهواء الملوث والمُشبع بالسموم, والذي هو سبباً رئيسياً في تحطيم جدار المناعة في جسم الإنسان.

وما من شك أن التدخين الذي يبدأه الناشئين وهم خائفين مختبئين حتى إذا كبروا أعلنوا عنه غير مكترثين هو من الفواحش والفسوق, وإن المدخن عليه وزريْن, أولاً وزر إلحاق الأذى بنفسه التي هي مُلك الله, وثانياً وزر ألحاق الأذى بالآخرين رغماً عن أنوفهم.

وتأتي فاحشة التدخين التي فاحت رائحتها الكريهة بشكلٍ ملحوظ في القرن العشرين بعد الزنا وشرب الخمر في درجة التحريم! فهل أنتم منتهين؟
واسمعوا يا أبناء المسلمين لحديث سيد المرسلين محمد (صلى الله عليه وآله أجمعين) يذكر لكم المعصية وما يُسفر عنها من مرضً وابتلاء: {يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا ابتلوا بالطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا , ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا ابتلوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم , وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا , ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم , وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم} رواه عبد الله بن عمر, وإسناده صحيح.

وفي الحقيقة فإني لا أنوي التعرض لمسألة الدخان والتدخين بمنظورها الصحي والإحصائي المعروف, حيثُ أن هناك مئات النشرات التي تصدر سنوياً لتوعية الناس بأضرار ومخاطر التدخين, ولكنني أنوي التعرض لهذه القضية والآفة المستفحلة من وجهة دينية وعقائدية, حيث أن ظاهرة (الدخان والتدخين) بصورتها الحالية هي بحسب علم واعتقاد كثيراً من الناس غائبة ومنسية في النصوص الدينية, لذا ارتأيت أنه من الضروري رفع هذا الالتباس من أذهان الناس حول هذه المسألة المُحدثة لما فيها من المساس بصحة الأنفاس, وذلك من خلال بيان الروايات التي دلت عليها وتحدثت عنها بشكل مباشر, إضافةً إلى بعض النصوص الأخرى المُساندة التي تدخل مسألة الدخان في حكمها ومعناها.

آية الدُخان
قال تعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخانٍ مُبين 10 يغشى الناس هذا عذابٌ أليم 11} سورة الدخان.

لقد جاء ذكرُ الدخان في كتاب الله والأحاديث النبوية مقروناً بالعذاب الأليم ونار الجحيم, وللحديث بشكلٍ أوسع عن الدخان الذي هو إحدى آفات هذا الزمان الكبرى, أسوق لكم بعض ما جاء في الأثر عن خير البشر من دلالات ومُنذِرات من هذا البلاء المزعج والمُهلك, فعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه, قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): {إن ربكم أنذركم ثلاثاً: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة, ويأخذ الكافر, فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع ٍ منه, والثانية الدابة, والثالثة الدجال} (1).
وقال ابن أبي حاتم, عن علي ٍ رضي الله عنه: {لم تمض آية الدخان بعد, يأخذ المؤمن كهيئة الزكام, وتنفخ الكافر حتى ينفذ} تفسير ابن كثير.

وعن حذيفة , رضي الله عنه , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , في ذكر أشراط (علامات) الساعة , قال : { فعند ذلك يظهرُ الدخان} يعني عند هلاك يأجوج ومأجوج, ورجوع عيسى إلى بيت المقدس.
قال حذيفة : يا رسول الله , وما آية الدخان ؟ قال : { تسمع له ثلاث صيحات, ودخانٌ يملأُ ما بين المشرق والمغرب , فأما المؤمن فتُصيبهُ زكمة –زُكام-, وأما الكافر فيُصيبه مثل السكران , يدخل في منخره وأُذنهِ وفيهِ ودُبره, وخسفٌ بالمشرق, وخسفٌ بالمغرب, وخسفٌ بجزيرة العرب, وخروج الدابة} إلى آخر الحديث (2).

إن الدخان المذكور في الأحاديث الثلاثة أعلاه كما هو معلوم آية وعلامة من علامات الساعة الكبرى وآخر الزمان, إلا أننا إذا قمنا بدراسة هذه الروايات وقياسها على واقع حالنا, وبشكل خاص ظاهرة الدخان والتدخين التي انتشرت في وقتنا وزماننا الحاضر, فإننا نجدُ ثمة تطابُق وتشابه كبير بالجملة والتفصيل بين دخان ما قبل خروج الدابة, ودخان ما قبل ظهور المهدي (عليه السلام), وهو الدخان المعروف والمنتشر في هذه الأيام, والذي هو بمثابة التمهيد لظاهرة وآية الدخان الأكبر الذي يغشى بني الإنسان.

ولنبدأ بالحديث الأول الذي ذُكر فيه أن: { الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة, ويأخذ الكافر, فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع ٍ منه}.
إن المؤمن والكافر يمثلان شخصيتين مختلفتين ومُتضادتين, والمؤمن هو بمثابة الشخصية النافعة والإيجابية, وأما الكافر فهو بمثابة الشخصية الضارة والسلبية, أي أننا إذا ما أردنا أن نُسقط أحاديث الدُخان هذه على الدخان المنتشر في هذه الفترة من الزمان, فإن المؤمنين يكونون كنايةً عن (غير المدخنين), والكافرين يكونون كنايةً عن (المدخنين والمُدمنين), وإن الوصف الذي جاء في الحديث لما يُصيب كلاً من المؤمن والكافر من أثر الدخان, يتوافق عملياً مع ما يصيب المُدخن وغير المُدخن من آثار دخان هذا الزمان (السجائر), فأما المؤمن - وهو بمثابة غير المُدخن- فإنه يُصاب بزكمة (احتقان وضيق ورشح) من آثار الدخان الذي ينفخه المدخنين وهو ما يُعرف حالياً ڊ (التدخين السلبي).
وأما الكافر – وهو بمثابة المدخن- فإنه يَبلع ويسحب الدخان مع الشهيق الفموي إلى داخل جوفه الذي ينتفخ به, قبل أن ينفَخهُ ويُخرجهُ مع الزفير من فمه وأنفه.

وننتقل إلى الحديث الثاني عن علي (رضي الله عنه) وذُكر فيه أن آية الدخان: {تنفخ الكافر حتى ينفذ} ينفذ: يهلك ويموت.
وإن الإدمان على الدخان يفتك بجسد المُدخن ويُدمر صحته ويتركه على فراش المرض حتى تزهق روحه, ولا يكاد يخلو بيت من مُدخن توفي بجلطات ونوبات قلبية وسرطانات يشكل التدخين عاملاً أساسياً في حدوثها, ورغم ذلك فإننا نرى كثيراً من المدمنين قبل دخولهم غرفة العمليات وبعد خروجهم منها لا يستنكفون عن التدخين, وكأنه عبادة وفريضة لا يتركوها إلا ساعة موتهم.

وأخيراً مع الحديث الثالث عن حذيفة ويُذكر فيه عن آية الدخان: { تسمع له ثلاث صيحات}: ولعله أراد أن الدخان يخرج على ثلاثة مراحل أو ثلاثة صور وأشكال.
ثم قال عنه :{ يملأُ ما بين المشرق والمغرب}: وإن الدخان المعروف في هذا الزمان وهو التبغ والسجائر وعائلتها قد انتشر في جميع البلدان, ولا تكاد تخلو قريةً متحضرة أو نائية في مشرق الأرض أو مغربها من هذه السجائر والتبغ ومدخنيها.
وقوله: { وأما الكافر فيُصيبه مثل السكران }: إن تشبيه الكافر – الذي هو بمثابة المدخن- بالسكران يتوافق مع الحقيقة من عدة نواحي:
أولاً: إن كلاً من شارب الدخان وشارب الخمر يتعاطى مادته من خلال الفم, حيث أن الخمور تكون على هيئة شراب سائل, بينما الأدخنة تكون مع الهواء المُتنفس من الفم.
 ثانياً: يشترك شاربي الخمور وشاربي الدخان بمرض الإدمان, حيث أن شارب الخمر الذي اعتاد السُكر يصير جسمه مدمناً على مادة الكحول ومكونات الخمر الأخرى, وشارب الدخان يصير جسمه مدمناً على مادة النيكوتين ومكونات السيجارة الأخرى, وكلاً منهما يصبح مزاجه خاضعاً لهذه الأشربة, ويصير بحاجة إلى رادع ٍ قوي وحُجة واضحة ليقنع نفسه بضرورة الإقلاع عن هذه المُحرمات والعادات السيئة.
ثالثاً: إن معظم المدخنين إذا سُألوا عن سبب ممارستهم للتدخين يجيبوا بأنهم يفعلون ذلك لكي ينسوا همومهم, وينفسوا عن غضبهم, ويسلوا ويمتعوا أنفسهم, وهذا هو ديدن وحال شاربي الخمر, فإنهم يشربون ويسكرون للدواعي ذاتها.   

ومن محصلة هذه الأحاديث نستطيع أن نقسم آية الدخان إلى قسمان:
الأول هو الدخان الذي ملأ الدنيا من مشرقها إلى مغربها في هذا الوقت والزمان, والذي هو من صنع الإنسان, يمسكه الناس بأيديهم ويتنفسونه ويخرجونهُ من أفواههم وأنوفهم, وأما القسم الثاني فهو الدخان الذي تأتي به السماء, وحقيقة هذا الدخان في علم الرحمَن, والأسباب الطبيعية أو المفتعلة المؤدية إلى ظهور دخان عظيم يغشى الناس بعذابٍ أليم كثيرة ومن الصعب حصرها والتكهن بها, وعلى سبيل المثال هناك سحب الدخان التي تخرج من فوهات البركان وتُمطر حجارة ونيران, وهناك الحرائق بفعل الحروب وارتفاع الحرارة وعبث الإنسان, ويبلغ هذا القسم من الدخان أوجهُ وقمة تجليهِ بعد خلافة عيسى (عليه السلام) وقبل خروج الدابة.

 وتعقيباً على تشبيهنا المؤمنين بغير المدخنين, والكافرين بالمدخنين, قد يقول قائل:إن فلاناً من الناس نحسبهُ مؤمناً وهو مُدمن على الدخان؟
الجواب على مثل هذا التساؤل نستشفه من قول المصطفى علية الصلاة والسلام, عن أبي هريرة رضي الله عنه: {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن , ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن , ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن , والتوبة معروضة بعد } صحيح مسلم.
وقياساً على ذلك نقول: (ولا يشرب الدُخان حين يشربها وهو مؤمن).
 ومعنى الحديث هو أن المؤمن حين تُسَول لهُ نفسهُ فعل المعصية فيفعلها فإنه يكون في تلك الساعة واللحظة خارجاً عن دائرة الإيمان إلى أن يكُف ويتوب.

ومن مثلُ ذلك أيضاً ما رواهُ عبد الله بن عمر, عن النبي (عليه الصلاة والسلام) أنه قال: { المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم ، والمهاجر من هجر السيئات ، والمجاهد من جاهد نفسه لله } رواه ابن تيمية بإسنادٍ جيد.
أي أن من يؤذي المسلمين بلسانه ويده يكون خارجاً عن دائرة الإسلام, وإن المُدخن يرتكب معصيته ويؤذي الناس بيده وفمه الذي هو بيت اللسان, فيمسك سيجارته بيده, ويمضغها وينفخ دخانها بفمه.

وكقوله (عليه الصلاة والسلام): { والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن قيل : من يا رسول الله ؟ قال : الذي لا يأمن جاره بوائقه قالوا يا رسول الله وما بوائقة ؟ قال : شره } حديث صحيح, رواه أبي هريرة.
اقسم (صلى الله عليه وسلم) ثلاثاً بأنهُ لا يؤمن من آذى جاره بشرهِ وشراره, وإن الجارُ هو من كان منزلهُ بجوار منزلك, ومن كان مجلسهُ بجوار مجلسك, وهكذا فإن الشخص الذي ينفثُ دخان سجائره ويجلس بجوار الناس في حافلة ركاب, أو غرفة مكتب, أو طابور انتظار وغيره, هو داخلٌ بلا شك في قَسَم رسول الله في من لا يبلغ درجة الإيمان.

وعن أبي موسى الأشعري, عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:{ إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء ، كحامل المسك ونافخ الكير . فحامل المسك ، إما أن يحذيك ، وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحا طيبة . ونافخ الكير ، إما أن يحرق ثيابك ، وإما أن تجد ريحا خبيثة } صحيح مسلم. وفي رواية أنس: { ومثل الجليس السوء كمثل صاحب الكير إن لم يصبك من سواده أصابك من دخانه } إسناده صحيح.
وكم سمعنا عن حرائق نتج عنها خسائر مادية وبشرية كان سببها ومبتدأها عقب سيجارة مشتعل ألقاه صاحبه وهو لا يلقي له بالاً.

وإن المُدخن هو كآكل البصل والثوم, عليه إذا غلبت على أنفساه رائحة دُخانه الكريه أن لا يأتي مسجداً ولا جماعة, وإذا أصر على التدخين فليكن بعيداً عن الناس, وفي أمكنة ليس فيها سوى المدخنين. 
عن جابر بن عبد الله, عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: { من أكل من هذه البقلة ، الثوم ( وقال مرة : من أكل البصل والثوم والكراث ) فلا يقربن مسجدنا . فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم } صحيح مسلم.

وفي بدايات ظهور التدخين كانت البيئة لا تزال نقية, كثيرة الفسحة والخُضرة والماء, ولم تكن المُدن قد تكدست بالبنيان على حساب المساحات الخالية والأراضي الزراعية والغابات, كما لم تكن هذه المدن والقُرى قد اكتظت بالسيارات والمركبات التي تعمل عن طريق احتراق الوقود, والذي يؤدي إلى انبعاث الأدخنة الضارة, هذا بالإضافة إلى المصانع والمعامل والمشاغل التي تتسبب بتلوث البيئة بالأدخنة والغازات والفضلات الكيميائية الضارة, ولا ننسى كذلك المعدات الحربية والقنابل النووية والكيميائية التي قد تتسبب في تدمير البيئة خلال دقائق معدودة, ولا يخفى عليكم الوضع البيئي الخطير الذي يعيشه العالم, والتلوث الذي ظهر وانتشر في البر والبحر والجو.
وكنتيجة لما هو مذكور أعلاه من تغيرات جذرية طرأت على الوضع البيئي في العالم, لم يعد بإمكان الإنسان الذي يرجو المحافظة على صحته وعافيته تَقَبُل أو تحمُل المزيد من تداعيات ومظاهر التلوث, وأعني بذلك تحديداً ظاهرة التدخين, حيثُ أن وجود الأشخاص المدخنين الذين يشاركونهم المسكن والمركب وأماكن العمل والترفيه..الخ, يشكل عبأ ً إضافياً عليهم يكدر صفوهم ويؤذي حناجرهم, حيثُ أنه لم يتبقى هناك هواء نقي يستنشقه الإنسان بدون الدخان, فكيف يكون الحال مع الإضافة التي يفرضها المدخنون بما ينفثونه من أدخنة وسموم وروائح كريهة.

لذا فقد أصبح من المُلِح أكثر من أي وقتٍ مضى أن يعيد المجتمع وبخاصة المدخنون أنفسهم النظر في هذه العادة السيئة التي أدمنوا عليها, والتي لم يعُد هناك مجال لتقبُل بقاءها على النحو الذي جرت عليه العادة فيما مضى, وإن كان ولا بُد فإن على المدخنين أن يرعوا حرمة البيوت والأطفال والشيوخ والمرضى, وكل من يأنف استنشاق هذه السموم والروائح الكريهة, فلا يفرضوا عليهم شمها واستنشاقها معهم.
   
ورغم صدور فتوى رسمية مقرونة بإثباتات عملية وشرعية من مَجمع الفقه الإسلامي تُحَرم التدخين, إلا أنني لم أسمع أن أحداً من المسلمين الملتزمين أو المُفرطين قد صَدقَ هذه الفتوى وعمل بها, ويرجعُ ذلك إلى استحكام الهوى وحب الدنيا وشهواتها في قلوب كثيرٍ من الناس, وإلى تشتت المسلمين واختلافهم في أمور دينهم وخاصةً فيما يتعلق بمُستحدثات الزمان, إضافةً إلى ضعف هيبة العلم والعلماء في نفوسهم, وغُمةً كهذه لن تُرفع من سماء الأمة إلا باجتماع المسلمين من جديد على إمامٍ واحد لديه من صفة القداسة والمدد الرباني والسلطة الدينية والدنيوية ما لا ينبغي لأحدٍ إنكارهُ والخروج عليه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين , وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

* نُشر لأول مرة في مدونة (ولي الدين والمسبار السحري) مدمجاً مع مقال (إمام الأمة على هامش أهل الهمة) بتاريخ 6-5-2009
* فكرة وإعداد: م. وليد أحمد القراعين

المراجع:
- كتاب عقد الدرر في أخبار المنتظر.

الهوامش:
 (1)- أخرجه ابن جرير ورواه الطبراني, وإسنادهُ جيد.
(2)- أخرجه الإمام أبو عمرو الداني, في (سننه).  


الخميس، 14 فبراير 2013

غاية المرام من كنية وكرامة المهدي عليه السلام



بسم الله الرحمَن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آلهِ الطيبين, وصحابته المُنتخبين, وعلى من تبعهُم بإحسان ٍ إلى يوم الدين.
أما بعد ؛ قال تعالى: {ولا يُنبئك مثلُ خبير}[فاطر: 14].
على غرار ما قمتُ بإيضاحهِ من مقاصدٍ خفية وراء نِسبة المهدي عليه السلام إلى آل البيت الكِرام والحضرة النبوية في مقالي السابق: (إمام الأمة على هامش أهل الهمة), وكذلك أسرار تسميته ولقبه وترتيبه في الإمامة في مقال: (صرير الأقلام في اسم وإمامة صاحب الزمان), فإني سأعمل في هذا المقال على إضافة معلومة جديدة وخبرٍ هام مرتبط بكنية الإمام المهدي (عليه السلام), بالإضافة إلى فقرة أخرى تتحدث عن بعض الكرامات التي يؤيد الله بها الإمام المهدي, مع بيان جانباً من المقاصد الخفية المرتبطة بهذه الكرامات والمنح الربانية, مُستعيناً في شرح هذه المسائل وبيانها بالقرآن والأثر والقياس والنظر, راجياً من الله التوفيق والسداد بالقول والعمل.

وفي نطاق غوصنا في أعماق مسألة الإمام المهدي المنتظر, فإنه وللأسف فقد شاعت عند العامة وحتى العلماء في هذا الزمان أخبارٌ وأقوال عن الإمام المهدي عليه السلام بعضها خاطئ وبعضها لا أصل لهُ, وذلك كاعتقاد بعض الناس بأن المهدي المنتظر لا يخرج حتى تفنى التقنيات الحديثة ويرجع الناس إلى حياتهم الأولية, إلا أنهُ لا يوجد أي حديث صحيح أو ضعيف بهذا المعنى, بل الوارد هو أن الله يؤيد المهدي بعلوم الدنيا والدين وأسبابهما, والنعمة التي تنعُمها الأمة في زمان المهدي ولم تنعُم مثلها أمةً من قبل, إنما هي بإحدى أبعادها تتجلى في هذه الثورة المُذهلة في علوم الدنيا ووسائلها, وفي استخراج ما في الأرضِ من كنوز وثروات وتسخيرها لمصلحة الإنسان, والناس في مثل هذا الزمان هم أحوج ما يكونون إلى خروج رجلٍ مثل المهدي عليه السلام, وذلك لما تسبب به هذا التطور الحضاري المُذهل من فتنةٍ للناس في دينهم, حيث صارت أمور الدنيا وملاذها وترفها هي الشغل الشاغل لكثيرٍ من الناس, وصارت هذه التقنيات الحديثة أداةً فاعلة في أيدي شِرار الخلق لفرض سيطرتهم على بُسطاء الناس وضعفائهم واستغلالهم, هذا عدا عن المخاطر البيئية العظيمة التي تهدد حياة الناس وتنذرهم بعواقب كارثية وخيمة, وذلك إذا ما استمروا في إهمالهم وتبذيرهم وعدوانهم في استخدام طاقات الأرض, وأيُ مهديٍ وأيُ مسيحٍ ينتظرهم الناس بعد حلول الكارثة وفناء هذه الحضارة التي هي حصيلة تجارب البشر منذ هبوط أبيهم آدم وزوجتهُ حواء على الأرض , وإنما هي أنفاسٌ قليلة تلفظها الدنيا قبل أن تحل القيامة الكُبرى عليها, فلا تُطِيلوا الأمل ولا تَغُرَنَكم الحياةُ الدنيا ولا يَغُرَنَكم باللهِ الغَرور.
قال تعالى: {يا أيُها الناس اتقوا ربكم واخشوْا يوماً لا يجزي والدٌ عن ولدهِ ولا مولودٌ هو جازٍ عن والده شيئاً. إن وعد الله حق, فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغُرنكم بالله الغَرور 33 إن الله عندهُ علمُ الساعة ويُنزل الغيث ويعلم ما في الأرحام, وما تدري نفسٌ ماذا تكسبُ غداً, وما تدري نفسٌ بأيِ أرضٍ تموت. إن الله عليمٌ خبير 34} سورة لقمان.

المهدي أبا عبد الله
قال تعالى: {تبارك الذي نَزَلَ الفرقان على عبدهِ ليكون للعالمين نذيراً 1 الذي لهُ مُلك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن لهُ شريكٌ في المُلك وخلق كلَ شيءٍ فقَدَرَهٌ تقديراً} سورة الفرقان.
وقال جل في علاه: {إليه يُردُ علم الساعة. وما تخرجُ من ثمراتٍ من أكمامها وما تحملُ من أُنثى ولا تضعُ إلا بعلمهِ. ويوم يُناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد 47} سورة فُصلت.

وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لو لم يبقى من الدنيا إلا يومٌ واحد , لبعث اللهُ فيهِ رجُلاً اسمهُ اسمي, وخُلْقُهُ خُلقي , يُكنى أبا عبد الله } . أخرجهُ الحافظ أبو نعيم في (صفة المهدي).
إن لكلِ كُنيةٍ يُكنى بها الإنسان قصة وسبب ونَسب, فما هو يا ترى سرُ تَكني إمام آخر الزمان المهدي عليه السلام (بأبي عبد الله)؟!
إن لتكني المهدي عليه السلام ڊ ِ(أبي عبد الله) دلالة كبرى وسرٌ عظيم, يكمنُ في قيام الإمام المهدي بمقام الأب من النبي الكريم عيسى ابن مريم (عليهم صلوات الله وسلامه), وذلك أن المسيحُ عيسى ابن مريم (عليهما السلام) هو (عبد الله) كما عَرَف عن نفسهِ في القرآن, قال تعالى: {فأشارت إليهِ, قالوا كيف نُكلم من كان في المهد(ي) صبياً 29 قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً 30} سورة مريم.

عن أبي هريرة , رضي الله عنه, قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): {كيف أنتم إذا نَزَلَ ابنُ مريم فيكم, وإمامُكُم منكم} أخرجهُ الإمامان في (صحيحيْهما).

وقد أخرج أئمة الحديث عدة روايات في نزول عيسى ابن مريم عليهما السلام في نُصرة الإمام المهدي وفي صلاتهُ خلفهُ ومُبايعته, وفي أن عيسى عليه السلام يرث مُلك المهدي ويليه في إمامة المسلمين, وكأن المهدي هو بمثابة الوالد الذي لم يُولد المسيح (عليهما السلام) بنطفةٍ منه, قال تعالى: {ووالدٍ وما ولد 3} سورة البلد.

غلاماً يحيا
قال تعالى: {يا زكريا إنا نبشرك بغُلامٍ اسمهُ يَحيى لم نجعل لهُ من قبلُ سَمياً 7} سورة مريم.
إذا كان اللهَ قد بشرَ زكريا عليه السلام بغُلامٍ اسمهُ يَحيى, فإن المهدي عليه السلام مُبشرٌ بغلامٍ هو بالفعل يَحيى, وذلك أن الله تبارك وتعالى سوف يُحيي عيسى ابن مريم ويُنزلهُ إلى الأرض غوثاً لأهل الإيمان, بعد أن توفاهُ ورفعهُ إلى السماء قبل أكثر من 2000 سنة من الزمان, وفي الحقيقة فإن عيسى عليه السلام حيٌ في السماوات مع من توفاهم الله من الأنبياء والصالحين والشهداء المقبولين, وجميع هؤلاء القوم المؤمنين (عليهم صلاة الله وسلامه ورضوانه) أجسادهم مدفونة في الأرض وآجالهم وأرزاقهم مُستوفية في الدنيا, باستثناء المسيح عيسى ابن مريم الذي يرد الله عز وجل روحه إلى جسده المحفوظ في مستودعهِ في السماء, ثم يبعثهُ إلى الدنيا ليستكمل رزقهُ وأجلهُ ورسالتهُ فيها وهذا هو إحياؤه, قال تعالى: {والسلامُ عَلَيَ يوم ولدتُ ويوم أموتُ ويوم أُبعثُ حياً 33} مريم. وقد سبق أن شرحتُ هذه المسألة بتفصيلٍ أكثر في مقال (عجائب السلام على عيسى عليه السلام).

قال تعالى: {يا أيُها الناس اتقوا ربكم واخشوْا يوماً لا يجزي والدٌ عن ولدهِ ولا مولودٌ هو جازٍ عن والده شيئاً. إن وعد الله حق, فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغُرنكم بالله الغَرور 33 إن الله عندهُ علمُ الساعة ويُنزل الغيث ويعلم ما في الأرحام, وما تدري نفسٌ ماذا تكسبُ غداً, وما تدري نفسٌ بأيِ أرضٍ تموت. إن الله عليمٌ خبير 34} سورة لقمان.

عن حذيفة بن اليمان , رضي الله عنهُ, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يلتفت المهدي, وقد نزل عيسى ابنُ مريم كأنما يقطُرُ من شعره الماءُ, فيقول المهديُ: تقدم وصلِ بالناس. فيقول عيسى ابنُ مريم: إنما أُقيمت الصلاةُ لك.
فيُصلي عيسى خلفَ رجُلٍ من (ولدي), فإذا صُلِيت قام عيسى حتى جلسَ في المقام, فيُبايعهُ} وذكر باقي الحديث. أخرجهُ الحافظ أبو نعيم في (مناقب المهدي) (1).
وعن كعبٍ الأحبار , رضي الله عنه, قال: {يُحاصر الدجال المؤمنين ببيت المقدس, فيُصيبهم جُوعٌ شديد, حتى يأكلوا أوتار قِسِيهم من الجوع, فبينما هم على ذلك, إذ سمعوا صوتاً في الغَلَس, فيقولون: إن هذا لصوتُ رجُلٍ شبعان.
قال : فينظرون, فإذا عيسى ابنُ مريم.
قال: وتُقام الصلاة فيرجعُ إمام المسلمين المهدي, فيقول عيسى: تقدم فلَكَ أُقيمت الصلاة. فيُصلي بهم ذلك الرجل تلك الصلاة, ثم يكون عيسى إماماً بعد} أخرجهُ الحافظ أبو عبد الله نعيم بن حماد, في كتاب (الفتن).  

سادة الزمان وخاتمي الأديان
قال تعالى: {وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاكِ وطهركِ واصطفاكِ على نساء العالمين 42 يا مريم اقنُتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين 43 ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك. وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيُهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون 44 إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يُبشرك بكلمةٍ منهُ اسمهُ المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين 45 ويكلم الناس في المهدِ وكهلاً ومن الصالحين 46 قالت ربِ أنى يكون لي ولدٌ ولم يمسسني بشر, قال كذلك الله يخلقُ ما يشاء. إذا قضى أمراً فإنما يقولُ لهُ كن فيكون 47} آل عمران.
 وكما أن الله جل في عُلاه قد مَنَ على مريم ابنة عمران (عليهما السلام) بأن  وهب لها غُلاماً زكياً بكلمةٍ منهُ دون لقاح الذكور, ليكون آيةً على اصطفائها وطُهرها وتفضيلها على نساء العالمين, فإنهُ جَلَ في عُلاه سيُنعِمُ على المهدي عليه السلام بنزول ذات الغُلام عيسى ابن مريم عليهما السلام, ليكون آيةً على اصطفاء المهدي وصدق ولايته وفضلَهُ على أئمة المسلمين, وليكون المسيحُ ابن مريم نِعْمَ السَنَدُ والخَلَفُ والوريث للإمام المهدي (عليهم السلام جميعاً), وهكذا فإن خير أُم ٍ مريم ابنة عمران قد حملت وأنجبت وربَت خير غُلام عيسى (عليهما السلام), وليكون عوناً وامتداداً لخير إمام المهدي (عليه السلام) في إنقاذ البشرية وإخراجها من هاوية دينها ودنياها في آخر الزمان.

وكما أن مريم ابنة عمران هي سيد نساء الزمان الذي خُتمت به الديانة اليهودية وهي عهدُ موسى, فإن الإمام المهدي هو سيد رجال الزمان الذي ستُختم بهِ الديانة الإسلامية وهي عهدُ محمد (عليهم الصلاة والسلام جميعاً), عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب , رضي الله عنه , قال : {قلتُ يا رسول الله , أمنا المهدي , أو من غيرنا ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : بل منا , يختمُ الله به الدين كما فتحهُ بنا} (2). 
وختم الدين لا يعني انتهاءه كما قد يظن البعض, ولكنهُ يعني اكتمال نور شرائعه وتحقُق غاياته وبلوغ مقاصدهِ منتهاها, فلا يزدادُ الأمر بعد هذه القوة والكمال إلا وهناً ونقصان, وهكذا إلى أن يُدرك الناس زمانٌ لا عهد لهم فيه بكتابٍ ولا إمام, وتجف الصُحف وتُرفع الأقلام, وعلى مثل هؤلاء البشر تقوم القيامة ويرث الله الأرض ومن عليها من الخلق والأنام.

قِسمة عيسى (عليه السلام)
إن مَثلَ المسيح عيسى بين أمهِ مريم والمهدي (عليهم السلام), وكذلك بين أُمتيْ اليهود والإسلام, كمَثلِ الحوت الذي انتفع به خَلقُ البحر والبر مُجتمعان.
قال تعالى: {وإذ قال إبراهيمُ ربي أرني كيف تُحي الموتى, قال أولم تُؤمن, قال بلى ولكن ليطمئن قلبي, قال فخُذ أربعةً من الطير فصُرهُنَ إليك ثم اجعل على كل جبلٍ منهُنَ جُزءاً ثُم ادعُهُنَ يأتينكَ سعياً. واعلم أن الله عزيزٌ حكيم 260} البقرة. فصُرهُنَ إليك: قطعهُنَ مُمَالة إليك.
قال ابن زيد: مرَ إبراهيم بحوت ميت, نصفهُ في البر ونصفهُ في البحر, فما كان في البحر فدواب البحر تأكله, وما كان منه في البر فدواب البر تأكله, فقال لهُ إبليس الخبيث: متى يجمع الله هذه الأجزاء من بطون هؤلاء؟ فقال إبراهيم عليه السلام:{ربِ أرني كيف تحي الموتى ..}من كتاب مختصر تفسير الطبري.

وإن انتقالُ عيسى (عليه السلام) من الحياة في زمان أمهِ مريم إلى زمان المهدي (عليهما السلام), يُمثل صورةً نادرةً من الامتزاج الحضاري والاجتماعي والثقافي بين بني الإنسان, ويُحقق غاية الرحمَن التي ذكرها سبحانهُ في آيات القرآن, قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأُنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. إن الله عليمٌ خبير 13} سورة الحُجرات.

أزواج الجنة
قال تعالى: {سبحان الذي خلقَ الأزواج كلها مما تُنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون 36} يس.

إن الكمال لله وحده سبحانه وتعالى الذي لا يعتريه نقص ولا يحتاجُ لأحدٍ من خلقه, وأما المخلوقات فبعضهم بحاجةٍ إلى بعض, وكلهم بحاجةٍ إلى خالقهم الواحد الأحد, وإن كانت المخلوقات ليست كاملة بذاتها إلا أنها تعيشُ في حالةٍ من التكامل فيما بينها, ونستطيع أن نلمس هذا التكامل والتآلف بين المخلوقات من خلال العلاقة بين الزوجين الذكر والأنثى, وهذا النوع من التكامل النفسي والجنسي نجدهُ في البش وغيرهم من المخلوقات والكائنات وحتى الجمادات, وهذا أمرٌ مُلاحظ ومعلوم علمياً وعملياً ولهُ شواهدهُ الكثيرة في الكون, قال تعالى: {ومن كل ِ شيءٍ خلقنا زوجين لعلكم تذَكَرون 49} سورة الذاريات.  

وإن أول زوجين من البشر كانا أبوينا آدم وحواء (عليهما السلام), وعلى سُنتهم وفطرتهم كان الأزواج من ذريتهم إلى أن تقوم الساعة, {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات, والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات} [آية 26,النور].
وإذا كان الله قد قَدَرَ لآدم (عليه السلام) وهو أول الخَلْق أن يكون لهُ زوجةً واحدة وهي أمنا حواء, فإن الله قد شَرَع لأبنائهِ وذُريته من بعده أن يعددوا يجمعوا بين أكثر من زوجة, وأن ينكحوا ما يشاءون من الإماء والجواري بحسب الظروف والسعة المالية والجسدية, وهذه الزيادة للرجل فيما أحلَ الله لهُ من النكاح تنسحبُ على الجنة التي يكون حظ المؤمن فيها من زوجات الحُور العين سبعين أو يزيد.
وفي العلاقة الزوجية الدنيوية قد تُبتلى المرأة أو الرجل على حدٍ سواء بمن ليسوا لهم أهلاً من الأزواج, أو بمن لا ينسجمون تماماً مع صفاتهم الخَلقية والخُلقية, كما قد يُبتلون بغياب نصفهم الآخر وتوأم روحهم من الأزواج والحرمان من لقاءه, وهؤلاء الأزواج هم الذين جَبلهم الله من طينةٍ واحدة كما جَبلَ آدم وخلق منه حواء, وكأنهم قد أُنشئوا من نُطفةٍ واحدة كونت مرةً الذكر وفي المرة الأخرى كونت الأنثى, وكما يقول المثل المصري المشهور: (فولة وانقسمت نصفين), قال تعالى: {وأنهُ خلق الزوجين الذكرَ والأنثى 45 من نُطفةٍ إذا تُمنى 46} سورة النجم.
ومن لم يكُن محظوظاً من الأزواج في الدنيا بمعرفة أو لقاء نصفهُ الآخر الأقرب إلى نفسه, فإن الله الجامع سبحانهُ وتعالى يجمعهُ به في الآخرة, {ربنا إنك جامعُ الناس ليومٍ لا ريب فيه إن الله لا يُخلف الميعاد 9} آل عمران. فأما المؤمنين من الأزواج فإن اجتماعهم يكون في جنات النعيم, {إن أصحاب الجنة اليوم في شُغلٍ فاكهون 55 هم وأزواجهم في ظِلالٍ على الأرائك متكئون 56} سورة يس. وأما الكافرين فإن اجتماعهم يكون في نار الجحيم, {هذه جهنم التي كنتم توعدون 64 اِصْلوْها اليوم بما كنتم تكفرون 65} يس.
واليوم الآخر هو يوم الله يقضي فيه بين عباده في كافة شؤونهم الكبيرة والصغيرة, حتى في تلك التي تتعلق بزواجهم وميولهم العاطفي, يجمعُ ويُفرق, يمنحُ ويمنع, فهم سبحانهُ اعلمُ بمن خَلق وبيدهِ مفاتيح القلوب, قال تعالى: {وإذا النفوس زُوجت 7} التكوير. وإن مسألة الأزواج وأقدارهم في الدنيا والآخرة طويلة وحيثياتها كثيرة ولا تتسع لبيانها هذه العُجالة, وما أُريد أن أصِلَ إلى بيانهِ في هذا المقام هو أن مريم ابنة عمران والإمام المهدي (عليهم السلام) المُلتقيان والمشتركان في رعاية وولاية أمر المسيح عيسى (عليه السلام) يصلُحان أن يكونا زوجان من أزواج الجِنان, لم يكتب لهما الله الرحمَن اللقاء في الدنيا لحكمةً أرادها بأن يكون المسيح عيسى (عليه السلام) هو النبي الخاتم لعهد اليهودية والإسلام.
ورغم أن الذكر والأنثى زوجان متكاملان في تكوينهما إلا أنهما مختلفان في كيانهما, وقد عطف الله الرحمَن بخلقهِ للذكر والأنثى على الليل والنهار المختلفان, قال تعالى: {والليل إذا يغشى 1 والنهارِ إذا تجلى 2 وما خلق الذكر والأنثى 3 إن سعيكم لشتى 4} سورة الليل.
ويتجلى لنا هذا الاختلاف في شخصيْ أم عيسى مريم ابنة عمران, وصاحب الولاية الأبوية عليه الإمام المهدي (عليهم الصلاة والسلام), واللذان هما في سعيهما في هذه الدنيا شتان, كل واحدٍ منهما في زمان لا يلتقيان, كالشمسِ والقمر يُضيئان الأرض ويُنيرانها في نهارها وليلها دون أن يجتمعان, قال عز وجل:{والشمسُ تجري لمُستَقَرٍ لها. ذلك تقدير العزيز العليم 38 والقمرَ قَدَرناهُ منازِلَ حتى عادَ كالعرجون القديم 39 لا الشمسُ ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار. وكلٌ في فلكٍ يسبحون 40} سورة يس. 
وكما جاء عن علماء تفسير القرآن, فإن الشمس والقمر المذكورين في رؤيا يوسف (عليه السلام), هما كنايةً عن أبوه يعقوب وزوجتهُ (ليا) التي هي خالة يوسف وبمنزلة أمه (راحيل), وقد تولت (لِيا) مهمة رعاية وتربية يوسف (عليه السلام) بعد رحيل أختها (راحيل), قال تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ 4} سورة يوسف.

حظ الذكر والأنثى
قال تعالى: {للذكر مثل حظ الأنثيين} [11,النساء]. أي أن الأنثى الواحدة ترثُ نصف ما يرث الذكر, فإذا كانت السيدة مريم هي الأنثى وكان الإمام المهدي هو الذكر (عليهما السلام), فإنه وتصديقاً لذلك فقد ورثت مريم ابنة عمران  وابنها المسيح (عليهم السلام) في زمانهما نصف كفر وعدوان اليهود, كما جاء في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله, قال الحواريون نحن أنصار الله. فآمنت طائفةٌ من بني إسرائيل وكفرت طائفة, فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين 14} سورة الصف. 
وعلى الجانب الآخر فإن المهدي عليه السلام سوف يرث في زمانه ظلم وعدوان اليهود كاملاً, والذي نراهُ في كل يوم ماثلاً أمام أعيننا على ارض فلسطين السليبة, قال تعالى : {ومن أظلمُ ممن منع مساجد اللهِ أن يُذكر فيها اسمهُ وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزيٌ ولهم في الآخرة عذابٌ عظيم}.
وسيكون الولد البار عيسى (عليه السلام) رمانة الميزان في إنهاء كافة مظاهر هذا الظلم والعدوان الذي انتصف في زمان أمه مريم ابنة عمران, واكتمل في زمان المهدي (عليه السلام), قال تعالى : {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا 7}.سورة بني إسرائيل. 
وفي الحديث الطويل الذي رواه أبي أمامة الباهلي:{...فيقول عيسى إن لي بك ضربة – يعني الدجال- لن تسبقني بها. فيُدركهُ عند باب لُدٍ الشرقي فيقتُلُه. ويهزم اللهُ اليهود , فلا يبقى شيءٌ مما خلقهُ الله يتوارى به يهودي إلا أنطقَ اللهُ ذلك الشيء , ولا حَجَرَ , ولا شجرَ , ولا حائط – إلا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق – إلا قال : يا عبد الله المسلم , هذا يهودي , فتعالَ اقتُلهُ...}. (3) 

 الشجرة الطيبة
قال تعالى: {ألم ترى كيف ضرَبَ اللهُ مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ ًأصلُها ثابت وفرعُها في السماء 24 تؤتي أُكلها كلَ حينٍ بإذن ربها. ويضربُ الله الأمثالَ للناسِ لعلهم يتذكرون 25} سورة إبراهيم.
إن كلمة الله المسيح عيسى (عليه السلام) كالشجرة الطيبةِ التي لها أصول وجذور ثابتة وراسخة في الأرض, وهما: أمهُ مريم التي أنبتهُ الله في بطنها ثم أخرجهُ طفلاً, وأنشأهُ نشأةً حسنة في كنفها حتى شَبَ ونضجت ثمارهُ وأكل منها أهلهُ وقومهُ في أول زمانه, ثُم بعد ذلك رفع الله كلمتهُ الطيبة إلى السماء تطهيراً لها من رجس الكافرين, قال تعالى: {من كان يُريد العِزةَ فللهِ العزةُ جميعاً. إليهِ يصعدُ الكَلِمُ الطيب والعملُ الصالح يرفعُهُ. والذين يمكرون السيئات لهم عذابٌ شديدٌ, ومكرُ أولئك هو يبور 10} فاطر. ولتعود هذه الكلمة والشجرة الطيبة لتُؤتي أُكُلها وتُثمر وتُعَمر من جديد في حين وزمان جذرها الأبوي الإمام المهدي (عليهما السلام), بعد أن يأذن الله لها بالعودة إلى الأرض والاستقرار فيها إلى الأجل الذي قدرهُ لها, وهذا من عظيم تدبير الله وآياته الكبرى في هذا الكون.
قال تعالى: {واللهُ خلقكم من تُرابٍ ثم من نطفةٍ ثم جعلكم أزواجاً. وما تحملُ من أنثى ولا تضعُ إلى بعلمهِ. وما يُعَمر من مُعَمرٍ ولا ينقُصُ من عُمرهِ إلا في كتاب. إن ذلك على الله يسير 11} فاطر.  

في تَكَني المهدي بأبي القاسم
عن عبد الله بن عمر, رضي الله عنهما, قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): {يخرج في آخر الزمان رجلٌ من (ولدي) , اسمهُ كاسمي , وكنيتهُ ككنيتي , يملأُ الأرض عدلاً , كما مُلئت جوراً} (4).
{كنيتهُ ككنيتي}: وفي هذا القول دلالة على محبة وتكريم النبي (عليه الصلاة والسلام) للمهدي ومُقاسمتهِ كنيته (أبا القاسم) معهُ, وهذا استثناء لم يكن لأحد من الناس قبل الحُجة المهدي,  حيثُ صح عنه (عليه الصلاة والسلام) أنهُ كره أن يتكنى الناس بكنيته من بعدهِ, كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أنه قال: قال أبو القاسم (عليه الصلاة والسلام): {تسموا باِسمي ولا تكنوا بكنيتي}.
وكيف لا وقد جعل الله وليهُ المهدي عليه السلام محمد هذه الأمة في آخر عهدها, كما كان نبيهُ المصطفى (عليه الصلاة والسلام) مُحمدها في أول عهدها, والمؤمنين بعد عهد النبي (عليه الصلاة والسلام) في شوقٍ جارف لرؤيته ولقاءه, فمنهم من يلقاه ويراهُ ويُحدثهُ في حالة اليقظةً وهم خاصة الله من أولياءه, ومنهم من يراهُ في المنام وهم أصحاب القلوب الطاهرة والأخلاق الحسنة, ومن لم يتسنى لهُ شيئاً من ذلك فإنهُ يلتمس صورة حبيبه المصطفى (عليه الصلاة والسلام) وسيرتهُ في وجوه وسيرة ورثته من الأئمة والأولياء الصالحين رضوان الله عليهم أجمعين.   

في ما يظهر لهُ من كرامات في فترة ولايته
عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب, عليه السلام, قال: {تختلف ثلاث رايات, راية بالمغرب, وراية في جزيرة العرب, وراية بالشام, تدوم الفتنة بينهم سنة.
ثم ذكر خروج السفياني , وما يفعلهُ من الظُلم والجور.
ثم ذكر خروج المهدي, ومُبايعة الناس لهُ بين الركن والمقام.
ثم يسير بالجيوش حتى يصير بوادي القرى, في هدوءٍ ورفق, ويلحقهُ هنالك ابن عمهُ الحَسَني, في اثنا عشر ألف فارس, فيقول له: يا ابن عم أنا أحق بهذا الجيش منك, أنا ابن الحسن, وأنا المهدي.
فيقول لهُ المهدي عليه السلام: بل أنا المهدي.
فيقول له الحَسَني : هل لك من آية فأُبايعك؟
فيُومئ المهدي عليه السلام إلى الطير فيسقُط على يده, ويغرس قضيباً في بُقعة من الأرض , فيخضر ويورق.
فيقول لهُ الحسني : يا ابن عم هي لك} (5).

* {فيُومئ المهدي عليه السلام إلى الطير فيسقُط على يده, ويغرس قضيباً في بُقعة من الأرض , فيخضر ويورق}:
إن في هذه العبارة إشارة إلى أن الله يُسخر الطير والحديد للمهدي كما سخرها لداود ومن بعده لسليمان (عليهم السلام), قال تعالى: {ولقد آتينا داود منا فضلاً,يا جبال أوبي معه والطير, وألنا له الحديد 10} سبأ, وقال تعالى : {وورث سليمان داود, وقال يا أيها الناس عُلمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء, إن هذا لهو الفضل المُبين 16 وحُشر لسليمان جنودهُ من الجنِ والإنسِ والطير فهم يوزعون 17} سورة النمل.
وقد يكون في هذا القول أيضاً إشارةً مجازية إلى القوة والمنعة التي سيكون عليها جيش المهدي في مواجهة شياطين الإنس والجن, وإلى الكرامة الربانية التي سيمنحها الله لوليه المهدي (عليه السلام) وجندهُ لهزيمة أعدائهم, فيومئ المهدي عليه السلام إلى الطائر الحديدي (طائرة عدوه) فيسقط بإذن مُمسكهُ في الهواء تبارك وتعالى, قال تعالى: {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافاتٍ ويقبضن. ما يُمسكُهنَ إلا الرحمَن . إنهُ بكل شيءٍ بصير 19} سورة المُلك.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏‏{إن الله تعالى قال‏:‏ ‏‏من عاد لي وليَّا، فقد آذنتهُ بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني، أعطيته، ولئن اِستعاذني، لأُعيذنه‏‏} ‏‏‏‏رواه البخاري‏‏‏. 
وكذلك فإن في هذه العبارة إشارةً إلى أن الله يرزق المهدي وأتباعه المؤمنين بلطيف إحسانه, كما رزق موسى وبني إسرائيل المتفرغين لعبادته وإقامة شريعته في الأرض بطائر السلوى دون جُهدٍ وعناءٍ في اصطياده, قال تعالى: {يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المنَ والسلوى 80} سورة طه.

* {ويغرس قضيباً في بُقعة من الأرض, فيخضر ويورق} :
الواضح من ظاهر هذا القول أن الله القادر البديع يمنح المهدي القدرة على الإتيان بأفعالٍ خارقة للعادة كتلك التي أجراها على أيدي أنبيائه وأوليائه (عليهم سلام الله ورضوانه), لتكون له عوناً في تصديق دعوته وولايته وإظهار كرامته, وذلك كأن يغرس المهدي قضيباً من حديدٍ أو نحوه في بقعةٍ من الأرض, فيتحول هذا القضيب الميت إلى غُصنٍ أخضر مُورق بإذن الله.
وقد نستخلصُ من هذه العِبارة إشارة إلى الجهود التي سوف يبذلها الإمام المهدي من أجلِ نبذ العنف وإحلال السلام بين الأمم الشعوب المتناحرة, وذلك من خلال تسخيره لهذه الكرامة الربانية في غرس قضيب الحديد الذي قد يكون سيفاً أو بندقية أو نحوه من أسلحة القتل والتخريب في بقعةٍ من الأرض, فيتحول بإذن الله إلى نباتٍ ينتفع منهُ الناس ويستفيئوا ظلاله, وخيراً للناس من ملئ الأرض ببذور الرصاص وسقيها بدماء بعضهم بعضاً ظلماً وعدواناً, فلا يزدادون إلا أحقاداً وضياعاً في أمر دينهم ودنياهم, أن يبذروا ويزرعوا فيها ما ينفعهم ويكيفهم بأس معيشتهم وآخرتهم.  

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.

المراجع:
- كتاب عقد الدرر في أخبار المنتظر.

الهوامش:
(1)- وأخرجه أبو القاسم الطبراني في (مُعجمه).
(2)- أخرجه جماعة من الحفاظ , منهم أبو القاسم الطبراني , وأخرجه نعيم بن حماد في نسب المهدي .الفتن لوحة 102 أ.
(3)- أخرجهُ الحافظُ أبو عبد الله ابن ماجة في (سُننه).
(4)- من كتاب عقد الدرر في باب اسمه وخُلقهُ وكنيته.
(5)- من كتاب عقد الدرر في أخبار المنتظر, الباب السادس, فيما يظهر لهُ من الكرامات في مدة خلافته.
  

*  نُشر لأول مرة في مدونة (ولي الدين والمسبار السحري) بتاريخ 24-5-2009
فكرة وإعداد: م. وليد أحمد القراعين